إن قراءة التاريخ بقليلٍ من التأمل، وتتبع الأحداث الدامية بغزة بشيءٍ من التفكر، قد يمكِّننا من الوقوف على تفسير بعض ما يجري منذ عقودٍ على الساحة العربية والصعيد الإسلامي، ويجعلنا ندرك أنها حرب صليبية صهيونية كما زلَّ بها لسان بوش، وأنها دُبِّر لها بليل من عقود، ثم جاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر لتعجِّل بإخراجها إلى حيِّز التنفيذ.
وفي تتابعٍ سريعٍ جعلهم يتخبَّطون ويُلقون بأنفسهم إلى التهلكة وهم لا يشعرون ويحفرون قبورهم بأيديهم ويعجِّلون بنهايتهم وزوال دولة الباطل وبزوغ فجر دولة الحق ونشر نوره على الآفاق، هذا النور الذي ظلوا يعملون على إطفائه منذ عشرات العقود، وغاب عنهم أن نور الله لا يقدر بشر على إطفائه: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (الصف: 8)، وعميت بصائرهم أن الباطل زاهق، وأن الحق ظاهر ولو كره المجرمون ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (الصف: 9).
ولكي ندرك ما سبق نضع بين يديك أخي المسلم بعض الأحداث التي سبقت قيام الكيان الصهيوني:
1- دعا "هرتزل" إلى عقد مؤتمرات صهيونية دورية؛ كان أولها مؤتمر (بال) الذي حدَّد غرض الصهيونية بهذه العبارة: "إن غرض الصهيونية هو تأسيس وطن للشعب اليهودي في فلسطين يضمنه القانون العام".
كما حدَّدته العقيدة الصهيونية في كتاب "دولة إسرائيل" المترجم إلى العربية سنة 1930م: خلق دولة في الوطن القديم للعرق اليهودي تتمتع باستقلال اقتصادي وذات حدود إستراتيجية يتعذَّر انتهاكها، قادرة على استيعاب كافة يهود العالم الذين يرغبون في الإقامة على أرضها؛ بعد أن يختاروا نهائيًّا بين وطنهم اليهودي والوطن المحلي الذي تبنَّوه.. دولة تضم اليهود والعرب؛ أي قوميتين سياسيتين تستطيعان في يوم من الأيام أن تتوحَّدا في الداخل، وتصبحا طرازًا ومثلاً للعالم العربي في الخارج، وأخيرًا دولة تدور في فلك أوروبا الغربية، وتصبح المخفر الأمامي للعالم المتمدن، يقف في وجه آسيا التي بدأت تستيقظ.
هذا هو هدفها قبل نشأتها: مخفر أمامي للعالم المتمدن في وجه آسيا التي بدأت تستيقظ.
تأمل: قال آسيا ولم يقل المسلمين!!، وهل آسيا إلا الغالبية المسلمة في الهند- فباكستان وبنجلاديش لم تكونا وُلِدَتا بعد- وإيران وأفغانستان، أضف إليها الدول العربية الآسيوية؟!
2- حاولوا أن يأخذوا صكًّا من خليفة المسلمين بأي جزء من فلسطين ليقيموا دولتهم هذه، وكانت المحاولة مصحوبةً بعرض مالي سخي (150 مليون ليرة ذهبية).
3- حين عجزوا عن ذلك عملوا على إسقاط الخلافة التي تجمع شمل المسلمين، وتحويل تركيا من دولة مسلمة تذود عن المسلمين وتحمي حياضه إلى دولة علمانية تعمل على اقتلاع جذور الإسلام منها.
4- قاموا ببتر الدول العربية عن الدول الإسلامية؛ حتى يفصموها عن العمق الإسلامي الذي لا تقوى الأمم مجتمعةً على مجالدته أو الوقوف أمامه.
يقول مؤلف كتاب (دولة إسرائيل): "في الجزيرة العربية وُلِدَ الإسلام، والعرب هم الذين تولَّوا نشره عبر الدنيا، وجعلوا منه دينًا عالميًّا عظيمًا.
لقد تضامن مع الكتلة العربية الهائلة كتل عديدة غير عربية، ولكنها اعتنقت الإسلام؛ فشعوب المالي (ماليزيا) في جزر السند، والهندوس، والأفغان، والتتر على ضفاف نهر الفولجا وشبه جزيرة القرم في أوكرانيا، والفرس، والأتراك، والبوسنيون في البلقان، والبربر في مراكش، والزنوج في إفريقيا الوسطى؛ حيث يوجد مسلمون أكثر بكثير جدًّا مما يوجد عرب.
وإذا أرادت السياسة الأوروبية أن تتحرَّر من العقبات الكئود التي ترهق مستعمراتها ينبغي عليها أن تسعى إلى تفكيك هذه الهوية المصطنعة التي تتحرك ضدها: هوية بين المفاهيم (العربية) والمفهوم (الإسلامي).
وعندما تتجرَّأ على حل المسألة العربية فإنها تحطم آلية التشابك الموجود بين المفهومين، وتفتِّت الوحدة الإسلامية، كما أن القوميات الاستعمارية الأوروبية تؤمِّن بهذا هدوءًا لم تعرفه منذ أمد طويل.
إن نظرية الوحدة العربية هي خير علاج وأفضل ترياق ضد الوحدة الإسلامية، فهي لا تشكِّل خطرًا أكثر مما تشكِّله القومية التركية الحاليَّة؛ إذ عندما تنصرف عن الدعوة إلى المشاعر الدينية، ولأنها هي على العكس تشكِّل عرقية أساسية، تصبح عنصرًا صحيحًا للتوازن السياسي في العالم القديم.
إن تفتيت الهوية التي تجمع بين الإسلام والعروبة هو القادر على جعل الضفة الشرقية للبحر الأبيض المتوسط ما يجب أن تكونه في الحقيقة: واجهة القارة الآسيوية التي تُطِل على العالم الغربي، ورأس جسر لأوروبا نحو آسيا الكبرى.
إن الوحدة العربية تصبح قادرة على مقاومة الوحدة الإسلامية إذا ما نُظِّمت سياسيًّا، فإيقاظ الشعور القومي العربي هو الذي يهيمن على المسألة".
5- لذلك قاموا في تلك الفترة على الحيلولة دون قيام تجمع إسلامي؛ ففي الوقت الذي قامت فيه هيئة الأمم المتحدة كان قيام الجامعة العربية؛ لا لتوحد العرب وتجمعهم، وإنما لتفصلهم عن المسلمين في الدول الأخرى، فكان قيام الجامعة العربية لوأد الدعوة التي كانت تنادي بقيام الجامعة الإسلامية، ودفنها في مهدها؛ حتى يتسنَّى لهم التفكيك بين العرب والمسلمين.
6- وبعد أن تحقَّق ذلك لهم سعوا معاجزين إلى تفكيك الجامعة العربية وتفريغها من مضمونها، والحيلولة دون قيامها بتحقيق أهدافها وتنفيذ عهودها ومواثيقها، وفي مقدمة ذلك ميثاق الدفاع المشترك.
7- بل إنهم ليحذرون كل الحذر من أن تقوم للإسلام دولة قوية.
كتب الجاسوس البريطاني فيللي، الذي كان بالقرب من ابن سعود وأحد أفضل الخبراء بالقضية العربية، كتب في عام (1917- 1918)م: "إن الجزيرة العربية التي رأيتها خلال تلك الحقبة كانت عربية (DOUGHTY) و(NIEBUHR).
إن العربية اليوم (1928) هي بلاد مختلفة جدًّا، ومهما تكن الدوافع ينبغي أن نعترف بأن القواعد التي كنا نحكم من خلالها في السابق على الأحداث العربية، والنزعات التي كانت تتكشف عنها، لم تعد ملائمةً وقابلةً للتطبيق؛ فالعربية الوهَّابية قد دخلت من الآن فصاعدًا في تناغم أمم العالم تقريبًا مهما بدا ذلك غريبًا".
"وإذا عرف عبد العزيز بن سعود وخلفاؤه أن يمسكوا دفة سفينتهم بيد واثقة في خضم متلاطم الأمواج، وبين صخور السياسة العالمية العاتية، وإذا تمكَّنوا من المحافظة على النظام والأمن، فإن إمبراطورية عربية ستتمكَّن من رؤية النور، وستكون مؤهلةً على رأس الدول الإسلامية لأن تشغل المركز الذي كانت تشغله تركيا في السابق، مع العلم أن تلك الإمبراطورية ستشكِّل خطرًا كبيرًا، إذا لم يتم تعيين الحدود التي ينبغي أن لا تتعداها إطلاقًا.
ومن أجل أن نتجنَّب هذا الاحتمال المرعب الذي ينطوي على أخطار جسيمة مجهولة، ينبغي على العالم المتمدن أن يتولَّى بنفسه تنظيم العالم العربي؛ كي يجعل منه عاملاً سياسيًّا نافعًا، لا عامل فوضى".
8- تأمَّل العبارة الأخيرة؛ يريد أن يجعل من العالم المتمدن وصيًّا على العالم العربي، وتأمَّل كيف يهرع رؤساء الغرب إلى المنطقة كلما نزلت بها كارثة، وكيف أن الحكام العرب لا يستطيعون أن يبرموا لهم أمرًا إلا بعد موافقة الوصي.
أما لهم أن يبلغوا رشدهم وأن يستردوا حرية التصرف في قضاياهم بمعزلٍ عن الشرق والغرب، وأنه لا حاجة لهم لدخيلٍ لا يكن لهم إلا العداء، ولا يريد خيرًا للأمة ولا للمنطقة، وأنهم جميعًا في كفة والكيان الصهيوني في كفة؟! وقتل يهودي يزعجهم، وحرق شعب وتشريده لا يلفت لهم بال.
ويقيني أنهم ما تداعوا إلى المنطقة لإنقاذ غزة، وإنما لإنقاذ دولتهم التي زرعوها في المنطقة والمُدجَّجة بالسلاح والطيران والدبابات من قبضة المقاومة التي أوجعتهم ضربًا، وجعلت الجيش الأقوى في المنطقة، والذي اجتاح حدود ثلاث دول في ست ساعات أو ستة أيام، واستلب منهم سيناء والجولان والضفة الغربية.. هذا الجيش العرمرم بنخبه وأساطيله وطيرانه يقف على أعتاب غزة، ولم يقدر على الولوج فيها، ويظل في مياه غزة عاجزًا عن أن ينزل على شواطئها.
ولعل هذا يفسر لنا سر هرولة وزيرة خارجية الكيان الصهيوني إلى أمريكا، ومن قبل رئيسة وزراء الكيان تستغيث بأمريكا في عام 1973م.
نعم.. إنه كيان لا يقدر على حماية نفسه، وضربت عليهم الذلة أينما وجدوا: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلاَّ بِحَبْلٍ مِنْ اللهِ وَحَبْلٍ مِنْ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنْ اللهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ الأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ (آل عمران: 112).
وبعد أن قطعوا الحبال بينهم وبين الله، وحبال الناس في طريقها إلى التقطيع، فإن الذلة ستلحقهم، وزوالهم يقترب.
وأما ضمانة القانون العام التي عبَّر عنه هرتزل بقوله: "إن غرض الصهيونية هو تأسيس وطن للشعب اليهودي في فلسطين يضمنه القانون العام"، فإن هذه الضمانة، والذي أنشئت من أجله الأمم المتحدة ليقال هذه هي الإرادة الدولية وليحميها من كل جرائمها بحق النقض (الفيتو) المخول لأمريكا وبقية الدول الكبرى.. كل ذلك في طريقه إلى الزوال بعد أن تكشَّفت حقيقة الأمم المتحدة، وأنها لم تنصف ضعيفًا ولم ترد حقًّا، ولم تُرْسِ عدلاً، بل ملأت الأرض جَوْرًا وظلمًا.
9- إن ما سبق يتأكد في قراءةٍ للقضية الفلسطينية: الشعب الفلسطيني يُشَرَّد من دياره، واليهود يعيثون فسادًا عامًا بعد عام، ومذابح تُرتكب، وبيوت تُهدَّم، وأشجار تحرق، ومغتصبات تُشيَّد، وجدار فصل عنصري يُبنَى.
10- تُعقد المؤتمرات وتتعالى صيحات الشجب والإنكار والإدانة على مدار ما يزيد عن ستين عامًا، فما استردت حقًّا، ولا أرجعت مسلوبًا، ولا أنصفت مظلومًا، ولا ردَّت لاجئًا إلى داره، ولا زجرت الصهيونية على صنيعها، ولا ألجمت نهمه للغصب وإراقة الدماء وتهجير الآمنين في ديارهم إلى العراء.
11- وهذا يتطلَّب من كل منصف أن يشد على يد المقاومة التي ضربت بيد من حديد على أجساد أبناء صهيون وزجرتهم وجعلت منهم أضحوكة، وأنزلوا بهم هزيمة قاسية؛ مما جعلهم يدركون أن ذلك هو المسمار الأول في نعشهم، والذي سيُحملون فيه ليرجعوا من حيث أتوا، وليرجع أبناء فلسطين الكرام إلى ديارهم، وليرجع المسجد الأقصى إلى حظيرة الإسلام والمسلمين، وليشد إليه الرحال كل مسلم.. ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ (الإسراء: من الآية 51).
12- ولكن حتى يكون ذلك قريبًا يجب علينا كعرب مسلمين أن نتحد ثم نكون نواةً للوحدة بين المسلمين العرب وسائر المسلمين في كل الدول، ونسمع لقول ربنا: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ (آل عمران: من الآية 103) ونتحقق بقول الله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (الأنفال: 46).. هل من مجيب؟!