لم أكن يومًا سياسيًّا بالمعنى المهني، وليس في نيتي يومًا أن أكون، ولكنني فيما أحسب سياسيٌّ بالمعنى الثقافي، في نيتي دومًا أن أكون هذا الرجل الذي تؤرِّقه جذور هويته وتسيطر على أحلامه ورغباته تحقيق العودة إلى هذه الجذور.
قفز هذا العنوان الذي تصدَّر هذه الورقة إلى عقلي، وتملكني بسبب أشياء كثيرة؛ كانت آلام غزة تقف في خلفيتها، وكان كثيرٌ من الأصوات الموالية للنظام في مصر- التي لا ترى شيئًا مريبًا أو غامضًا في مسلكه- واقفةً أيضًا داعمةً لهذا الذي تملَّكني من أمرِ التفكير فيما صغته تحت عنوان: "مصر في خطر".
والغريب المدهش أن يكون هذا المعنى الذي يحمله هذا العنوان من ثوابتِ الثقافة في النظر إلى مصر خلال التاريخ كله، يستشعره أهل السياسة بما أنها مهنة لهم، ويستشعره المثقفون الحقيقيون أيًّا ما كانت انتماءاتهم ومواقعهم أو بلدانهم ولغاتهم أو تخصصاتهم العلمية الأكاديمية؛ بما أنها متداخلة مترابطة.. نعم وألف نعم.
وسوف أدلِّل على هذا الذي أدعيه بصوتٍ من خارج الدائرة المصرية والعربية من جانب، ومن خارج الدائرة المهنية الحاضنة للسياسيين من جانبٍ آخر، وكعادتي في متابعةِ الجديد من أدبيات اللسانيات العربية أو الأجنبية التي تدخل في العمق من تخصُّص علم اللغة أو فقهها أو التخصصات المتداخلة معها في مناطق بينية.
كنت أقرأ كتاب الدكتور مصطفى صفوان المصري الفرنسي وأحد أعظم المحللين النفسيين المعاصرين الذي عنوانه "الكلام أو الموت.. اللغة بما هي نظام اجتماعي"؛ الذي ترجمه الدكتور مصطفى حجازي الأستاذ الأكاديمي اللبناني؛ فوجدتُ في مقدمته التي صنعها كولن ماك كابي؛ التي يقول فيها عن علاقته بصديقه مصطفى صفوان وعلاقته بمصر وطنه الأم ما نصُّه: "لا مجالَ للشك حول قوة ارتباطه- أي مصطفى صفوان- ببلدي الأم، على كل حال تكمن دلالة مصر في كونها أقدمَ حضارات البحر المتوسط، وأكثر البلدان تعرضًا للاستعمار معًا".
ولا أحب لأحد أن ينظر إلى هذا النقل نظرة ريبة أو نظرة ترميه بأنه خارج السياق مقطوع الصلة بما نحن بصدده مما هو جارٍ على أرض غزة، بل الأمر في قلب الانشغال بما هو دائر الآن تكمن دلالة مصر في أنها الأكثر تعرضًا للاستعمار، والعجيب أن النظرَ إلى فلسطين عبر التاريخ الحكم في مصر كان نظرًا حانيًا ومتعاطفًا معًا على الأقل من باب تقدير أمن مصر وسلامة أرضها وسلامة أنظمةِ الحكم فيها، مُضافًا إلى ذلك أثرها الحضاري.
لقد فطن الحكم في مصر القديمة إلى قيمةِ الشام فامتدت في أحيان غير قليلة مظلة حكم مصر القديمة لتشمل الشام وفلسطين.
وهو الأمر الذي فطن إليه حكام مصر وسلاطينها على امتداد التاريخ الإسلامي على ما هو شائع مشهور من أمر صلاح الدين وسيف الدين قطز ومحمد علي وغيرهم.
ولقد دأبت أدبيات التاريخ المعاصر والحديث على التذكير بأن كل أحلام الإمبراطوريات القادمة من الغرب كانت في مصر قاعدة هذه الأحلام، ألم يُعلمونا- قبل أن يُطمس هذا التاريخ في زفةِ الاحتفال بالحملة الفرنسية من قِبل مزوري التاريخ وبائعي أنفسهم للشيطان في الغرب- أن الغزوة الفرنسية التي قادها نابليون كانت تطمح إلى إقامة إمبراطورية فرنسية تكون قاعدتها مصر؟! أين اختفى هذا الصوت الآن؟! ولمصلحة مَن يتم تغييبه؟! ولماذا تُطمس معالمه؟.
أنا أعلم مع غيري أن انهيار التعليم أو تغريبه ربما يكون بقصد خلق نموذج غربي هنا، وربما يكون بقصد تنميطنا بنمطٍ يقطعنا عن جذورِ هويتنا، وربما كان لخلق نوعٍ من التبعية للغرب بحجةٍ أو بغير حجة.
لكن أن يكون كل ذلك بقصد تضييع مصر وسقوطها في هوةِ الاحتلال من قِبل الصهيونية العالمية فلا وألف ألف لا.
لماذا لا يقرأ المعاصرون فيما يحدث في غزة تمهيدًا- ولو احتمالاً- لافتراس مصر وللفراغ لها ولتحقيق الحلم الإسرائيلي بإسرائيل الكبرى؟!.
ولماذا لا يقرأ المعاصرون من أهل الحكم ومَن شايعهم أن ما يحدث في غزة هو الحلقة الأخيرة أو قبل الأخيرة لغزو مصر والسطو على أرضها ومقدراتها؟ ولماذا لا يقرأ المعاصرون من أهل الحكم في مصر ومَن يُزمرون حولهم أن ما يحدث في غزة هو المشهد الختامي أو قبل الختامي لابتلاعِ مصر، وأن الحلقات الأولى من هذا المسلسل الدرامي البغيض الكئيب كانت بدأت منذ زمانٍ بتعاونٍ هو إلى الخيانةِ أقرب يوم سُحِبَ المتطوعون من المجاهدين المصريين في حرب 1948 وأُرجعوا من الميدان إلى الليمان؟.
ولماذا لا يقرأ هؤلاء المعاصرون من أهل الحكم ومَن يتحدثون باسمهم أن حروبَ 67 ومن قبلها 56 كانت حلقات مركزية في مسلسل عنوان "ابتلاع مصر"؟.
نحن نحب لمصر ولنظامها أن يلتفتَ إلى هذا الخطر المحدق ببلادنا، وأن يصدروا فيما يصدرون عنه تحركات في هذه الكارثة التي تُحيط بأهلنا في غزة بما يُطمئن أهلَ مصر بأنهم في أيدٍ أمينةٍ تعي أبعاد الموقف وتعي اقتراب المسلسل البغيض من نهايته بعد ما وصل إلى نقطة التأزم واقترب زمان الانفراج الذي يُخطط له صهيون منذ ما يقرب من مائة سنة.
ونحن نحبُّ لمصر ولنظامها أن يبعث في قلوبنا شيئًا من طمأنينةٍ أنه تعلَّم من كارثة 67 وأنه لا يصح دينًا ولا يصح شرعًا ولا يصح منطقًا ولا يصح سياسيةً ولا يصح بخبرةِ التاريخ أن ننتظر لنتلقى الضربة ثم نتهيَّأ لردها هذا لو كان العدو سيبقي فرصةً للرد.
ونحن نريد من مصر ومن نظامها أن يخلقوا إحساسًا باعثًا على أن الإسلامَ وحضارته وتاريخه المجيد في أمن؛ لأن رعاة مصر منتبهون لحقيقةِ موقعها وحقيقة دورها وحقيقة عدوها وحقيقة ما يُدبَّر لها من قِبل هذا العدو الفاجر.
مصر في قلب الخطر، ولا يصح مطلقًا أن يغيب هذا المعنى.. فالحذر الحذر.
---------
* كلية الآداب- جامعة المنوفية.