سنوات العلاقة الطويلة التي جمعتني مع الأخوين سليم الزعنون، وعزام الأحمد، وتأييدي لبعض مواقفهما، أظنه يعطيني الحق في مناقشة بعض آخر من هذه المواقف، فضلاً عن أن فلسطين تظل هي الهدف، وجميع الفصائل، وفي المقدمة منها "فتح" التي تشرفت بالانتماء لها منذ بداياتها الأولى، وكذلك حركة "حماس"، التي تربطني علاقات حميمة مع كثير من أقطابها وأعمدتها، تظل مجرد وسائل وأدوات نضالية من أجل فلسطين، لا يمكن أن ترتقي لتصبح هي الهدف.

 

المناقشة التي أعتزمها تنصب على تمثيل الشعب الفلسطيني، العنوان الذي تجددت إثارته عقب دعوة خالد مشعل لتشكيل مرجعية فلسطينية جديدة، ولم يقل أبدًا أنها ستكون بديلة لمنظمة التحرير الفلسطينية، ربما لأنه يعتزم التخلص مرة واحدة وللأبد من علاقة لا يريدها مع "لعيبة ثلاث ورقات" يفاخرون بقراءة الممحى، ومحو المكتوب!

 

هل ما زالت منظمة التحرير الفلسطينية تمثل جميع أبناء الشعب الفلسطيني.

السؤال يستدعي إجابة جريئة بقدر ما تكون موضوعية.

لقد حصلت حركة حماس في انتخابات المجلس التشريعي على الأغلبية الساحقة من أصوات الناخبين الفلسطينيين، وهي ليست عضوًا في منظمة التحرير، وهذا يعني بصراحة أن الذين صوتوا لـ"حماس"، إنما صوتوا في حقيقة الأمر ضد منظمة التحرير، وضد تمثيلها للشعب الفلسطيني ما داموا انتخبوا ممثلين لهم من خارج المنظمة!

 

لا يجادل عاقل في هذا، فهل تراجعت شعبية حماس خلال السنوات التي أعقبت الانتخابات التشريعية؟ كل المؤشرات تؤكد أنها في ازدياد، ولنعدد:

 

أولاً: المظاهرات الجماهيرية غير المسبوقة دعمًا لحركة المقاومة الإسلامية، التي تخرج في قطاع غزة، بما في ذلك تحت القصف الصهيوني، وكذلك في الضفة الغربية، بالرغم من تعرضها للقمع والتفريق بالقوة.

 

ثانيًا: المظاهرات الجماهيرية الكاسحة التي خرجت تأييدًا لحماس في عموم الدول العربية والإسلامية والأجنبية.

 

لا تقولوا: إن هذه المظاهرات خرجت تأييدًا للمقاومة الفلسطينية، وليس لحماس، وأن "فتح" هي قائدة المقاومة!

 

هذا كلام لا يجد من يرفعه من مكانه، خاصة أن في رأس كل منا أذنين اثنتين سمعتا بكل وضوح أن الذين هتفوا لـ"حماس" والمقاومة، هتفوا في ذات الوقت "يا عباس يا جا.." وأظنكم سمعتم بقية الهتاف!

هل يمكن أن يمثل الشعب من يتهمه شعبه بأنه "جا.." ؟!

لقد ذهب صديقي عزام في غمرة انفعاله، وهو يتحدث أمام أعضاء المجلس الوطني في الأردن حد القول إن عباس "خص نص"، وليس منظمة التحرير، هو الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني!

 

طيب بدلالة ماذا يا صديقي؟!

موقف "فتح" معلن على لسان محمود عباس، الذي يواصل المجاهرة بالحديث عن عبثية المقاومة، وأنه يحصر خياراته فقط في المفاوضات، بل هو طالب رجال الأجهزة الأمنية، من على شاشات التلفزة بقتل كل مقاوم، وكل من يحمل سلاحًا.

 

في إطار هذا الموقف يجري ويتواصل تنفيذ خطة دايتون التي تقضي بتفكيك حركة حماس، وعموم فصائل المقاومة الفلسطينية في الضفة، وتجهيز لواءين عسكريين في الضفة ليستعيدوا السيطرة على غزة، والخطة منشورة.

 

وبالطبع، فإن خطة دايتون وضعت في إطار تنفيذ المرحلة الأولى من خارطة الطريق، التي تنص على تفكيك ونزع أسلحة فصائل المقاومة الفلسطينية.

 

هل يعقل أن يتم العمل على تفكيك فصائل المقاومة في الضفة دون التخطيط لمحاولة فعل ذلك في قطاع غزة؟

وهل يمكن أن تنزع سلطة عباس أسلحة المقاومة في الضفة، وتقاوم في غزة، كما يزعمون؟

وهل يعقل أن يعلن الكيان اعتزامه القضاء على مقاومة حماس والترحيب بمقاومة "فتح" في غزة؟!

وهل يعقل أن يتعاون عباس وسلطته في الضفة مع الكيان والجنرالين الأمريكيين دايتون وجونز لنزع أسلحة كتائب شهداء الأقصى، ولا يتعاون مع الكيان لإنجاز ذات الهدف في قطاع غزة!

 

هذا كلام مماثل لما يسعى البعض إلى تسويقه، محاولاً نفي أن عباس رفض صرف مخصصات شهيد لمن استشهد على عاتقه من مناضلي "فتح" في مقاومة العدوان على غزة!
هل يعقل أن يصرف مخصصات شهيد لأسر الذين حملوا السلاح، وهو الذي أمر أجهزته الأمنية بقتل مَن يحمل السلاح؟!

حدثوا العاقل بما يعقل!!

 

ثالثًا: نتائج استطلاعات الرأي العام، وما تظهره من انحدار نسبة الذي يرون في منظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً للشعب الفلسطيني إلى فقط خمسة بالمائة من المصوتين في استطلاع الرأي الذي أجرته صحيفة "المستقبل العربي" الإلكترونية، مقابل 79 بالمائة صوتوا ضد هذا التمثيل، وقال 16 بالمائة أنهم لا يعرفون!، فقط خمسة بالمائة، وتصرون على وحدانية شرعية التمثيل!.. منظمة التحرير الفلسطينية لم تعد الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.

 

هذه حقيقة لا تستوي معها أية ادعاءات، تقف عاجزة أمام السؤال: ومَن الذي يمثل ناخبي حماس، والذين تظاهروا بمئات الألوف من أبناء الشعب الفلسطيني في غزة والضفة الغربية، ناهيك عن الذين لم يتظاهروا لأسباب متعددة!

 

لقد أثبتت مظاهرات التأييد للمقاومة، رفض الشعب الفلسطيني لبرنامج عباس.. فهل يعقل أن يرفض الشعب البرنامج، ويتمسك بصاحب البرنامج؟!!

شعبنا ليس، ولم، ولن يصبح!!

 

هنالك ثنائية برامجية تفرض ثنائية تمثيل، من يمثل الأقلية، وهذه يحسمها الرأي العام، وقد حسمها في المظاهرات والمسيرات الشعبية التي طافت شوارع فلسطين وكل مدن العالم. ومن يقل غير ذلك، فليتفضل وينزل للشارع ويرنا حجمه، لأن الصوت العالي والحواجب المرفوعة على شاشات التلفزة لا تغير من الأمر شيئًا!

 

هنالك ثنائية برامجية نجمت عن تراجع عباس عن المقاومة شعارًا ومنهجًا وممارسةً، وتحوله إلى معاداة المقاومة، والمقاومين.

 

من حق عباس أن يقرر الموقف السياسي الذي يؤمن به، تمامًا كما هو من حق الشعب الفلسطيني أن يقرر مَن يمثله!

 

ومن حق الصديقين سليم الزعنون وعزام الأحمد أن ينحازا لهذه الوجهة أو تلك، لهذا الاجتهاد أو ذاك، لوجهة النظر هذه أو تلك، آخذين في الاعتبار أننا في زمن بات كل شيء فيه وجهة نظر!

 

غير أنه يعز عليّ كثيرًا، من موقع المحبة والاحترام اللذين أكنهما لهما أن يقفا في الخندق المقاوم للمقاومة!!

 

وصلني الكثير من العتاب على لسان الأخ الكبير أبو الأديب، على ما سبق لي نشره من تفاصيل شابت انعقاد جلسة المجلس المركزي الفلسطيني الأخيرة في رام الله، التي انتخب عباس فيها رئيسًا لدولة الكرتون الفلسطينية!

 

أريد فقط أن أطرح سؤالاً واحدًا: لو أن عباس لم يحظ برئاسة هذه الدولة الكرتونية، هل كان بإمكانه أن يغامر بالموقف الذي اتخذه ضد المقاومة الفلسطينية الباسلة في قطاع غزة، محملاً إياها المسئولية عن دمار القطاع!

 

لقد تخفف بهذا الانتخاب من عبء انتهاء ولايته كرئيس للسلطة، وتسلح برئاسة لا أحد يعرف متى تبدأ ولا متى تنتهي، فضلاً عن أنها لا تحتاج لأكثر من مواصلة صرف الرواتب والمخصصات والموازنات للناخبين الكرام من أعضاء المجلسين الوطني والمركزي، وعدم وقفها!

 

أخي الكبير أبو الأديب..

أخي العزيز عزام..

لا أريد أن أصدق كل ما يقال من كلام تتخلله أرقام عن أسباب تبدل وتغير المواقف.

في ذات الصالة التي شنت فيها الحرب الضروس على خالد مشعل وحركة حماس، وتم فيها نفي أنه كانت هناك مقاومة في غزة، فضلاً عن أنها انتصرت، وتبني وجهة النظر الصهيونية كاملةً بأن إسرائيل قررت وقف إطلاق النار من جانب واحد، لعدم وجود مقاومة، في ذات هذه الصالة؛ حيث لم يشر بحرف واحد ضد الصهاينة، أو بإيماءة أو غمزة أو لمزة، كتلك الغمزات واللمزات التي كالها عزام لأبو اللطف لأنه حيا المقاومة الباسلة في غزة، مؤكدًا أنها أنهت زمن الهزائم الفلسطينية، في ذات هذه الصالة، وبحضور ذات الشخوص تقريبًا، قال عزام قبل عدة أشهر، وسط تهلل وجه أبو الأديب، لا أحد سواه، "إن ياسر عبد ربه وسلام فياض يريدان إعادة صياغة حركة "فتح" ومنظمة التحرير والسلطة الفلسطينية وفقًا للمقاييس الصهيونية والأمريكية".

 

حسنًا، هل تراجعا عن هذا المخطط، أم أنهما يواصلانه؟

إن كانا قد تراجعا، فلم لم تخبراننا؟ ومتى وكيف؟ وما هو موقفهما الجديد، حتى نعدل نحن أيضًا موقفنا منهما، وأحدهما كان صديقًا وأخًا لصديق عزيز رحمه الله؟!

وإن كانا لم يتراجعا فلم صالحتاهما في رام الله على هامش جلسة المجلس المركزي، وعلى مائدة أبو هشام؟!

أليس من حقنا أن نعرف تفاصيل المصالحة، بدلالة أنكما سبق لكما أن صارحتمانا بتفاصيل الخلاف؟!

في ذات هذه الصالة أيضًا أخبرتنا أخي عزام أن الضغط الأمريكي الصهيوني هو الذي جعل عباس يتراجع عن إعلان صنعاء الذي وقعته أنت مع الدكتور موسى أبو مرزوق، وسبق لك قول ذلك في مناظرتك الشهيرة مع نمر حماد عبر قناة "الجزيرة"!.

 

فكيف بك تريد إقناعنا الآن بأن حماس هي التي ترفض الحوار والدخول في منظمة التحرير!
بقي السؤال: هل صحيح أن جلسة السبت هدف منها من بين أشياء أُخر تهيئة الأجواء لدعوة المجلس الوطني المنتهية ولايته منذ شباط/ فبراير 1991 للانعقاد لعدم إمكانية مواصلة انتظار قبول خالد مشعل وحركة حماس والجهاد الإسلامي الدخول في عضوية منظمة التحرير الفلسطينية؟.

 

لقد بدأ صديقي عزام يهيئ لهذه الدعوة قائلاً: إن هدف الجلسة التي يدعو لها هو استكمال عضوية المجلس المركزي واللجنة التنفيذية، وعدم جواز انتظار خالد مشعل.

 

ألم يكن هذا الهدف تحديدًا هو ما رفض أخي الكبير أبو الأديب لأجله دعوة المجلس الوطني للانعقاد حين ارتأى ياسر عبد ربه عقده لذات السبب، وساق لنا مبررات قانونية أكثر من كافية تسند موقفه الرافض! بم سيبرر لنا تراجعه عن ذلك الموقف المشرف، إن تراجع؟!.

 

فصل الخطاب: هنالك من لا يريد دخول "حماس" والجهاد الإسلامي لمنظمة التحرير، بشهادة الصديق محمد أبو ميزر التي أدلى بها أمام جميع الأعضاء الذين حضروا اجتماع السبت.
هنالك من يريد أن يستأثر بالقرار وحده، ومن "يتوشوش معهم" من غير الفلسطينيين.

 

ولأن هذا هو السبب يتم رفض تفعيل لجان المجلس الوطني ودوائر منظمة التحرير، مهما طالبت بهذا ليلى خالد، ما دامت الشراكة مرفوضة في غير ما يخصص للمؤلفة قلوبهم من مخصصات ورواتب وموازنات، "والذي منه"!!

 

فصل الخطاب ما قاله أبو حاتم، وهو عضو مؤسس، كما أنه عضو سابق في اللجنة المركزية لحركة "فتح"، "قيادة فتح هي التي أفقدت منظمة التحرير فعّاليتها، وهي غير مؤهلة لإعادة تفعيل منظمة التحرير"!!