القضية الفلسطينية- الفلسطينيون- السلطة الفلسطينية- فتح- الجهاد- حماس- الأقصى- المقاومة- مفاوضات السلام- أوسلو و.. و.. و.. أسماء ومُسمَّيات، وبعضها بغير مسميات.
كلهم يدعون وصلاً بليلى، كلهم يرفعون راية النضال، بعضهم يناضل من ساحات الحمم والقتال، وبعضهم من داخل الغرف المكيفة، بل وبعضهم من داخل فنادق تل أبي، والجميع يطل علينا عبر شاشات التلفاز، أو عبر صفحات الجرائد ليعلن للشعب الفلسطيني والعالم الإسلامي والعربي عن الجهود المضنية التي بذلها والآمال التي ستتحقَّق لهذا الشعب بعد أن أقسم لهم الصهاينة بأغلظ الأيمان أنهم هذه المرة- وغير كل مرة- عازمون على منح الفلسطينيين دولة داخل الدولة ولكن الحذر كل الحذر من المتهورين والمقاومين من حماس وأمثالها الذين سيُضيِّعون هذه الفرصة بحماقاتهم وصواريخهم "الفشنك" التي لا تفعل شيئًا غير أنها تجلب الحصار والدمار للشعب المسكين، والمفاوض المجاهد خرج لتوه من الغرفة المكيفة يمسح عرقه وبدا عليه التعب: "ولا يصح أبدًا أن يضيع هذا الجهد تحت عبث المقاومين"!!.
انتهيت لتوِّي من متابعة النشرات والتحليلات الإخبارية في كل محطات التلفاز العربية، وكلها تعزف لحنًا واحدًا هو أنه على حماس أن ترفع الحصار عن الشعب الفلسطيني وتعود إلى رشدها!!، بل ذهب بعضهم إلى اتهامها بالعمالة للصهاينة!!.
أجهدت التحليلات والأخبار ذاكرتي، فأسندت ظهري وشرد ذهني ليستعيد شريط الذكريات منذ عقود من الزمن وهذا الشعب يُذبح أبناؤه ويُقتل شبابه وتُعتَقل نساؤه وتُهدَّم دياره وتُجرَّف أراضيه والدم يسيل والجرح نازف والمفاوضات كما هي؛ يذهب وفد ويأتي آخر، ونفس التصريحات وإن تغيرت الوجوه، ونفس التحليلات والتبريرات وإن تغيرت العناوين و"المانشيتات"!!.
والعالم يدعم القاتل ويدين المقتول لأنه استفز القاتل، والعالم العربي والإسلامي يحبس أنفاسه مخافة أن يدان، وإن تكلم فهو يصرخ في وجه الشعب المكلوم "أضعتم فرصة السلام"!!.
أي سلام هذا؟! لا أدري، ولأول مرة في التاريخ ترى مفاوضًا يمنح عدوه أرضه وبلده من أجل أن يتركه يعيش في سلام، أي مفاوض هذا؟! لا أدري!!.
وانتبهت على رسالةٍ من (الجزيرة موبايل) عن غارة صهيونية جديدة وقتلى وجرحى بينهم أطفال ونساء، فتحوَّلت على الفور إلى تلفزيون فلسطين أستطلع الخبر فإذا بالمتحدث يلقي باللائمة على الصواريخ العبثية ومن أطلقوها، ويطلب من العدو ضبط النفس، وكأنه يلوم المقتول ويعتذر للقاتل ويطلب منه أن يكتفيَ بما قتل.
فإذا انتقلت إلى الإعلام العربي وجدته يشير إشارات مقتضبة إلى حجم الدمار والخراب الذي أصاب الشعب الفلسطيني دون أدنى لومٍ للجاني، في إشارةٍ لا تخلو من الخبث الإعلامي بالعزف على آلام وجراح الشعب المكلوم واللعب بعواطفه الذاتية بعيدًا عن القضية الرئيسية قضية الاحتلال للأرض والانتماء للوطن والعقيدة.
كل هذا والشعب صامد يضمِّد الجراح ويودِّع الشهداء في أعراسٍ جماعيةٍ تحمل معنى الإباء والصمود الذي أقضَّ مضاجع الأعداء.