في أعقاب هزيمة ألمانيا النازية في ربيع 1945م انعقدت محاكم نورمبرج لمحاكمة المسئولين الألمان عن اشتعال الحرب العالمية الثانية، وما خلفته من دمار مادي وإنساني يجلُّ عن الوصف؛ في الوقت الذي بدأت القصص المتعلقة بجرائم الحكم النازي ضد عددٍ من الأعراق والأديان- ومن بينهم اليهود الألمان- تتوالى.
ومن الواضح أن الأحكام التي أصدرتها محاكم نورمبرج عكست فظاعة هذه الجرائم؛ التي تفرد اليهود دون غيرهم بروايتها، بشكل لا يزال محلَّ جدل، سواءٌ في الكيفية أو العدد أو الأسباب والظروف.
ترتب على ذلك أن تعاطف العالم كله مع مأساة اليهود، وشجَّعوا هجرتهم إلى فلسطين بوتيرة أسرع بدت معها قسوة الروايات عن المأساة مبرِّرًا لاحتضان فلسطين لهم، رغم أن الهجرات اليهودية لم تنقطع منذ نهايات القرن التاسع عشر في إطار المشروع الصهيوني.
وبدلاً من أن يعود اليهود إلى ألمانيا للاقتصاص من جلاَّديهم تحوَّل اليهود في فلسطين إلى جلاَّدين لمضيفيهم، وأعلنوا عزمَهم على إبعاد المضيف من أرضه بدعاوى بائسة لا يصدقها طفل، في صورة بدت فيها مؤامرة الغرب لحلِّ مشاكله اليهودية واضحةً على حساب العالم العربي.
وبعد قيام "إسرائيل" استغلَّت قصص الهولوكوست لتضخيم المأساة حتى ترفع معدل الابتزاز المالي والسياسي ليدفع الشعب الألماني كله ثمن هزيمته أو جريمة نظامه، كما سمح ذلك "لإسرائيل" بأن تضع بيانًا بكل من يظن أن له علاقةً بهذه المأساة، وتقوم بنفسها باصطياده ومحاكمته أمام محاكمها، مدعيةً أنها وكيل الدم عن كل يهود العالم منذ الأزل وإلى الأبد، فتحصِّل التعويضات نيابةً عنهم وتقدِّم من تشاء ثمنًا لجريمته ضدهم، غير عابئة بأحكام القانون الدولي وأحيانًا قرارات مجلس الأمن؛ الذي أدان مرةً واحدةً خطف إيخمان من الأرجنتين إلى "إسرائيل" عام 1961م.
وتقول قصص الهولوكوست إن الانتقام النازي أعدم اليهود إعدامًا في غرف الغاز وفق الروايات اليهودية خاصةً من الناجين، كما قالت إن أعداد الضحايا هو ستة ملايين يهودي وهو فيما يبدو كل يهود العالم في ذلك الوقت؛ حين كان سكان ألمانيا لا يزيدون عن 12 مليونًا؛ أي أنه وفق هذه الروايات كان نصفهم من اليهود، وهي روايات حظر على كل الأوروبيين البحث والتساؤل أو التشكك فيها وإلا وقعوا تحت طائلة القوانين الأوروبية "الديمقراطية".
يلاحظ أن اليهود الضحايا كانوا يحملون الجنسية الألمانية، وأن رواياتٍ كثيرةً تواردت حول سبب إعدامهم بهذه الطريقة، ولكن على كل حال لم يكن القانون الدولي في ذلك الوقت يتدخَّل في العلاقة بين المواطن ودولته، ولكن هزيمة ألمانيا هي التي أتاحت نشر الروايات وتطبيق عدالة المنتصر على المهزوم، ولو كانت ألمانيا قد انتصرت لما سمعنا عن محارق اليهود أو غيرها.
ورغم أن العرب تعاطفوا مع مأساة اليهود، وقامت صحيفة (الأهرام) بجمع الأموال لرعايتهم في فلسطين، وتنادى كبار المثقفين المصريين لنجدتهم، إلا أن أحدًا لم يدرك حينذاك عمق المخطط الذي صوَّر مآسي اليهود في أوروبا في القرن التاسع عشر؛ حتى يبرِّر ظهور المشروع الصهيوني، ويجمع اليهود في دولة واحدة حلاًّ لمشكلتهم، ثم المبالغة في مأساة الهولوكوست حتى تبرّر كل الأفعال "الإسرائيلية" بما في ذلك مذابحها ضد الفلسطينيين كأنهم هو المسئولون عن المحرقة اليهودية.
لم يرَ أحد محارق اليهود، كما أن كل الروايات عنها من مصادر يهودية، ومع ذلك لا نملك إلا إدانة أي جريمة مهما كان عدد الضحايا قليلاً، وحتى لو ارتكبوا الخيانة العظمى للبلد الذي آواهم وهو ألمانيا.
أما المحرقة الفلسطينية فقد وقف العالم كله ولأكثر من ثلاثة أسابيع وعلى الفضائيات يتفرَّج، بل وشجَّعت حكومات أوروبية والولايات المتحدة على الاستمرار في المحرقة، وكان أول مؤتمر صحفي لهيلاري كلينتون مناسبًا لصبِّ غضبها على صواريخ حماس، وهي قطعًا سعيدة بمحرقة غزة؛ ما دام الضحايا فلسطينيين، ولم تتأثر هذه القلوب المتحجِّرة بالمشاهد الإنسانية بالغة القسوة والطائرات الحربية تمزِّق أجساد الناس وهم يتلون الشهادة على الهواء، وبعض المشاهد التي تُظهر أن يهود "إسرائيل" لا ينتمون إلى جنس البشر، وأن أياديهم ملطخةٌ بالدماء، ومع ذلك لا يجدون حرجًا في التباكي على ما يعانونه من صواريخ المقاومة.
وقد استفزَّ مشهد شيمون بيريز في قمة دافوس يوم 30/1/2009 وهو يتباكي على ما حلَّ باليهود، ويبرِّر بدم بارد قتلهم الأطفال وقتل أحد جنوده طفلاً وتمزيق جثته وإلقاءها للكلاب تنهشها.. هذه المشاهد ومشهد التباكي استفزت أردوغان رئيس وزراء تركيا؛ الذي تصدَّى لبيريز، بينما العرب الآخرون- وعلى رأسهم عمرو موسى- قد التزموا الصمت التام، وبدا وكأن أردوغان يدافع عن دم لا وليّ له؛ احتسابًا لوجه الله ودفعًا للظلم.
لقد أعدم هتلر يهود ألمانيا لأسباب تناقلتها كتب التاريخ، ولم يعرف أحد شيئًا عما نقلته القصص اليهودية، ومع ذلك ابتزت "إسرائيل" العالم كله بهذه القصص والروايات، ومقابل ذلك تفخر "إسرائيل" بحرق الفلسطينيين، وتزعم أنها تدافع عن نفسها، وكل حججها ساقطة مستفزة، ولو كان العدل قائمًا على الأرض لفعل في أولادهم وبناتهم بمثل ما عاناه الفلسطينيون، وأنا أستبعد أن يظل الظلم سائدًا والمحاباة الفجة واضحة لصالح اليهود؛ بل إن يوم 27 يناير من كل عام هو يوم الأمم المتحدة لإحياء ذكرى محرقة اليهود، فهل يجرؤ أمين عام الأمم المتحدة على أن يحدِّد يومًا لمحرقة غزة.
لقد أعلنت "إسرائيل" أنها فخورة بما فعلت، وبأن جنودها شجعان أبطال؛ لأنهم قهروا الدولة العظمى في غزة؛ المسلَّحة بكل أنواع الأسلحة، في مشهد سيظل شاهدًا على السقوط الأخلاقي والإنساني "لشعب الله المختار"، وكأنه اختير خصِّيصًا لإشاعة الخراب والدمار والقتل والفساد في أرض الله، والله لا يحب الفساد.
من ناحية أخرى تعهَّدت "إسرائيل" بحماية جنودها الأبطال من الملاحقة القانونية، وأعلنت ليفني يوم 30/1 أن أسبانيا سوف تعدل قوانينها حتى يفلت المجرمون اليهود من العقاب أمام محاكمها.
لقد أساءت ألمانيا إلى بعض مواطنيها في محرقة اليهود، ونقل اليهود روايات المحرقة، بينما ارتكبت الدولة الصهيونية أبشع مجازر التاريخ بأسلحة غربية ومساهمة إجرامية من الدول الكبرى وأمام العالم أجمع؛ باستخدام كل أنواع الأسلحة حتى المحرمة في حروب الجيوش.
فهل ستر الغرب عورته بعد أن تكشَّفت الحقائق، وهي أن "إسرائيل" صنعت وحشًا إجراميًّا ينهش لحم العرب ويحرق جلودهم بمباركة الغرب، فلم يكتفِ الغرب بإبعاد يهوده إبعاد البعير المبعد، وإنما انطلق هذا البعير لتدمير حضارة الإنسان في المنطقة؟! وهل لا يزال المرتقبون من الوحش الصهيوني مصرِّين على مهادنته والانسحاب أمامه ورفع رايات السلام البائس التي تغذِّي هذا العدو بنا كلما رأى هذه الرايات؟!