الصورة غير متاحة

رمضان فوزي

 

لقد آلمني وآلم كل حر ما نُشر على موقع "الجزيرة نت" (الثلاثاء 20/1/2009) من أن الأمن المصري يستجوب جرحى غزة عن سلاح المقاومة وطالبهم بمعلومات عن أماكن تصنيع الصواريخ وتهريب الأسلحة للقطاع.

 

وسبب ألمي الشديد أن هذا الخبر لا يخلو من أحد أمرين؛ إما أن يكون كاذبًا- وأسأل الله أن يكون كذلك- وهذا فيه تشويه كبير لسمعة مصرنا الحبيبة التي نفخر بالانتماء لها لأنها قلب العروبة وضمير الإسلام النابض.

 

الاحتمال الثاني أن يكون الخبر صحيحًا- وأرجو ألا يكون كذلك- وفي هذه الحالة فإنه يعد حلقةً مكملة لسلسلة من التعاون الواضح للنظام الرسمي المصري مع الكيان الصهيوني الغاصب، بدأت حلقاتها قبل العدوان الغاشم على غزة، وتوالت تباعًا مع سخونة الأحداث سواء عن طريق الأفعال والمواقف الفاضحة والمفضوحة أو عن طريق التصريحات غير المسئولة من الدبلوماسية المصرية، وكلما حاول النظام تبرير تلك المواقف فإن توالي الأحداث والمواقف المخزية يصب في اتجاه تكريس النظرة غير البريئة له.

 

ومع هذا فربما يحاول البعض أن يبتلع المواقف السابقة من تصريحات غير مسئولة أو إغلاق معبر رفح أو المساعدة في حصار القطاع بحجة عدم انفصاله عن دولة فلسطين المنتظرة وغيرها من حجج مردود عليها.. لكن ما لا يمكن ابتلاعه أو إيجاد مبرر له استغلال الجانب الإنساني للمرضى بالصورة التي ذكرها تقرير "الجزيرة" الذي أتمنى أن يخرج مسئول مصري لتكذيبه بأدلة واضحة صادقة حتى يتسنى لنا الدفاع عن سمعة بلدنا ونحن نعيش خارجها بعد أن أصبحت صورتنا مخزية وسط الشعوب والأمم، ولا نجد ما ندافع به عن كرامتنا وصورة بلدنا الحبيب إلا تاريخها المشرق الوضاء الذي أطفأ سراجه ونزل به في مهاوي الردى طغام لا يهمهم إلا كراسيهم التي اغتصبوها بسلاح متصهين يقدمون له الوقود من الدماء الطاهرة لهذه الأمة وشرفائها.

 

وإذا كان هذا الأمر عاديًا من ذوي السلطان لأنهم فقدوا عقولهم وإنسانيتهم؛ فإنه مستغرب ومستنكر ممن يفترض فيهم أنهم بلسم الشفاء وملائكة الرحمة من الأطباء الذين يعملون على تطبيب المصاب الذي فتكت به آلة الحرب الغاشمة؛ فها هو أحد هؤلاء المصابين يروي- كما ورد في التقرير- يروي جانبًا من المأساة التي شارك فيها الطبيب المعالج؛ حيث ذكر أنه فور تعافيه من الإصابة طلب منه الطبيب الانتظار في غرفة جانبية بالمشفى، ومن ثم جاء إليه محققون من المخابرات وتعهدوا له ببقاء ما يدلي به من معلومات طي الكتمان.

 

وأضاف: "سألوني عن المقاومة وكيف تخزن أسلحتها وكم يمكن أن تصمد فصائل المقاومة في غزة في وجه الكيان الصهيوني، مشيرًا إلى أنهم طلبوا منه معلومات عن حركة حماس وقياداتها "المختفية".

 

وقال أيضًا إنه في البداية كان التعامل معه "لطيفًا للغاية" لكنه حين أنكر معرفته بالمقاومة ضربه أحد المحققين على مكان الجرح، وقال له "لا تكذب أنت من حماس وكتائب القسام، ويجب أن تتحدث وإلا فلن نسمح لك بإكمال العلاج وسنرميك كالكلاب".

 

وإزاء هذا الأمر نتذكر أن أكبر إنجازات الحكومة المصرية التي تباهي بها وتمن بها على الفلسطينيين هي فتح معبر رفح أمام الجرحى والمصابين، متناسين أن عدد هؤلاء الجرحى لا يصل إلى حوالي 2% من المصابين داخل القطاع، وحتى هذه النسبة الضئيلة التي خرجت للعلاج تكشفت الآن بعض الأغراض الخبيثة وراءها وهي استغلال هذه الدماء الطاهرة في انتزاع اعترافات عجز الصهاينة عن الوصول إليها، فإذا بـ"الشقيقة الكبرى" تقوم بالدور مكانهم!!.

 

وكان من هذه الأغراض أيضًا قبل ذلك التقاط الصور للمسئولين بجوار الجرحى والمباهاة بها أمام الكاميرات لتحسين صورتهم السيئة أمام الرأي العام، كما فعل مفتي مصر الذي سكت عن كل جرائم الحكومة المصرية تجاه أهل غزة، ولم نسمع له فتوى أو حكمًا شرعيًّا في محاصرتهم وإغلاق المعبر في وجههم، فضلاً عن تشويه صورتهم وتحميلهم المسئولية عما حدث، معرضًا عن موقف الإسلام في حالة تم الاعتداء على بقعة من أرض الإسلام؛ فلم يظهر فضيلته إلا أمام الكاميرات في زيارة الجرحى مع وزير الصحة المصري!! وفي هذا السياق لا نسأل عن دور شيخ الأزهر؛ لأنني مقتنع أن سكوته هنا أفضل من حديثه!!.

 

الأمر بهذه الصورة يحتاج في رأيي إلى ما يلي:

أن يقوم أحد المسئولين الأمنيين المصريين بتكذيب هذا الكلام تكذيبًا واضحًا ومؤيدًا بالدلائل والبراهين التي تقنع الرأي العام لا تستخف به وبتفكيره كما هو الحال في الكثير من المواقف. ونرجو من هذا المسئول- إن ظهر- أن يوضح لنا حقيقة ما أشيع عن اعتقال السلطات المصرية لأيمن نوفل أحد أبرز قادة القسام الميدانيين وتعرضه لتعذيب شديد لانتزاع اعترافات منه عن المقاومة وأسلحتها.

 

إذا لم يظهر هذا المسئول ويوضح حقيقة ما قيل فإن الأمرَ حينها يكون قابلاً للتصديق دون شك، وحينها فإن الجميع مطالبون بفضح هذه الأعمال اللا أخلاقية التي حرَّم الإسلام معاملة الحيوانات بها فضلاً عن الإنسان، كما أن نقابة الأطباء المصريين مطالبة في هذه الحالة بمعرفة الأطباء الذين شاركوا في هذه الجريمة الشنعاء ومعاقبتهم بما يمليه ضمير المهنة الشريفة وقوانينها الإنسانية قبل الإدارية، وأظن أن هذا العقاب لا يقل عن فصل من ثبت تورطه من النقابة لأنها لا يشرفها أن يحمل كارنيهها من انتزعت من قلبه الرحمة والشفقة.

 

وفي النهاية أقول لأهلنا في غزة: إننا نستشعر ما يدور في صدوركم وما تشعرون به من ألم وأسى؛ لأن ظلم ذوي القربى أشد من وقع الحسام المهند، وندرك أن ما يعاني منه جرحاكم في مصر إن صدق فإنه أشد عليكم من وقع صواريخ العدو الغاشم وقاذفاته، ولكن حسبكم أن الشعوب الأبية كلها معكم وهي بريئة من المتحكمين فيها براء الذئب من دم ابن يعقوب.

 

ونسأل الله أن يعجل بالفرج والنصر لنا ولكم..

----------

*r_f_baddiny@hotmail.com