- العسكريون: صمود المقاومة أثبت فشل آلة الحرب رغم قسوتها

- السياسيون: الحرب خلقت مأزقًا كبيرًا لأولمرت وليفني وباراك

- الكُتَّاب: فشل مخطَّطات المطبِّعين لتجميل وجه الكيان القبيح

- الاجتماعيون: معدلات الذعر تضاعفت داخل الكيان والهجرة منه ستزيد

- القانونيون: الاتفاق الدولي على الملاحقة القضائية أكبر خسائر العدو

 

تحقيق- نورا النجار ومحمد أبو العز:

"إسرائيل كسبت المعركة.. حقَّقنا أهدافنا من حرب غزة.. قضينا على حماس والمقاومة ومنصات الصواريخ.. الشعب الإسرائيلي هو الذي فاز في حرب غزة".. بعضٌ من كلمات قادة الكيان الصهيوني مع اقتراب نهاية الحرب على قطاع غزة، والتي صاحبتها بعض الكتابات الأجنبية والعربية، والتي أكدت أن الكيان حقَّق كل أهدافه من الحرب، والخاسر هو أهل غزة وبالطبع المقاومة.

 

إلا أنه في المقابل شنَّت الصحف الصهيونية هجومًا شديدًا على قادة الكيان أو مثلث الشر (أولمرت وليفني وباراك) واتهمتهم بأنهم "أهدَوا للمقاومة وحماس نصرًا بسبب فشلهم في إدارة ملف الحرب"، وأنهم حقَّقوا خسائر عديدة؛ أقلُّها أن صواريخ المقاومة ما زالت تهدد جنوب كيانهم، فضلاً عن أنها سوف تمتد إلى مدن وأماكن أكثر بعدًا من سديروت، وعسقلان.

 

وبين هذا التشابك في الآراء، وبعد أن هدأت الأوضاع وبدأ كل جناح في حصد مكاسبه وخسائره من هذه الحرب، كان لا بد من طرح سؤال عن خسائر الكيان الصهيوني؛ ليس على المستوى الميداني الذي شهد خسائر واضحة، وإنما على الصعد: السياسي والقانوني والحقوقي والإنساني، وهو ما طرحناه على عددٍ من الخبراء في هذا التحقيق.

 

خسائر كبيرة

 الصورة غير متاحة

الحزن والأسى يعتلي وجوه جنود الاحتلال بسبب الخسائر

الدكتور سيف الدين عبد الفتاح أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة سبق أن أوضح في تحقيقٍ آخر لـ(إخوان أون لاين) ما حقَّقته المقاومة، وفي القلب منها حركة حماس، من نجاحات، وهو ما دفعنا في هذا التحقيق إلى العودة إليه مرةً أخرى وسؤاله عن خسائر الكيان الصهيوني؛ حيث أكد أن الكيان الصهيوني اتبع في هذه الحرب تكتيكًا جديدًا لإدارة المعركة في محاولةٍ منه لتفادي الأخطاء الفادحة في حربه على لبنان عام 2006م؛ تلك المعركة التي خرج منها مهزومًا عسكريًّا وسياسيًّا وإعلاميًّا؛ فلم يحدد الكيان أهدافًا صريحة وواضحة في حربه على غزة؛ للهروب من المأزق الذي قد يتعرَّض له في نهاية المعركة، وترك الأمور "عائمةً"؛ حتى إذا حقَّق أي إنجاز في الحرب يدَّعي أن هذا هو الهدف.

 

ويؤكد عبد الفتاح أنه رغم هذا الحرص الشديد من قِبل قادة الكيان، إلا أنهم لم يستطيعوا تحقيق أي إنجاز على الأرض في غزة؛ مما وضعهم في مأزقٍ داخل كيانهم، لدرجة أن من يصفونهم بالمعارضة داخل الكنيست قالوا إن قادة الحرب أطالوا أمدها ولم يحقِّقوا أي إنجاز في هذه الحرب، وهو ما عبَّر عنه اليسار، أما الليكود المتطرف فقد كان له موقف آخر؛ حيث اتهم قادة الحرب بالتسرع في إنهاء الحرب التي لم تحقِّق أي هدف، ولم تَقْضِ على حماس، وما زالت الصواريخ تُطلَق على الكيان الصهيوني.

 

ويشير د. عبد الفتاح إلى أن هذه الحرب قد أكسبت حماس تعاطفًا شديدًا لدى الشارع العربي عامةً وفي فلسطين خاصةً، ومن المُلاحَظ أن الفلسطينيين في غزة لم يتلفَّظ أحدهم بلفظٍ ضد حماس أو يُلقي عليها المسئولية، رغم أن أحد أهداف الكيان الصهيوني من هذه الحرب، بل وما كان ينتظره فريق التسوية من السلطة الفلسطينية، أن يثور أهل غزة على حماس ويحمِّلوها المسئولية، وهو ما لم يتحقَّق، موضحًا أن بعض الأنظمة العربية توحَّدت في مطالبها مع الكيان الصهيوني في كلٍّ من حربي لبنان وغزة على حزب الله وحماس، وكانت المطالب ضرورة توجيه ضربات سريعة لكليهما من أجل القضاء على المقاومة، وهي أمنيات لم تتحقَّق؛ مما اضطر الحكام العرب في أزمة غزة إلى الإعراب عن استيائهم من الكيان الصهيوني واعترافهم بمشروعية المقاومة، ولو بمجرد تصريحات إعلامية، وهو يُعَد انتصارًا جديدًا للمقاومة وتحقيق جزء من أهدافها، ويمثِّل هزيمة سياسية للكيان الصهيوني، بل هذا أيضًا دفع مجموعة قمة قطر إلى أن يحتضنوا قادة حماس وفصائل المقاومة ويدعوهم إلى حضور القمة معهم، وهذه أول مرة، ولولا صمود هذه المقاومة والشعور بتحقيق النصر ما كانت هذه الدعوة، وهو ما يمثِّل خسارة سياسية واضحة للكيان الصهيوني.

 

أوهام النصر

 الصورة غير متاحة

اللواء جمال مظلوم

ويوضح اللواء جمال مظلوم الخبير العسكري لمركز الخليج للدراسات الإستراتيجية أن الكيان الصهيوني بالفعل قد اختبر قدراته العسكرية المحرَّمة وغير المحرَّمة على المدنيين والأطفال والنساء، وشعر بالنشوة والغرور بهذه القوة التي يُعِد لها منذ سنوات.

 

ويشير مظلوم إلى أنه إذا كان الكيان يدَّعي النصر فهو- من وجهة نظره- نصر تجربة تلك الأسلحة للتأكد من قوة الردع، إلا أنه أخفق في المواجهة ولم يتوغَّل إلا بضعة أمتار داخل غزة؛ نظرًا إلى صمود المقاومة، والتي تعتبر أن خشية الكيان الصهيوني من هذا التوغل يُعَد نصرًا، وهذا بالفعل يُعَد نصرًا لها إذا ما قارنَّا ميزان قوة كلٍّ الكيان الصهيوني والمقاومة.

 

ويؤكد أنه في ظل وجود حالة عدم التوازن في ميزان القوى فإن صمود المقاومة ودعمها المستمر والحرص على جعلها في مقدمات وأولويات القضية الفلسطينية هو الحل المستقبلي لدعم هذه القضية، وهو ما يمثِّل خسارةً واضحةً للكيان الصهيوني الذي ظنَّ أن القضية الفلسطينية ماتت وتم اختزالها في حكومة حماس وقطاع غزة، فجاءت الحرب لتعيد قضايا اللاجئين والقدس وحدود 48 وحدود 67.

 

فضح المُطبِّعين

ويرى الكاتب الكبير سلامة أحمد سلامة أن الكيان الصهيوني المجرم حقَّق نصرًا عظيمًا على الأطفال والنساء والشيوخ وعلى المنازل والزرع والشجر والحجر، مؤكدًا أن ما فعله الكيان الصهيوني في هذه الحرب أظهر في أيام معدودة ما ننادي به من عقودٍ بأن الكيان الصهيوني نظام عنصري وإجرامي، وهو ما يعارضه دعاة التطبيع والتسوية مع هذا الكيان المجرم، وهذا في اعتقادي ما لم يكن يُعِد له كثير من الأنظمة العربية.

 

مشيرًا إلى أن الكيان الصهيوني هُزم سياسيًّا في هذه الحرب، كما تراجع عسكريًّا وفُضح أكثر إنسانيًّا، والهزيمة الكبرى كانت في فشل مخططاته ومخططات أتباعه في تلميع صورته وتحسين وجهه.

 

صفحة سوداء

 الصورة غير متاحة

قتلة الأنبياء دمروا مساجد غزة

وعن خسائر العدو على الصعيد الإنساني والنفسي، يؤكد د. علي ليلة أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس أن الصهاينة خسروا خسائر جسيمة على المستوى الاجتماعي والإنساني؛ أولاها أن العالم بأسره شاهد الوجه القبيح للصهاينة في هذه المجازر البشعة التي ارتُكبت في حق أبنائنا في غزة؛ فقد فتح الصهاينة صفحة سوداء في كتاب جديد لهم قرأها العالم، ولم يَعُد خافيًا على أحد ما هم عليه من وحشية ودموية، إضافةً إلى أن مجازر غزة كشفت عن مدى اعتماد الصهاينة على التدمير المادي للبنى التحتية للمقاومة والشعب الفلسطيني باستهدافه المؤسسات المدنية، وهو أمرٌ كشف زيف إنسانيتهم التي يتشدَّقون بها أمام الجميع؛ فهم الذين يروِّجون لما يسمَّى بالهولوكوست، ويتباكون على ضحاياه في الوقت الذي يرتكبون فيه هولوكوست أكبر في حق أبنائنا في غزة.

 

وعن تأثير هذه الخسائر في المجتمع الصهيوني من الداخل، يقول: "بالنسبة لاحتمالية تأثير هذه الخسارة المدوية في ضمائر الصهاينة فهذا احتمال ضعيف؛ فهم شرذمة مطرودة من العالم، وما فتئت أن وجدت أرضًا تُؤويها، ولن يسمحوا لتأنيب ضمائرهم أن يصل بهم إلى ترك هذه الأرض، لكن الأمر من زاوية أخرى يحدث لديهم شعور بالذعر وعدم الأمن والاستقرار بسبب التهديد القائم لهم من المقاومة الإسلامية؛ ولذا أتوقَّع بسبب هذا التأثير أن تقوم جماعة كبيرة منهم بالهجرة العكسية إلى دول أخرى؛ هربًا من جحيم المقاومة".

 

وعن كيفية استغلال المجتمع العربي هذه الخسائرَ يقول: "ينبغي على مجتمعنا العربي والإسلامي أن يستغل هذه الخسارة بذكاء لترسيخ هذه الصورة القبيحة التي كشفتها مجازر غزة من خلال مشروع إسلامي تتبنَّاه القوى الإسلامية المختصة، كمنظمة المؤتمر الإسلامي وغيرها؛ حيث تعمل على تدشين حملة لأجل هذا الغرض؛ ترصد لها أموالاً وإعلاميين يروِّجون لها من أجل ترسيخ هذه الهزيمة، فلا تزول ملامحها أبدًا من ذاكرة التاريخ، ولا بد علينا أن نتخلَّى عن سياسة النفس القصير التي تسبَّبت في خسارتنا كل شيء؛ فالحرب مع الصهاينة تتطلَّب نفسًا طويلاً كي نربحها".

 

وعن كيفية ترسيخ هذا المشروع داخل الأسر العربية والإسلامية يوضح أن الصهاينة الآن يدشنون حملات إعلامية لتحسين صورتهم التي كشفت سوءاتها أثناء الحرب؛ ولذا علينا نحن أيضًا أن نحسن استغلال إعلامنا ووسائلنا التكنولوجية، خاصةً الإنترنت، في ترسيخ ونشر صورتهم القبيحة هذه من خلال أعمال تسرد تاريخ الأرض المحتلة وتاريخ اليهود؛ كي تتجذَّر أصولها داخل عقول أطفالنا؛ فقد فشل جيلنا في الإلمام بهذا التاريخ، لكن وإن كنا قد فقدنا ماضينا وحاضرنا فعلى الأقل فلنحافظ على مستقبلنا من خلال هذه التربية لمجتمعاتنا العربية والإسلامية".

 

خسارة قانونية

 الصورة غير متاحة

بهي الدين حسين

ويؤكد بهي الدين حسين مدير مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان أن الصهاينة خسروا على مستوى المجتمع الدولي الحقوقي الكثير، وخسارتهم هذه لم تقتصر فقط على ما ورد من إدانات من منظَّمات المجتمع بكافة انتماءاتها ومطالبتهم بإحالة كبار المسئولين الصهاينة إلى محكمة العدل الدولية لتقديمهم كمجرمي حرب، بل تعدَّى الأمر إلى مطالبة مسئولين دوليين من كبار الشخصيات الحقوقية في العالم بهذا المطلب، وهو ما لم يكن يحدث من قبل، وآخرها ما صرَّح به بان كي مون الأمين العام للأمم المتحدة بعد زيارته إلى غزة بعد انتهاء الهجمات بإحالة المسئولين إلى المحكمة الدولية كمجرمي حرب، وهو ما لم يطلبه أي أمين للأمم المتحدة من قبل.

 

ويوضح أن نفس الأمر ينطبق على مفوضية الأمم المتحدة التي طالبت بنفس المطلب، إضافةً إلى منظَّمات المجتمع العربي والإسلامي، وكل هذا مثَّل خسارةً دوليةً للصهاينة؛ خسروا بها الكثير من التأييد السابق لهم من بعض هذه المنظَّمات، وصار تقديمهم كمجرمي حرب محتملاً بصورة أقوى من ذي قبل.

 

وبسؤاله عما إذا كان لهذه الخسارة انعكاسات على علاقات الصهاينة بدول العالم، خاصةً المؤيدة لهم؛ أكد أنه سيكون لها تأثيرات سلبية في الكيان داخل الساحة الحقوقية، وأهمها علاقات الاحتلال بدول العالم، خاصةً بعدما صار طلب تقديم الصهاينة كمجرمي حرب مطلبًا عالميًّا لا فلسطينيًّا وعربيًّا فقط، وهذا تطور جديد ومهم، وإن كنا لا نتوقَّع حدوثه غدًا، إلا أنه صار قريبًا، ويكفي أن نعلم أن الصهاينة وضعوا قيودًا بعد مذبحة دير ياسين على سفر كبار مسئوليهم إلى الخارج؛ خوفًا من إلقاء القبض عليهم في الدول الأوروبية بعد أن طالب المجتمع الدولي بمحاكمتهم.

 

وأضاف أنه علينا أن نعلم جيدًا أن تقديم العدو الصهيوني كمجرم حرب أمام المحكمة الجنائية الدولية أمرٌ يتطلَّب الكثير من الجهد والجدية كي يؤتي ثماره، وأول هذا الجهد ينبغي أن يأتيَ من القضاء الدولي الذي يُفترَض به من الناحية الحقوقية والجنائية أن يشرع في إصدار الحكم على هؤلاء القادة لتقديمهم إلى المحاكمة.

 

جريمة إنسانية

 الصورة غير متاحة

 حافظ أبو سعدة

ويتفق حافظ أبو سعدة الأمين العام للمنظَّمة المصرية لحقوق الإنسان مع الرأي السابق؛ حيث يشدد على ضرورة رفع دعوى جنائية أمام المحاكم الجنائية الدولية، وجعْل الصهاينة عبرةً هم وغيرهم لكل من تُسوِّل له نفسه تجاهل الاتفاقات والأعراف الدولية المتعلِّقة بحقوق الإنسان.

 

ويوضح أن ما فعله الكيان الصهيوني بغزة هو جريمةٌ إنسانيةٌ بكل المعايير والمواثيق الدولية المتعلِّقة بحقوق الإنسان، وهي ضربٌ فاضحٌ بالقوانين والاتفاقات الدولية المتعلِّقة بالحروب والتعامل مع المدنيين والمؤسسات الدولية (مثل الأونروا)، والمؤسسات المدنية (مثل المستشفيات والمدارس) واستعمال الأسلحة الفسفورية المحرم استعمالُها دوليًّا.