لقد كان للشهيدين الكريمين المجاهدين المناضلين حظٌّ من اسميهما؛ فالأول هو نزار عبد القادر محمد ريان، والثاني هو سعيد محمد شعبان صيام.

 

لقد اجتمعا وتوافقا وكأنهما على موعد للقاء في الدنيا والآخرة، وجمع الله تعالى بقدرته وعظمته وعليائه بين الاسم والزمان والمكان.

 

الحظ من الزمان

فالأول يحظى بالشهادة في يوم الصيام يوم الخميس الموافق 4 من محرم عام 1430 الموافق 1 من يناير عام 2009.

 

والثاني يلبي نداء الأول وكأنه يحقِّق ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (آل عمران: من الآية 170).. ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ (الأحزاب: من الآية 23).

 

ولكنَّ صيام لم ينتظر طويلاً، فلم يمر سوى أسبوعين بالتمام فيلحق بأخيه المناضل ريان ليفوز بالشهادة يوم الخميس 18 من المحرم 1430 الموافق 15 من يناير 2009.

 

مواطن التوافق بين الشهيدين

في اليوم

فكانت الشهادة في يوم الصيام يوم الخميس وليلة الجمعة.. عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم يوم الإثنين والخميس، فسألته؟ فقال: "إن الأعمال تُعرض يوم الإثنين والخميس؛ فأحب أن يُرفع عملي وأنا صائم" (صحيح: فتح الباري).

 

وكان الدفن ونزول القبر في يوم الجمعة؛ خير يوم طلعت عليه الشمس.. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة: فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها" (رواه مسلم).

 

في الشهر

فهو شهر المحرم؛ شهر الله الحرام.. قال الحسن البصري: إن الله افتتح السنة بشهر حرام، وختمها بشهر حرام، فليس شهر في السنة- بعد شهر رمضان- أعظم عند الله من المحرم، وكان يُسمى شهر الله الأصم من شدة تحريمه (لطائف المعارف لابن رجب الحنبلي).

 

وقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللهِ الْمُحَرَّمُ، وَأَفْضَلُ الصَّلاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلاةُ اللَّيْلِ" (صحيح مسلم)، وقوله صلى الله عليه وسلم: "أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم".. تصريح بأنه أفضل الشهور للصوم، وأضاف الشهر إلى الله تعظيمًا.

 

في العمر

فهما من مواليد 1959م؛ أي أنهما توافقا في العمر فقد أتمَّا خمسين عامًا.

 

الحظ من المكان

تعاهد الاثنان معًا على أن لا يكونا في مخبأ داخل غزة حتى يبطل ادِّعاء المنافقين أو في قصرين عظيمين في رام الله كقيادات فتح، ولكنهما كانا في أرض الرباط.. كان صيام في حي اليرموك داخل غزة فهي أرض فلسطين المباركة ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ (الإسراء: من الآية 1).. وقال الرسول الكريم: "لا تزال طائفة من أمتي على الدين ظاهرين، لعدوهم قاهرين، لا يضرهم من خالفهم، ولا ما أصابهم من البلاء حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك. قالوا: يا رسول الله وأين هم؟! قال في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس".

 

الحظ من الأسماء

وكأنهما رحمهما الله تعالى لهما حظٌّ من الاسم..

فالأول ريان والثاني صيام، وكأنهما تواعدا على أن يفتح الله تعالى لهما باب الريَّان؛ الذي لا يدخله إلا الصائمون؛ فعن سهل رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن في الجنة بابًا يقال له الريان؛ يدخل منه الصائمون يوم القيامة لا يدخل منه أحدٌ غيرهم، يقال: أين الصائمون؟، فيقومون لا يدخل منه أحد غيرهم، فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل منه أحد" (البخاري ومسلم).

 

والثاني بدأ اسمه بـ"سعيد"؛ فنسأل الله تعالى أن يكون ريانًا وسعيدًا مع الفريق السعيد، وأن يكون قاتلوه مع الفريق الشقي ﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (105)﴾ (هود)، والقاتل هم أحفاد القردة والخنازير سيكون مصيرهم وجزاؤهم مع الذين شقوا ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (106)﴾ (هود).

 

أما ريان وسعيد فهما بإذن الله مع الذين سُعِدوا ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتْ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (108)﴾ (هود)، فاستشهد سعيد بسعادته ليلتحق بكوكبة الشهداء والمجاهدين أحمد ياسين وعبد العزيز الرنتيسي.. وآخرهم أخوه ريان ليبشره عند اللقاء.. ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (الأحقاف: من الآية 13).

 

ونسأل الله العليَّ القدير أن يكون لنا حظ معهم؛ فقول الله عز وجل: ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، فالخوف مما سيلقونه مستقبلاً وسيذهبون إليه، والحزن يكون على ما تركوه خلفهم؛ لذلك كان خطاب المولى عز وجل: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا (9)﴾ (النساء).

 

وبالمناسبة فقد جاءت هذه الكلمات في موضع آخر في حق أحفاد القردة والخنازير؛ الذين قتلوا الأنبياء والمرسلين، والذين قتلوا الشهيدين بالتعاون والتواطؤ مع الخائنين، الذين أرشدوا عن مكانيهما.. ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ (111)﴾ (البقرة).

 

فليس لهم حظ مما فاز به الشهداء إلا إذا أسلموا وجوههم لله ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (112)﴾ (البقرة).

 

الشهادة وصحبة الأهل

وكأنهما (أي الشهيدين) تعاهدا واتفقا مولدًا وحياةً ورحيلاً وحتى في صحبة الأهل.. ريان استُشهد مع زوجاته الأربع وأحد عشر فردًا من أبنائه، وصيام استُشهد مع شقيقه وابنه، وكأننا بالشهيدين معًا يجمع الله بينهما وبين أهليهما؛ لأن الفراق والبعد عن الأهل هو الخسران المبين.. ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ (الزمر: من الآية 15)

 

فالخاسر يخسر خسارتين؛ الأولى أنه في النار، والثانية مفارقة الأهل، سواءٌ دخلوا الجنة كزوجة فرعون أو كانوا معه في جهنم.. أما هؤلاء الشهداء فهم راحلون من الدنيا بأهليهم، ولذلك يكون فضل من الله ورحمة أن يلتحق أهل المؤمن به.. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ (الطور: من الآية 21).. حتى تكون الطمأنينة ﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ بجمع الأهل والأحباب.. فتكون البشرى من تعاقب الشهداء المجاهدين.. ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (آل عمران: من الآية 170).

 

رحم الله الشهيدين، ونسأل الله تعالى أن يلحقنا بهما فنكون مع الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.. اللهم آمين.