بعد عدة أشهر قضاها في سرد حكاياته الخفيفة في الصفحات الأخيرة عاد د. مصطفى الفقي إلى واجهة المشهد السياسي المصري بقوة، مرةً بالتنظير ومرةً بارتداء ثوب الحكمة والإفراط في الوعظ، ولا يخفى على الكثيرين أزمة الفقي الذي ضاق به الكادر فبات يتلصَّص الأدوار ليبقَى في دائرة الضوء؛ قلَّ الدور أو زاد!.

 

قضية الإمارة الإسلامية التي قتلها الفقي بحثاً ظهرت ادعاءً للمرة الأولى في يونيو 2007م في بيان وزَّعه أنصار حزب التجمع اليساري في إحدى وقفات حركة كفاية بالقاهرة، لكن هذا الكلام الفجّ عاد د. مصطفى الفقي ولاكه مرارًا وتكرارًا في نهاية 2008م قبل أيام من ضرب غزة، وقد يفهم في سياق التحريض!.

 

والفقي (المفكر العبثي) يشعر بالغضب والحنق تجاه حماس؛ فقد فشل فشلاً ذريعًا في الانتخابات البرلمانية في مصر، ورغم ذلك حصل على مقعد الدائرة بطرق ملتوية كشفتها المستشارة نهى الزيني و155 قاضيًا من مجموع 160 أشرفوا على انتخابات دمنهور بالبحيرة، بينما حماس لا تعرف إلا النزاهة والشفافية من منطلق إسلامي وشرعي وقيمي وأخلاقي، بينما خصم الفقي (العبثي) كان (إسلاميًّا)، وهذا ربما مربط الفرس ونقطة الضعف!.

 

في مقال له في (أهرام) الثلاثاء 30 ديسمبر يتحدث الفقي من وجهة نظره عن أصول المقاومة: معتبرًا أنها لا بد أن تكون عملية محسوبة تخضع لموازنة نضالية لا تقف عند حدود الانفعال والعواطف والدعايات، متهمًا (الشيخ) حسن نصر الله بأنه جزءٌ من مؤامرة إقليمية معروفة ضد مصر (كنانة الله في أرضه)؛ في إشارة إلى إيران التي تمثل تهديدًا للأمن القومي المصري الذي هو خطٌّ أحمر؛ نظرًا لأن مصر صنعت الحضارات، واحتضنت الثقافات وعلَّمت الدنيا منذ طفولتها الأولى!.

 

ثم يعود الفقي إلى حماس مذكِّرًا بمباركته لنضالها في مرحلة الشيوخ الأجلاء أحمد ياسين والرنتيسي، لكن مؤخرًا تفتَّحت شهيتها للسلطة، وأصبحت طرفًا في الصراع الفلسطيني أكثر منها حركة مقاومة، وأنها دخلت اللعبة السياسية من الشبَّاك عبر أوسلو بدلاً من أن تدخل ساحة النضال من الأبواب!.

 

ربما يكون الفقي في هذه النقطة تحديدًا أكثر إدراكًا من الجميع بالأبواب الشرعية للنضال، فقد كان أحرص الناس على الفوز بالمقعد قبل أن يضطر أسفًا للقفز عليه!، لكن الفقي- بالطبع- يدرك أن حماس قد فازت في انتخابات نزيهة لم تُتِحْ له الكنانة الفرصةَ في أن يراها في مخيلته نائمًا أو قائمًا!.

 

وربما يفضل الفقي الانصياع لشرعيات الأمر الواقع وديمقراطيات الجبر على عواهنها، وبما أن أبو مازن مهندس أوسلو فهو الأكثر شرعيةً من وجهة نظرة، وبما أن أبو مازن يمارس نوعًا من النضال الآمن فهو الأكثر شرعيةً أيضًا، ولأن أبو مازن يستمع ويعي من محتضني الثقافات فهو الأكثر فهمًا وإدراكًا وانضباطًا للواقع.. وهكذا تكون المقاومة المحسوبة!.

 

أما حماس فهي الأقل قدرةً على التعامل مع المعطيات!! يكفي استشهاد ثمانية من مؤسسيها، والعشرات من قياديِّيها، والمئات من كوادرها واعتقال العشرات من نوابها!.

 

رغم ذلك يزعم أنها دخلت اللعبة السياسية من الشباك، ولم تدخلها عبر أبواب النضال(!!) ربما يقصد عبر أبواب الاحتلال؛ مثل قيادات فتح المنمَّقين: (أبو مازن، ودحلان، ورشيد أبو شباك، وياسر عبد ربه، وعزام الأحمد، والطيب عبد الرحيم، وسمير مشهراوي، والعميل نمر حماد).

 

أيضًا حماس تلتزم بمعايير أخلاقية، ربما هذا لا يكفي!، لكنها توظِّف تلك المعايير لاكتساب الشرعية والتعاطف الشعبي، ربما هذا أيضًا لا يكفي! لكنها تقاوم الاحتلال وتُجبره على التراجع، لكن حكمة الفقي لا تؤمن أبدًا بالعنتريات، فمُلهمه ووليُّ نعمته ربّ الحكمة في كل المواقف، وأمام كل الضغوط!.

 

أيضًا نظرة الفقي (الثاقبة) التي لا تقف أمام أزمات مصر؛ بدءًا من رغيف الخبز والغلاء وأزمات الوقود والفساد من ناحية الأسباب، فهي مشكلات ناعمة لا تستدعي التمرد من العقلية المصرية صاحبة التضحيات، لكنه يتوقف أمام نفس هذه المشكلات من زاوية التبرير والاتهام بالتآمر، وكأنه يستعطف هؤلاء المعارضين "أن يراعوا أن مصر لديها من مشكلات الثمانين مليونًا ما يكفيها ويزيد"!.

 

حبكة الفقي من نوع الموضوعات الدعائية التسجيلية مدفوعة الأجر التي يمر القارئ عبرَها دون التفاتة أو اهتمام!.. كل هذا البناء الدراماتيكي المتداخل ضربه الفقي خلطًا ومزجًا والمذبحة على أشدِّها، لم يكن يدرك أن البناء الداخلي الفلسطيني أكثر تماسكًا، وأن حماس ستخرج أكثر التحامًا بجماهيرها، وأن الكيان الصهيوني سيفر من مقبرة غزة!.

 

ربما أهل غزة أدرى بشعابها وأقدر على قراءة الموازنات والتعامل معها، بينما العمى الالتفافي للبعض يحول بينهم وبين الواقع فيعيشون في كهوف من الوهم تحت أكوام من السراب والبطولات الحنجورية الخافتة إلى حدِّ التلاشي تحت زعم الحكمة والقراءة الواعية والفهم!، لكن الحقيقة مؤلمة: مصر كانت تستطيع أن توقف الحرب لو فتحت المعبر.

 

حماس لم تنقلب على فتح، ولكنها تصدَّت للانقلاب الذي كان يقوده كيث دايتون ممثل القوى الأعظم في عالمنا المعاصر (لفظة الفقي)، وشرذمة من فتح!، وكان دايتون قد أكد في لجنة الشرق الأوسط بالكونجرس الأمريكي في أواخر مايو 2007م أن "الأوضاع ستنفجر قريبًا وبلا رحمة في قطاع غزة"، كما أن الموفد الخاص بالأمم المتحدة دي سوتو قال: "إن المقربين من عباس كشفوا لنا على نحو خاص أنهم صاغوا مبادرةً لحل حكومة حماس"، وكانت هذه مقدماتٍ لبداية الأحداث التي انتهت بالحسم، فقد زادت الحواجز العسكرية وحوادث الاختطاف والقتل على الهويَّة حتى وصلوا إلى 22 ضحية في أسبوع واحد، وحدث الاصطدام، ففرَّ منتسبو 14 جهازًا أمنيًّا تعدادهم 55 ألف جندي، حتى إن الشرطة التنفيذية (5500) جندي وجدت نفسها فجأةً تمسك بتلابيب الأمور، رغم أن قرار المواجهة كان ميدانيًّا ولم تكن القيادة السياسية على علم به؛ حيث سارت الأمور بسرعة كبيرة، كما أن القيم القومية والعروبية- في حدها الأدنى- تستلزم الوقوف مع الأخ ظالمًا كان أو مظلومًا.

 

ربما تفتقد ذاكرة الفقي المعلومات، رغم كونه مدير مكتب الرئيس لشئون المعلومات سابقًا!
فمتى يصدق الفقي دايتون، ودي سوتو هل يقسمون له على الإنجيل مثلاً؟!

 

أما بالنسبة لقوله إن معبر رفح ورغم أن قصته معروفة.. مصر ليست طرفًا فيه على أي حال فإذا كان قدر غزة أن كل معابرها تمر عبر إسرائيل وإسرائيل عدو سافر، ومعبر رفح هو الوحيد الذي يخضع لمصر، فهل نطلب من ليبيا مثلاً أو قطر السماح بفتح معبريهما لإدخال المعونات إلى رفح؟!

 

أم أن أم الحضارات والثقافات أولى بلجوء المحاصرين والجوعى إليها؟

ألم تُعلم الدنيا منذ طفولتها الأولى؟ فماذا تمثل غزة (أرض العزة) بالنسبة للدنيا على اتساعها؟

ربما هي أولى بالرعاية وأحق بالمأكل والملبس، أما إذا كان الأمر قانونيًّا بحتًا فاعترافات المستشارة نهى الزيني و155 قاضيًا أولى بالاحترام والانصياع برأيي!