انتهت تلك الحرب الشرسة وغير الشريفة بين الكيان الصهيوني بما يملك من أحدث وأقوى الأسلحة في المنطقة- فضلاً عن دعمٍ غير مسبوقٍ وغير مشروطٍ من الإدارة الأمريكية- وأبطال المقاومة الفلسطينية على أرض الرباط بقيادة حركة المقاومة الإسلامية حماس، والنماذج الفريدة التي صنعتها وقدمتها للعالم كأمثلةٍ حيةٍ وفريدةٍ للشجاعة والبطولة والبسالة والمرابطة الفذّة.

 

وقد رأى العالم بأسره التدنيَ غير المسبوق من قِبل اليهود الملاعين في استخدام كافة أنواع الأسلحة المُحرَّمة دوليًّا، فضلاً عن قيامهم عن عمدٍ بتدمير منازل المدنيين العُزَّل وهدم المساجد ونسف المدارس والجامعات وإبادة المصانع والمزارع والقضاء على الأخضر واليابس، وسط صمت عربي ودولي مريب!!.

 

واستمرت تلك الحرب القذرة قرابة 4 أسابيع؛ عمد اليهود فيها إلى إبادة قطاع غزة من خلال البر والبحر والجو وعلى مدار الساعة؛ في حربٍ لم تتوقَّف أوزارها ولم تهدأ وتيرتها في استعراض وتبختر للحقد الصهيوني الدفين الذي يملأ قلب اليهود تجاه العرب والمسلمين.

 

وقد أفاق العالم بأسره وهو يرى شباب المقاومة الأبطال وهم يُسطِّرون صفحات بيضاء في تاريخ الأمة؛ إذ تصدَّوا بإيمانهم وعقيدتهم- قبل أسلحتهم وذخيرتهم- لتلك الآلة العسكرية المتجبِّرة، وأذاقوها الويلات حتى عجزت آلة الحرب الصهيونية عن إسكات مدافعهم أو إبطال صواريخهم أو وقف مقاومتهم أو دحر صمودهم وثباتهم، حتى عشنا جميعًا معهم قول القرآن الكريم ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمْ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ (التوبة: من الآية 14)، وأيقنَّا كذلك صدق القول: "إنما النصر صبر ساعة".

 

وتذكَّرنا حينها كيف عجزت جيوش ثلاث دول عربية مجتمعة في يونيو 1967م عن التصدي لليهود أو حتى في الحفاظ على مواقعهم، فسلَّموا اليهود في ساعاتٍ معدوداتٍ سيناء والضفة والجولان، فتحمَّلت الشعوب خطأهم وعاشت فترات ذل طويلة في حربٍ نفسيةٍ عميقةٍ؛ مفادها أن جيش اليهود لا يُقهَر.

 

وفوجئ الجميع بهرولة اليهود وسعيهم إلى إيقاف الحرب حين فشلوا في الاقتحام البري لغزة الصامدة؛ حيث كانوا يتخيَّلون أنها ستكون لقمةً سائغةً، وأنهم سيحتلونها خلال ساعات معدودة، حتى فوجئوا بحجم المقاومة ودقة التخطيط وشدة المواجهة، حتى انقطعت أنفاس اليهود وهرولوا نحو أمريكا والغرب، فضلاً عن خُدَّامهم من حُكَّام العرب يطلبون وقف المقاومة وإسكات صوتها.

 

ورأى العالم اليهود وهم يسعون إلى طلب الهدنة من طرفهم، ثم بانسحابهم سريع امن على أرض غزة الصابرة المحتسبة وسط هزيمة مروعة لهم من قِبل أبطال المقاومة الميامين ﴿فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانقَلَبُوا صَاغِرِينَ﴾ (الأعراف: 119).

 

لا تحسبوه شرًّا لكم بل هو خير لكم

حقًّا.. ما ترك قوم الجهاد إلا ذلوا، وما رفع قومٌ رايةَ الجهاد واستمسكوا بها إلا أعزَّهم الله على رءوس الأشهاد.. هذا ما شهدناه رأي العين حين رفع الله من ذكر أبطال المقاومة ومن شأنهم، حتى أصبحت المقاومة والجهاد هي الخيار الوحيد أمام الجميع.

 

لقد تأكد للجميع أن "إسرائيل الكبرى" وجيشها الجبّار أكذوبة كبيرة، بل وأضحوكة ساخرة؛ إذ عجزوا بكل ما يملكون عن مجابهة مجموعات شباب صغيرة وأسلحة بسيطة وفشلوا فى الاختبار؛ لحرصهم على الحياة، في حين يحرص المجاهدون المرابطون على الموت والشهادة، فصدق في اليهود قول الحق ﴿لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلاَّ فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ (الحشر: من الآية 14)، وصدق في المجاهدين القول المأثور: "احرص على الموت توهب لك الحياة".

 

أين أدعياء السلام المزعوم؟! لماذا اختفَوا وسط صوت المدافع والطلقات؟! أين حناجرهم القوية؟! فلا أسكت الله لهم صوتًا!! لقد انتظرناهم طويلاً أثناء المعركة، ولكن يبدو أنهم كانوا في رحلة عمل (بيزنس) أهم من قضية فلسطين والمقدسات.

 

على العموم نحن في انتظارهم بعد الحرب، ونعلم تمامًا أنهم سيركبون الموجة، ولكن هيهات هيهات لهم.. لقد انفضحوا وانكشفوا.

 

لقد بحثنا جميعًا عن وزراء الدفاع الأشاوس في (22) دولة عربية، وعن اتفاقياتهم للدفاع العربي المشترك، ولكن يبدو أنهم جميعًا كانوا في رحلة استجمام رائعة لتزويد جيوشهم بأعتى وأحدث الأسلحة الفتاكة؛ لأن القديم اعتلاه الصدأ وتم "تكهينه"، وبالتالي لا بد أن تظهر أرض معاركهم مليئة بالأسلحة الحديثة لزوم التصوير والدعاية، فضلاً عن "عمولات" السمسرة الكبيرة!، ويبدو أنهم لم يسمعوا بما حدث في غزة من كثرة مشاغلهم وسفرياتهم المتصلة،. فكان الله في عونهم!!.

 

ولقد بحثنا أيضًا جميعًا عن العالم المتحضِّر وأنظمته الديمقراطية التي تدَّعي دعمها الحرياتِ ومحاربتها الظلمَ وأشكالَه، وقد شاهدنا ثورتهم السابقة وغضبتهم العنيدة أمام تكسير صنم بوذا، ولكن لم تتحرَّك قلوبهم ومشاعرهم أمام مشاهد الدم والقتل والدمار لأطفال ونساء وشيوخ غزة، وتمنَّينا لو أن في غزة أصنامًا لبوذا وعوذا ولوذا!! وبالتالي فقد سقطوا جميعًا.

 

أما ولاة الأمر الأشاوس الميامين، فكفانا الله شرهم؛ فقد عجزوا حتى عن التمثيل بالقيام بدور مشرِّف يحفظ لهم ماء وجوههم أمام غضبة شعوبهم، فلطالما صدَّعونا بالخطب الرنَّانة عن العروبة والقومية والشهامة والنخوة والبطولة... إلخ، ولكن يبدو أن قواميسهم قد ضاعت مثلهم، ولكن نقول لهم: "اطمئنوا؛ فقد قام شافيز بالدور، وسترأس فنزويلا جامعة الدول العربية، ولكن نتمنَّى ألا تحاربوها أو ينقلب إعلامكم على شافيز لعدم استئذانكم فيما قام به"!!.

 

كلمة أخيرة..

لقد أدرك الجميع أن إهمال حماس لم يَعُد ممكنًا ولا بالشيء اليسير؛ فقد أيقن الجميع حجمها وقوتها، فضلاً عن صدقها وحسن أدائها، وبالتالي فمن الصعب في المرحلة المقبلة أن يتم تجاهلها أو الضغط عليها.

 

ونقول لإخواننا في حماس: جزاكم الله خيرًا... لقد رفعتم رأسنا بعد أن أصابها التيبس من طول الانحناء، ولقد زرعتم في نفوس الأمة العزة الكرامة، وعرفنا معنى الحياة بعد أن كدنا نفتقدها، وتأكدوا أن دم الشهداء لن يذهب سدى، وأن تضحياتكم لن تضيع أبدًا، بل ستظل الوقود الذي يحرِّك الأمة والشعوب نحو التحرير والكرامة، واللهِ.. لقد أدَّيتم دوركم وأدرك الجميع مكانتكم.

 

ونقولها بصوتٍ عالٍ: سنظل نعلِّم وندرِّس لأبنائنا وأجيالنا صفحات جهادكم المشرقة، وسنربِّي أولادنا على أن يلحقوا بكم ويحرصوا على أن يكونوا من جندكم.. سنظل ندعو الله لكم بالحفظ والتأييد والتمكين، وإننا لنعلم أن ما سطَّرتموه بدم الشهداء وتضحيات الجرحى والمُصابين وأنين الأيتام والأرامل لَهُو شعلةُ الوقود للمستقبل المشرق والنصر المبين.

 

﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ (الإسراء: من الآية 51).

﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللهِ يَنصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5)﴾ (الروم).