د. محمد المهدي في حوار بعد الانتصار:

أسباب صمود المقاومة

- عقيدة "النصر أو الشهادة" أهم أسباب الصمود والشهادة اختيار من الله

- الغزاويون ليس لديهم خيارٌ آخر غير المقاومة والهروب من القطاع خيانة

- الشعب التفَّ حول حماس لأنه وجد فيها ضالته ولو كان يكرهها لانقلب عليها

- عبقرية إدارة المؤسسات في الحرب ضربة مُوجعة للعدو أربكت مخططاته

 

أسباب هزيمة الاحتلال

- صواريخ المقاومة دمَّرت معنوياتهم حتى لو كانت تأثيراتها المادية ضعيفة

- توازن الرعب النفسي لأطراف الصراع قَلَب موازين الحرب لصالح المقاومة

- القاموس العسكري للعدو يخلو من الحرب طويلة المدى لحرصهم على الحياة

- معدلات الجبن لديهم- عسكريين وأفرادًا- مرتفعة وتتزايد مع طول الحرب

 

حوار- هند محسن:

أثبت الشعب الفلسطيني على مدار 23 يومًا هي مدة العدوان الصهيوني على قطاع غزة، أنه شعبٌ لا يُقهر، وصاحب قضية أقسم على أنه لن يتنازل عنها مهما كانت التضحيات، وسيواصل الدفاع عنها حتى الرمق الأخير مهما طال الزمن.

 

لكن الصمود الباسل والثبات غير العادي الذي ظهر عليه الشعب الفلسطيني ضد أقوى الآليات العسكرية على مستوى العالم وتحت أطنان قذائف العدو الصهيوني المحرمة دوليًّا؛ أدهش العالم أجمع، وطرح العديد من التساؤلات حول تفسير ذلك الصمود وسر تأهيل الشعب الفلسطيني في دعم مقاومته بالروح المعنوية العالية، وإفشال مخططات وأهداف العدو في سحق المقاومة وتركيع الشعب، بل ونجاح الشعب والمقاومة في تصدير الهلع إلى الكيان الصهيوني كعاملٍ من عوامل الحرب النفسية، وكذلك حول مدى تأثير الفعاليات المناصرة لقطاع غزة ومدى فاعليتها في التأثير على الأنظمة.

 

 د. محمد المهدي

 

(إخوان أون لاين) حاول الإجابة على هذه الأسئلة من خلال تحليلٍ نفسي دقيق لنفسية الشعب الفلسطيني، إضافةً إلى تحليلٍ نفسي آخر عن أسباب هزيمة الكيان الصهيوني من خلال هذا الحوار مع الدكتور محمد المهدي أستاذ ورئيس قسم الطب النفسي بكلية طب دمياط جامعة الأزهر.

 

* بدايةً.. ما تحليلكم لصمود الشعب الفلسطيني على مدار العدوان الصهيوني على قطاع غزة رغم المجازر الرهيبة المتواصلة التي يرتكبها جيش الاحتلال في حقِّه ورغم إنهاك الحصار له قبل العدوان؟

** أولاً: هناك إعدادٌ هائل وطويل لأهل غزة منذ أمدٍ بعيد ليكونوا على خط المواجهة الدائم، فأصبح الأمر بالنسبة لهم هو تفاوت درجة المواجهة مع العدو الصهيوني من ازدياد حدتها أو هدوئها، وما نراه اليوم هو ازديادها بشكلٍ قوي وملحوظ، وسبب صمودهم فيها إعدادهم السابق بفكرة إحياء العقيدة في نفوسهم، وترابط أهل غزة بعضهم مع بعض وترابطهم مع فصائل المقاومة في منظومةٍ اجتماعية رائعة وبقدر عالٍ من التكافل؛ الأمر الذي جعل مجتمع غزة أكثر جاهزيةً عند مواجهة أي عدوان.

 

وإذا ما قارنَّاه بأي مجتمعٍ آخر هش وضعيف يخلو من هذه العوامل، فسينهار بسرعةٍ في فترة الحصار، فما باله إن أصابه عدوان غزة الأخير؟! بل إنه سيعلن استسلامه؛ لأن الحصارَ قد أنهكه ويقبل أي شروطٍ يُمليها عليه عدوه؛ فالعقيدة والتماسك النفسي والاجتماعي يُمثلان سر تركيبة هذا المجتمع الصامد.

 

لذلك نرى العالم في حالةِ اندهاشٍ أمام هذا الصمود والمقاومة؛ فالعدو الصهيوني يستخدم أكبر قدرٍ من القوة المروِّعة التي من بينها القنابل الصوتية التي تُؤدي إلى أضرار جسيمة؛ منها إجهاض الحوامل.

 

ثانيًا: أهل غزة لم يعد لديهم خيارٌ آخر غير المقاومة، وليس في فهرسهم مصطلح الخروج من غزة في الأساس؛ حيث أصبحت هناك فكرة لديهم أن مَن يخرج من غزة يكون خائنًا وباع قضيته، والدليل على ذلك العالقون على معبر رفح يتمنَّون دخول غزة، وحتى إن كان مصيرهم الموت؛ لأنه سيكونون في أحضانِ الوطن، وروح الارتباط هذه بأرض الوطن من الناحية الجهادية لا الوطنية تُعد سرًّا آخر لصمود أهل غزة.

 

ثالثًا: أن هذا الجيل الصامد المُقاوم في غزة تعلَّم درسًا جيدًا وعميقًا من عرب فلسطين 48 الذين لم يتمسَّكوا بمبدأ الجهاد حين كان جحيم المعركة مشتعلاً حينها؛ فالبعض كان يهرب من هوله، والبعض اختار السلام، لكننا نرى هذا الجيل يتفادى أخطاء الأجداد ويتمسَّك بالمقاومة رغم تعرُّضهم المستمر لعوامل تفوق احتمال أي إنسانٍ؛ فلا يوجد في أي مكانٍ بالعالم مَن يتحمَّل هذا العنف الرهيب.

 

صمود لا ينتهي

* من خلال رؤيتكم لتحليل الشخصية الفلسطينية، وخاصةً أهالي قطاع غزة.. ألا ترى أن كثرةَ الضغوط قد تؤدي إلى إمكانية تخليه عن ذلك الصمود في يومٍ من الأيام؟

** لا أعتقد أن الشعبَ سيفقد صموده يومًا ما بعد ما عايشوه ويتعايشون معه حتى الآن؛ حيث إننا نرى من الحسابات الدنيوية أن المقاومةَ دائمًا تنتصر، وما هي إلا ساعات صبرٍ ويأتي النصر، بسبب ارتفاع القوة المعنوية الهائلة لدى الشعب، وهي التي يفتقدها العدو الغاصب رغم امتلاكه كل آلاتِ النصر، فإننا نجده جبانًا يخشى الموت، وعندما يُصاب الجنود في المواجهاتِ مع المقاومة يُصيبهم هلع ورعب شديدان، وهذه طبيعة الجندي الصهيوني، ونستشهد بحربه الأخيرة على غزة.

 

ففي الهجوم البري وعند دخولهم حدود غزة تفرَّقوا في عملية استكشاف وتمهيد للقوة المقتحمة، فكانوا في هلعٍ شديدٍ وخوفٍ من الناس العاديين لا المقاومين فقط، ونرى ذلك على شاشات التلفزيون، وأعتبر ذلك عاملاً مهمًّا في الصراع القائم، والذي لا يكشفه سوى المقاتل الحقيقي كمقاتلي غزة.

 

ولا نريد أن نغفل الجانب الديني؛ فقد انقطعت عنهم كل أسباب الأرض، وتخلَّى عنهم أشقاؤهم، بل وتواطأ البعضُ عليهم، وفي هذا الوقت يأتيهم النصر وهم صامدون، وهذه سنةٌ من سنن الله "إذا انقطعت كل أسباب الأرض يأتي نصر السماء"، فيقومون بغرس هذا في نفوسهم، وبالتالي تكون النتيجة أنهم لن يفقدوا صمودهم، ولن تحدث هزيمة طالما إرادة المقاومة هي السائدة.

 

ورغم ما نُشاهده من تقطيع العدو المحتل أوصال غزة إلى 3 قطع وعزلهم عن بعضهم البعض، وعزل القيادة المقاومة عنهم، إلا أنهم لا يزالون يقاومون وبطرقٍ مختلفة، ولا أتوقع إطلاقًا على كلِّ هذا المستوى أن يدبَّ الضعف في أوصالهم، وبالطبع لن يمتد ليصل إلى العناصر القيادية التي غرست في الشعب الصمود والمقاومة غرسًا.

 

اختيار لا انقلاب

* رغم الحملات الإعلامية وبعض الخطابات العربية الرسمية التي أرادت النيل من صورة حماس لدى الشعب الفلسطيني.. لماذا في اعتقادكم لم يستجب الشعب لذلك ووقف خلفها؟

** إذا رجعنا إلى الوراء قليلاً فإننا نجد أن الشعبَ هو الذي اختار الحكومة الحاليَّة التي تنتمي لحركة مقاومة وتتبنَّى المقاومة ذاتها، فكيف يُعقل أن ينقلبوا ضدها؟! والأغلبية من الشعب أيضًا رفض المؤامرة عليها من قِبل الأنظمة العربية، ومن خلال زرع عملاء للكيان الصهيوني في غزة لاقتناص أعضاء حماس، فكيف يأتي انقلابهم عليها؟!

 الصورة غير متاحة

ارتفاع شعبية حماس في الشارع الفلسطيني

 

لكن على الصعيد الآخر نرى رد فعل الشعب بتماسك صفه ووحدته في ظل الضربات المتوالية، بالإضافةِ إلى أن أي شعبٍ في ظل الظروف القائمة يقوم بالتماسك والتلاحم أكثر والتغلب على ظروفه القاسية بالوحدة.

 

أما بالنسبة إلى ما إذا كانت حكومة غزة متسلطة أم لا، فهذا لا أعتقده بتاتًا، فكيف تتسلط عليهم وقد ساندوها في الحكومة وأمام العدوان، وكانوا حمايةً لظهرها؟! حينها سيكون أبسط شيء إن فعلت ذلك أن يتركها الشعب تقاتل وحدها في الميدان، بل وطالبوا بإسقاطها، ولكن هذا غير ممكن؛ لأنهما- ببساطة- معًا في خندقٍ وميدانٍ واحد.

 

* إذن.. لماذا اختار الشعب حركة حماس كحكومةٍ لتُمثِّله واصطفَّ حولها وأيَّدها رغم معاداة العالم كله إياها؟

** لأن حركة حماس عنده تُمثِّل العقيدة الدينية القوية التي تحملها كمبدأ أساسي وتنتهجه، كما أنها تملك سلاح المقاومة للدفاع عن القضية؛ وذلك يُمثل خيارات الشعب الفلسطيني، فنرى أن مَن بقي في غزة من الشعب ولم يرحل إلى الضفة الغربية وتلاءم مع الوضع الجاري هم مَن يتبنون نفس المبدأ العقائدي للحكومة الحاليَّة ويختارونه.

 

كما نرى أن مجتمع غزة متجانسٌ ومتماسكٌ؛ فالغالبية منه يملك معتقدًا دينيًّا، وفكر الصمود والمقاومة متغلل في أركانه، وبالتالي لا يمكن اختراقه بكل الوسائل حتى بتقليب الشعب على حكومته المنتخبة.

 

عقيدة وفوز

* وبماذا تُفسِّر كلما ارتفعت الخسائر في الجانب الفلسطيني ازدادت معها روحه المعنوية بشكلٍ ملحوظٍ وتمسَّك بالمقاومة كخيارٍ لا بديلَ له؟

** لم نشهد في التاريخ قديمًا أو حديثًا، وعلى مدار حركات المقاومة جميعها أن المقاومةَ خسرت القليل، بل يتكبَّد الجانب المُقاوِم الخسائر الأكثر على الإطلاق؛ لأن ميزان القِوى عند العدو المحتل يرجح دائمًا، لكن من ناحيةٍ أخرى فالمقاومة تمتلك مصطلحات عقائدية تقوم بغرسها في نفوس مُقاتليها ومؤيديها؛ الأمر الذي يجعلها تتحمل الخسائر بل وتموت في سبيل نصرة القضية.

 الصورة غير متاحة

إياد أحد الجرحى كان واثقًا من انتصار المقاومة

 

كما أن المقاومة الفلسطينية وشعبها يُفسرون خسائرهم على مستوى الجرحى والموتى من خلال تصورهم وإدراكهم أن الله عز وجل قد اصطفاهم لهذه المهمة، وهي الدفاع عن المقدسات والأرض والوطن، وأن مَن يَمُتْ في سبيل ذلك فهو شهيدٌ عند الله تعالى، وبالتالي لا يُعتَبرون خسائرهم خسائر؛ فالمقاتل الفلسطيني يشعر بالربح في كلا الحالتين؛ إما النصر أو الشهادة، وأهل الشهداء يخرجون من أزماتهم سريعًا لاحتسابهم شهداءهم سبقوهم إلى الله وفي الجنة، فضلاً عن أنهم دفعوا دماءهم للأرض، فكلما سالت الدماء تمسكوا أكثر بالمقاومة وأيقنوا باقتراب النصر؛ وذلك معنى إيجابي لديهم يُمثل دعمًّا نفسيًّا قويًّا لهم بعكس العدو تمامًا.

 

عبقرية

* رغم فداحة الخسائر في الأرواح والمباني فإن مؤسسات الحكومة في غزة لم تتعطَّل وما زالت عاملةً حتى الآن.. ما تحليلكم لذلك؟

** هذا- وإن صح- فإنما يدل على عبقرية إدارية مذهلة؛ حيث تظل الإدارة متماسكةً طوال الوقت وتحت كل هذه الضربات، فضلاً عن الخطة العسكرية للعدو في تقطيع أوصال غزة، فهذا يُعَد عبقريةً وحنكةً وتماسكًا عند قوى المقاومة جميعها، وقد سبقهم إلى ذلك حزب الله في إقامته بنية تحتية قوية قبل هجوم العدو الصهيوني عليهم في حرب تموز 2006م، فنجد العقلية الإدارية في غزة وضعت في اعتبارها حدوث مثل هذه الهجمات على القطاع، فأنشأت مدينةً كاملةً تحت الأرض على الامتداد العريض لغزة تُدير من خلالها مؤسسات الحكومة ولا تصلها ضربات العدو، وأقامت شبكة اتصال كبيرة وقوية بين القيادة والمقاومين لا تلتقطها رادارات جيش الاحتلال، فضلاً عن تكوين فرق عمل فائقة التدريب تعمل بشكلٍ تلقائي لدى حركة حماس وحركات المقاومة كلها.

 

أما مَن يقول إن الحكومة الحاليَّة فشلت إداريًّا، ناهيك عن تدميرها شعب غزة عليه أن ينظر إلى الواقع؛ لأن الواقع يقول غير الذي يراه.

 

قيم الكرامة

* لا شك أن الشعب الفلسطيني في غزة ليس كله حماس، إلا أن الحرب أظهرت أن الكل وقف بجوار وفي ظهر حماس كما أشرت.. فما سبب ذلك؟

** حركة حماس هدفها المقاومة في كل الأحوال، ولن تتنازل عن هذا الهدف الذي يُعَد أساسيًّا حتى زوال الاحتلال، وهذا يُزعج العدو، وإن لم تكن هذه المقاومة قوة تدميرية له فإنها تصيبه بالهلع التام بل وتُشل حركته؛ لذلك وجدنا أنه منذ أول زيادة الضغط على الفلسطينيين كانت هناك قناعة لديهم جميعًا- قادةً وشعبًا- أنهم في خندقٍ واحد؛ لا يُفرِّق العدوان بين أحدٍ منهم.

 

وهنا المعادلة الطردية تأتي؛ فكلما زاد التضييق عليهم ازدادوا تماسكًا وتلاحمًا، ومع وجود قيادة قوية في غزة تجمَّع الشمل وتُحفَّز على البذل وتداوي جراح شعبها وتزرع بداخله فكرة المقاومة؛ فإن ذلك يُعزز من الصمود والاستمرارية على الصعيدين القيادي والشعبي، وحتى الذين شابت معنوياتهم ضعفٌ من بين صفوف الشعب فإن المعادلة الطردية ترأب هذا الصدع؛ فعندها يتساوى الموت لديهم فيختارون الموت شهداء.

 

بالإضافة إلى أن الصعيد المجتمعي الذي لاقى ويلات الحرب كان مُتقبلاً فكرة المقاومة والحرية والجنة التي يزرعها فيه المبدأ العقائدي لحركة حماس، فضلاً عن أن الحركة لديها مَن يقومون بشحن الشعب الفلسطيني للصمود والرفع من الروح المعنوية وغرس قيم الكرامة والحرية، ومع مقارنة ذلك بالماضي نجد تغييرًا هائلاً في بِنية القيادة والشعب النفسية؛ فهناك قيادةٌ تُدير الأزمة وتدعم توجيهها إلى الاتجاه الإيجابي، وتُحول كل الضغوط والصعوبات تُجاه تحقيق النصر، وهناك شعبٌ يدعم قيادته ويقف خلفها بالصمود ويحثها على الاستمرار في تفعيل وسائلها لنيل النصر.

 

جُبن العدو

* على صعيد العدو الصهيوني.. ما تأثير فشله في تحقيق أهداف خطته التي كانت ترمي إلى سحق المقاومة وتركيع الشعب الفلسطيني واغتيال قادة حماس العسكريين والسياسيين؟

** هناك 4 أسباب للفشل؛ يأتي في مقدمتها الأثر النفسي للعدو؛ فكلما يشعر المحتل بعجزه عن كسر المقاومة تزداد شراسته الهجومية على غزة، ويصيبه سُعار الجنون والقوة فيستخدم أكثر وأفضل ما يمتلك من قوات وذخائر، وهذا ما حدث بالفعل في غزة.

 الصورة غير متاحة

في آن واحد.. قصف صهيوني لغزة والمقاومة ترد

 

ثانيًا: الكيان الصهيوني يعلم أن أمامه مدة زمنية قصيرة ليُنجز فيها أهدافه من تدمير الشعب الفلسطيني وحكومته في غزة دون أي معوقات؛ حيث إن هذه المدة لن تطول؛ فالضمير الشعبي على مستوى العالم لن يتحمَّل ذلك ولن يتركه يفلت دون عقاب.

 

ويأتي السبب الثالث في أن خسائر العدو المحتل تزداد يوميًّا خلال حربه على غزة، وهو لن يحتمل ذلك؛ ولذلك بحث عن تهدئة تُخرجه من ورطته، وكانت بقراره وقف إطلاق النار من جانب واحد وما استتبع ذلك من انسحاب تدريجي لقواته خارج غزة بعد إمهاله أسبوعًا للانسحاب من المقاومة.

 

أما رابعًا فلا يوجد لدى العدو في قاموسه العسكري حرب طويلة المدى، بل هو يعتمد على الحروب الخاطفة؛ لأنهم أحرص الناس على حياة، وكما يقول تعالى: ﴿لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلاَّ فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾ (الحشر: من الآية 14)؛ فمعدلات الجبن عندهم مرتفعة وتتزايد، وهذا يُشكِّل نفسية الصهيوني، سواء كان عسكريًّا أو مُغتصبًا عاديًّا؛ فهو لا يقوم بالقتال إلا من وراء المتاريس ومن داخل المدرعات والسواتر، ولا يحتمل حرب الشوارع والمواجهات وجهًا لوجه؛ مما يؤدي إلى انهيار معنوياته سريعًا نتيجة ضغط الضمير العالمي الذي كانوا قد استقطبوه لصالحهم في الماضي، إلا أنه أصبح يعي القضية الحقيقية الآن.
هذا إلى جانب المتغيرات على الأرض وفي النفوس، وبالتالي فإن فشله في تنفيذ خطته يزلزل أركانه ويكون النصر حليف المقاومة.

 

سلاح الهروب

* هل حفاظ حماس على قوتها الضاربة في كتائب القسام، واستمرار عملياتها القتالية له تأثير نفسي في الكيان الصهيوني؟

** التأثير في هذه الحالة يكون رهيبًا عليهم؛ فسلاح الصواريخ مُنتقًى بعناية شديدة، واختطاف الجنود يُمثِّل رعبًا هائلاً لديهم، وتكتلات الناس ضدهم هي الرعب بعينه، وكي نحلل ذلك التأثير فعلينا أولاً أن نحلل الشخصية اليهودية؛ فهي لديها هاجس افتقاد الأمان، وإذا لاحظنا منذ القدم حيث كانوا يعيشون في حارات خاصة بهم وحدهم تُسمى "الجيتو"، كما أنهم لم يستطيعوا التكيف مع المجتمع الخارجي الذي يعيشون فيه، وإن كان ذلك في الماضي قبل أن يغتصبوا فلسطين ويكون لهم وطن من وجهة نظرهم.

 

إلا أن هذا الهاجس ما زال موجودًا، بل ويزداد أكثر بعد عدوانهم على غزة، وعندما ابتكرت المقاومة سلاح الصواريخ، رغم بساطة أدائه التدميري، إلا أنه يُحدث أثرًا نفسيًّا رهيبًا في كيان الاحتلال؛ فالجندي لا يشعر بالأمان، وكذلك المُغتصِب، ويُصاب بحالةٍ من الهلع تُفقده أعصابه، فيبدأ بالتفكير في الهرب من فلسطين، وهناك بالفعل مئات الآلاف من الصهاينة هربوا إلى الخارج.

 الصورة غير متاحة

جندي صهيوني يظهر عليه علامات الانكسار بفعل المقاومة

 

* معنى ذلك أن حماس استغلت نقاط الضعف هذه خلال الحرب؟

** هناك مُصطلحان في إسقاط ما سبق ذكره من نقاط ضعف العدو على أرض الواقع: "ضعف القوة" و"قوة الضعف"؛ فالأول يُمثِّل جيش الاحتلال بما يضمه من عُدَّةٍ وعتادٍ هائلين، لكنه يعاني من نقاط ضعف؛ أهمها عقدة عدم الأمان، والثاني يُمثِّل المقاومة من حركة حماس وباقي فصائل المقاومة، وبالفعل تضرب حركة حماس على وتر عقدة الأمان بصواريخها وعملياتها القتالية؛ مما يؤدي إلى رعب الكيان الصهيوني من الصواريخ ورغبته في تدمير قاعدتها، باعتبارها مُتجددةً يوميًّا، ناهيك عن هلعه الشديد من تطوير صواريخ بعيدة المدى التي ممكن أن تطال كل الكيان.

 

لكن الأخطر على الإطلاق بالنسبة لهم أن تنتقل الصواريخ إلى الضفة الغربية تصنيعًا وقاعدةً، فبذلك تكون قد اقتربت من مدنهم وتُمثِّل تهديدًا خطيرًا لهم لا يتحمَّله المغتصب العادي، وأتوقَّع نجاح تهريبها وانتقالها إلى الضفة رغم وجود السلطة الفلسطينية هناك، وحينها سيأخذ الصراع مجرًى آخر.

 

توازن الرعب

* ما نتيجة تصدير الهلع إلى العدو المحتل من خلال المقاومة ومن خلال صمود الشعب الفلسطيني بعد أن كان هو صاحب تصديره إلى غزة؟ وكيف يُؤثر ذلك في موازين الحرب النفسية لدى كلا الأطراف؟

** ما حدث بالفعل يُسمَّى بتوازن الرعب لدى أطراف الصراع؛ فأهل غزة أثبتوا أنهم قادرون على دفع الرعب للكيان الغاصب؛ الأمر الذي زلزله وجعله في حالةٍ من التخبط وعدم التصديق؛ لذلك لا يُجازفون بالدخول في حرب شوارع مع المقاومة؛ لأنهم على يقين بالخسارة المُحقَّقة والفادحة، خاصةً وهم يتعاملون مع مقاتل حقيقي يستخدم وسائل قتالية، كسلاح الصواريخ يُوصل به رسالةً إلى العدو أنه رغم الحرب الجوية والبحرية والبرية التي يشنها على الشعب الفلسطيني فهو ما زال في غزة وقادرًا على إيلامه نفسيًّا أكبر منه ماديًّا.

 الصورة غير متاحة

الهلع في كل مكان في الكيان الصهيوني

 

وتطور الأمر بعملية تصاعدية للرعب لدى الكيان؛ وذلك من خلال وصول الصواريخ إلى 30 كيلو مترًا وإلى 60 كيلو مترًا؛ ما أصابه بهستيريا الهلع، هذا بالإضافة إلى وجود عامل إضافي، وهو ضرب صواريخ "الكاتيوشا" من لبنان على شمال فلسطين المحتلة؛ الأمر الذي لم يتوقَّعوه إطلاقًا؛ مما أصابهم بالرعب والفزع الشديدين لتكون رسالة تزيد من الهاجس الأمني بأنه "لم يعد هناك مكان آمن في الكيان المحتل".

 

* كيف ينظر إذن المجتمع الداخلي للكيان إلى قوات جيشه الذي من المفترض أنه يحميه؟ وكيف تتصرف قيادته في ظل ذلك الوضع؟

** على الصعيد المجتمعي داخل الكيان فقد هزَّت المقاومة صورة الجيش وهيبته، وأظهرت عجزه عن حماية مدنييه، فضلاً عن استعادة حالة الرعب عند العرب، وأنهم ليسوا الجيش الذي لا يُقهر، بل إنه ممكن أن يَسحق، وهو ما أصابهم بالتخبط والقلق من جرَّاء الصمود والمقاومة جعلهم يُصرون على ألا يخرجوا من معركة غزة إلا وهم حافظون لماء وجههم وإن خرجوا منهزمين، إلا أن المقاومة أتت على ذلك أيضًا.

 

* من الجانب النفسي.. لماذا يعتمد جيش الاحتلال على الحروب الخاطفة لا طويلة المدى؟

** رغم آلياتهم المتطورة والدعم الأمريكي لهم، إلا أنهم لا يستطيعون مواصلة الحرب لوقتٍ طويل؛ وذلك لأنهم يُصابون بالإرهاق بشدة، كما أن معنوياتهم تُدمَّر بالكامل، والفزع ينتشر في الأوساط العسكرية والمجتمعية؛ لعلمهم بأنهم موجودون في وسطٍ يكرههم بشدة، وتتفاقم عندهم عقدة عدم الأمان؛ مما يُشعرهم بقرب الفناء.

 

الدور الإعلامي

 الصورة غير متاحة

الشعوب بكل فئاتها انتقضت دعمًا لغزة

* كيف تقيِّم هذا التعاطف الشعبي الجارف في كل أنحاء العالم مع أهل غزة؟ ولماذا ظلت الشعوب تنتفض طوال الـ22 يومًا رغم أن البعض راهن على أنها ستهدأ بعد 3 أيام من العدوان؟

** المقاومة كان لها دور كبير في انتفاضة الشعوب على مستوى العالم من خلال النقل الحي والجيد إعلاميًّا بتصوير المجازر بشكلٍ لا مثيل له ولم يحدث من قبل خلال وقوع الحدث مباشرةً، وجاء تفعيل هذه الانتفاضة بأنهم لم يتركوا الضمير العالمي يهدأ للحظة ليشتد الضغط على المجتمع الدولي، وهذا يُمثِّل نجاحًا إعلاميًّا للمقاومة بجانب النجاح العسكري.

 

أما بالنسبة للشعوب المنتفضة فإن ضميرها لم يَمُتْ بعد، بل يناقض موت ضمير الأنظمة، وقد تكون هذه المظاهرات مرحلة أولى لتأتيَ بعدها مراحل عديدة من الهبَّات الشعبية الغاضبة.

 

* وما مردود انتفاضة الشعوب على غزة من ناحية وعلى الأنظمة العربية من ناحية أخرى؟

** جاء مردود هذه الانتفاضة على غزة بمزيدٍ من الصمود الذي طال مدته، فضلاً عن إعطائهم دَفعة قوية للمقاومة والاستبسال.

 

أما مردودها على صَعيد الأنظمة العربية فهي تُمثِّل ضغطًا شديدًا بكل تأكيد، ولا أحد يعرف إلى أي مدى سيصل ذلك، لكن قد تصل بالشعوب الآن إلى تجاوز حاجز الخوف كلما تمنعهم قوات الأمن وتقمعهم لتتولَّد احتكاكات حادة مع قوات الأمن تُسفر عن مواجهات دامية؛ الأمر الذي تخافه كل الأنظمة؛ حيث تفقد السيطرة الكاملة على الشعوب، ومن ثَم تكون النتيجة النهائية هي سقوط تلك الأنظمة.

 

عبء وقمع

* أخيرًا.. ما الأصداء التي سيخلِّفها نجاح المقاومة وعلى رأسها حركة حماس على الأنظمة العربية؟

** سيتولَّد لدى الأنظمة حالة من الإحباط والعبء الشديدين قد تزيد على إثرهما مشاكل داخلية في تنشيط فكر المقاومة لدى شعوبها، فتقوم بقمعها بطرق جديدة؛ لأنها كانت تتوقع أن يقوم الكيان الصهيوني بإزالة هذا الإزعاج المُسمَّى بالمقاومة ذات الطابع الديني، والتي هي في صراعٍ دائمٍ معها، فضلاً عن أمنيتها في كسر شوكة حركة حماس التابعة لجماعة الإخوان المسلمين، والتي بوجودها في حكومة غزة ومخالفتها أجندة الأنظمة الاستسلامية وتضارب مصالحها معها تُثير القلاقل لديها وتُقلب الشعوب ضد أنظمتها.