الصورة غير متاحة

 د. مصطفى هيكل

صدقت ربنا الكريم فيما قلت وقولك الحق: ﴿لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (النور: من الآية 11).

 

نعم.. كانت المعركة الأخيرة بين المقاومة الإسلامية في فلسطين- وفي الصدارة منها حركة حماس- فرقانًا بين الحق والباطل؛ ولذلك أبدع القسَّاميون حينما سمَّوها "معركة الفرقان"؛ لأن هذه المعركة كانت فارقةً بين الحق والباطل.. بين حزب الله وحزب الشيطان.. حزب الله المتمثِّل في هذه المقاومة الباسلة، والتي لا تملك إلا القدر الضئيل مما أمرها ربها في قوله ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمْ اللهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ (الأنفال: من الآية 60).. عتادًا قليلاً أبدعت معظمَه عقولٌ صقلتها المحنة الأليمة في فلسطين، مع إيمانٍ هائلٍ متدفِّقٍ، وعقيدةٍ راسخةٍ في نصرِ اللهِ جندَه الأبرار؛ وبين حزب الشيطان المتمثِّل في هذه القوة الغادرة الغاشمة، والتي تمثِّل سادس أكبر قوة عسكرية في العالم، متترِّسة بالشيطان الأكبر (أمريكا وأذيالها)، وأصحاب المشروع الصهيوني الأمريكي الذي يريد أن يفرض واقعًا جديدًا في عالمنا العربي والإسلامي، والذي يريد طمس هويتنا وصبغتنا الإسلامية.

 

ومع هذا تحقَّق وعد ربنا سبحانه وتعالى ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الروم: من الآية 47)، ويا له من إبداع قرآني عظيم يتجلَّى في قوله: ﴿وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمْ اللهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ (الأنفال: من الآية 60)!.. لم نكن نعلمهم حقًّا ربنا، ولكن معركة الفرقان فضحتهم وفضحت تآمرهم وتخاذلهم بل وتواطؤهم، بل إن أصدقاءهم في معسكر الشيطان لم يألوا جهدًا في إبراز صورتهم، فكان لهم الشكر الجزيل، والذي قُدِّم لهم عبر وسائل الإعلام من هؤلاء الأعداء الأصدقاء.

 

ويا لها من فضيحةٍ حين سألت جريدة (نيوزويك) في أحد أعدادها الصادرة أخيرًا وزيرة خارجية الكيان الصهيوني عن موقف بعض الدول العربية من هذه الحرب الأخيرة على غزة؟! فردَّت قائلةً: "لا أريد إحراج أحد"!.

 

نعم.. شكرًا لك أيتها الحية الرقطاء على وضوحك، وشكرًا لك رئيس وزراء الكيان الصهيوني مصَّاص دماء أطفال ونساء غزة على شكرك لحكامنا.. لقد أوضحتما وأوجزتما وأظهرتما لنا ما كان خافيًا.

 

لقد كانت معركة الفرقان فرصةً- أيها الأحباب- ليميز الله فيها الخبيث من الطيب؛ حيث أوضحت للجميع الفرق بين المقاومين المستبسلين الصامدين المتمسكين بعقيدتهم وبقوميتهم وبوطنهم وبقدسهم، وبين المنبطحين المتفاوضين المستسلمين، والذين يلهثون على موائد المفاوضات، موعودين بالفتات ولا يحصلون عليه، وهم في ذلِّهم هذا تفضحهم أقوالُهم حين يمتنعون حتى عن حضور مؤتمر يناقش قضيتهم، ويعتذرون عن ذلك قائلين: "لو حضرنا لذُبحنا ولقطِّعت منا الرقاب".. إي والله، هذا ما نُقِل على لسان رئيس هذه السلطة المزعومة.

 

لقد ميَّز الله في هذه الموقعة بين فريقين في العالم العربي: فريقٍ يدعم الصمود والمقاومة؛ تمثِّله الشعوب العربية والإسلامية وبعض الأنظمة التي تُعَد على أصابع اليد الواحدة، وفريقٍ فقد الإرادة، وفقد القدرة حتى على الشجب والاستنكار، واستسلم للخوف من أمريكا والكيان الصهيوني، واستمسك بحطام الدنيا وعرضها الزائل، معتقدًا أن هذا سيُطيل فترة دوامه على كراسيه المغتصبة، ناسيًا قول المولى جل وعلا ﴿قُلْ اللهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (آل عمران: من الآية 26).

 

وأخيرًا.. أوضحت معركة الفرقان المعنى الحقيقي للديمقراطية، فقد جلَّت مواقف أنظمة تعبِّر عن شعوبها؛ لأنها جاءت بخيار هذه الشعوب، والأنظمة التي تعاند شعوبها لأنها اغتصبت السلطة رغمًا عن أنوف هذه الشعوب.