بناءً على طلب القُرَّاء تُقدم الأخت الداعية وفاء مشهور تفصيلاً لصفات المربِّية ونماذج تطبيقية لأدائها.

 

قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: من الآية 11)، هذه سنة إلهية لا تتبدَّل؛ حتى يتم التغيير المنشود ويتحقَّق التمكين لدين الله، ومن هنا وجب علينا الاهتمام بمجال التربية.

 

ولقد أثبتت الأحداث عبر تاريخ الدعوة منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم إلى وقتنا هذا أنه بقدر الاهتمام بالتربية والبناء تتحقَّق الأصالة للحركة واستمرارها، ولقد لاحظنا هذا مع حركة حماس، شاهدنا ثمار الفهم العميق، والإخلاص ذا الوجهة الربانية، والعمل المتواصل، وثقة في نصر الله، وثقة في القيادة، والأخوة والترابط، والجهاد والثبات، فكان الإنتاج المبارك حين ظهر المردود التربوي في أداء أصحاب حركة حماس.

 

فعلى الأخت المُربِّية أن تستشعر عظمة مهمتها وأهميتها وثوابها، وهذه الثلاث تدفع المُربِّية إلى أداء مهمتها بنجاح؛ فالعملية التربوية تقع على عاتقها.

 

والمُربِّي لا يُختَار عشوائيًّا، ولكن له شروط وتأهيل، وفي هذا يقول الإمام البنا: "الدعاة اليوم غيرهم بالأمس؛ فهم مُثقَّفون مُجهَّزون مُدرَّبون مُتخصّصون".

 

أخواتي المربِّيات.. ذكرت في الحلقات السابقة عرضًا سريعًا لبرنامج تأهيل المربِّيات شمل خصائص ومعارف ومهارات المربِّية بإيجاز، والآن سوف نعرض مهامها وأدوارها؛ فالمربِّية لها عدة أدوار؛ فهي الأم القلبية، وهي المربِّية المُعلِّمة، وهي الشيخ الروحاني، كما هي المكتشفة للطاقات.

 

 الصورة غير متاحة
 

أولاً: هي الأم القلبية:

 بكل ما يحمل الاسم من معنى الحب والرحمة ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (آل عمران: من الآية 159).

 

- أمٌّ قلبية تحمل قدرًا من الشفقة والتلهف والاطمئنان؛ فلو تأخَّرت أختها أو غابت عنها تتفقَّد أحوالها، سواء كانت طالبة أو مريضة أو حديثة زواج؛ كلٌّ يحتاج رعاية ونصيحة.

- أمٌّ قلبية حسنة الخلق؛ تحشد الهمم وتشجع وتوجه دون توبيخ أو نقد لاذع، فتكون محبوبة يُؤنَس لها، قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل: من الآية 125).

- أمٌّ حكيمة متزنة العواطف، وبالتالي فهي مستمعة جيدة؛ تنصت لبناتها، منتبهة لتعبيرات الوجه والعبارات الجميلة المشجعة فأصبحت قريبة لبناتها؛ يتحدَّثن إليها بأدب وبدون حرج في نفس الوقت.

- ذات عقل راجح ورأي صائب، خاصةً عند الاختلاف؛ لأنها تفهم أننا نتعامل مع جوانب الخيرية في كل إنسان وننميها، حتى ولو كان هناك بعض السلبيات، وبالبناء التربوي المتكامل تزول هذه السلبيات.

- صبورة لا تنفعل سريعًا عندما تتعرَّض لبعض العقبات، سواء في العمل أو من بعض الأفراد.

- أمٌّ قلبية صامدة رغم المحن والابتلاءات؛ لا تقصِّر في واجباتها ولا مهامها الدعوية.

 

ثانيًا: مربّية معلمة:

- أي الإفادة العلمية والارتقاء التربوي، فتجمع بين أداء المعلمة وحنان الأم؛ ولهذا تحرص على استيعاب الأفراد واكتشاف نقاط القوة ونقاط الضعف؛ ليسهل عليها تحديد وتحقيق الأهداف والمفاهيم التربوية المراد توصيلها إلى المتربِّي.

- مربّية معلمة: تتقن مهارات العرض والمناقشة، ومهارة السؤال واستقبال الإجابة، وإثارة الوجدان وإقناع العقول أثناء الحلقات التربوية.

- معلمة مربّية: تستوعب المناهج والبرامج التربوية ومراحلها، وتقف عند ما يستفاد من الفقرات وتربطها بالواقع، فعلى سبيل المثال، تستغل أحداث غزة وصمود أهلها أطفالاً ونساءً ورجالاً وما شاهدناه من عمق الفهم للقضية والذي نتج عنه عمل متواصل وإخلاص وثقة في نصر الله وفي القيادة، بل شاهدنا أخوة وترابطًا وإيثارًا تشابه بإيثار الأنصار والمهاجرين، وتضحيةً وجهادًا عقيدةً ربانيةً.

 

أي منهج تربَّى عليه هؤلاء الأبطال الشهداء الشرفاء؟! هو نفس المنهج الذي نتدارسه، ولكن أين المردود التربوي؟! لما ندرس إذن؟! لا بد أخواتي المربيات من وقفة مع النفس.. نريد أن نحوِّل كل ما بين أيدينا من برامج ومناهج إلى عمل وحركة وآفاق.

 

فحين تقفي أختي المربية عند هذه المعاني وتربطيها بالواقع وبالسيرة النبوية العطرة فذلك خير عون للتطبيق، ويعلم المتربِّي أن سعيه إلى الوصول إلى هذا المستوى ليس خيالاً، ولكن في إمكان البشر، فإذا كان أهل غزة رغم ما هم فيه من حصار وعدوان صمدوا وثبتوا وجاهدوا انتصروا، فأين نحن من هذا أخواتي؟!

 

- المربية المعلمة تجيد إدارة الحلقة التربوية بدقة وأمانة واستيعاب لكل النفسيات، موضحةً المفاهيم، مُتابِعةً المردود التربوي لكل ما تعلِّمه الأفراد؛ فهي ليست حلقة ثقافية، ولكنها محضن تربوي؛ تحقّق فيها معنى التعارف والتفاهم والتكافل.

- أختي المربية.. إن دورك هذا يكتمل بالمتابعة الميدانية والتعرف على النقاط الحرجة وعلاجها.

 

ثالثًا: المربية الشيخ الروحاني:

 الصورة غير متاحة
 
هي التي تربط القلوب بكتاب الله، فتحرص على إيقاظ الإيمان وإيجاد جو رباني بين الأفراد، فتهتم بحسن أداء العبادات وإخلاص الوجهة لله تعالى ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الأنعام: 162).

- مربية تعرف الأصول الشرعية، فتوضح الفهم الصحيح للإسلام، وتعلم أن مشروعنا مرتبطٌ بمهمتنا في الحياة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77) وَجَاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (78)﴾ (الحج)، والتي أشارت إلى أهمية:

1- إصلاح الذات ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾.

2- إصلاح المجتمع ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.

3- الجهاد ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾.

4- التمكين ﴿وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾.

5- تطبيق الشريعة ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾.

 

رابعًا: مكتشفة للطاقات:

وهي التي تحرص على الاختلاط والمعايشة مع الأفراد لتتعرف على طاقاتهم لتحسن توظيفها.

- لا تقوم بالعمل وحدها، وتدرِّب الأفراد على بعض المهام التجريبية، فتفوِّض لهم بعض الأعمال.

- لديها قدرة على اختيار العمل المناسب لكل فرد، ولا تركز على البارزين فقط.

- تصبر على أداء أخواتها حتى ولو كان متواضعًا، وتسعى إلى تذليل العقبات، فتشرح العوامل التي تساعد على نجاح التكليف، وتشجع وتدفع إلى أن يكنَّ بينهن "رديف".

- لديها القدرة على النظر إلى المستقبل أثناء التكليف بمهمة، مثل إصرار الرسول صلى الله عليه وسلم حين طلب أن يؤم أبو بكر رضي الله عنه المؤمنين تهيئة للدور المنتظر.

 

وإلى اللقاء في حلقة السبت القادم حول أنماط بعض الشخصيات داخل الحلقة وكيفية التعامل معها.