لا شك أن قرار الصهاينة إعلان وقف إطلاق النار من جانب واحد يوم السبت الموافق 17 يناير بعد ثلاثة أسابيع من العدوان الهمجي على أهل غزة الصامدين كان قرارًا مفاجئًا على الأقل لبعض المحللين الذين ظنوا أن المقاومة التي تقودها حماس والشعب الفلسطيني ستنهار خلال ثلاثة أيام على أقصى تقدير، وأنها ستطلب وقف إطلاق النار والاستجابة الفورية للشروط الصهيونية برفع الرايات البيضاء دليل الخضوع والاستسلام.

 

لكن ما حدث كان عكس ذلك تمامًا، فالكيان الصهيوني هو الذي أعلن بمفرده وقف إطلاق النار، وفي نفس توقيت الإعلان كانت المقاومة ترد بإطلاق 20 صاروخًا على الكيان الصهيوني، وبعدما رفضت المقاومة في البداية وقف إطلاق النار من جانبها، عادت وأمهلت الجيش الصهيوني أسبوعًا للانسحاب الكامل من كل غزة وفتح المعابر، وبالرغم من أن أولمرت أعلن أن وقف إطلاق النار لن يؤدي إلى انسحاب القوات تحسبًا لاستئناف القتال من جديد، وجدناه ينسحب ليس فقط في أسبوع كما حددت المقاومة، ولكن خلال ثلاثة أيام فقط (يوم 20 يناير وهو تاريخ تولي أوباما السلطة رسميًّا)، وكان الزعم في حينها أن أوباما طلب من إسرائيل ذلك، وهو مبرر غير منطقي، لأن إسرائيل طوال تاريخها لا تستجيب للضغوط الأمريكية، بل إن العكس هو الصحيح.

 

هذا الانسحاب الصهيوني أحادي الجانب أثار جدلاً كبيرًا بين المحللين السياسيين والعسكريين، بل وداخل أوساط الرأي العام حول الطرف الذي خرج منتصرًا من الحرب هل الجيش الصهيوني أم حماس، أم لا هذا ولا ذاك؟. وهو ما سنحاول أن نناقشه بموضوعية وحيادية علمية قدر الإمكان. لكن قبل الخوض في التفاصيل ينبغي بداية توضيح عدة أمور:

1- أن العلوم الإنسانية لا تعرف الكلام المطلق مثل النصر الحاسم أو الكاسح، أو الهزيمة الساحقة، وما خلافه من الكلام الذي قد يصلح في الأسلوب الصحافي وليس في الأسلوب البحثي العلمي الأكاديمي، وبما أن لغة العلم هي التي تدوم وتبقي، فإنها تعرف المفاهيم النسبية مثل نجح هذا الطرف في تحقيق أهدافه بنسبة كبيرة، في حين فشل الطرف الآخر في تحقيق هذه الأهداف بنسبة أيضًا، ومن ثم يمكن القول بأن هذا الطرف حقق نجاحًا نسبيًّا مقارنة بالآخر الذي فشل فشلاً نسبيًّا، خاصة إذا كان الصراع مستمرًا ولم ينته؛ بمعنى أنه من الصعب القول إن الجيش الصهيوني انهزم هزيمة كاسحة في حرب غزة، ولن تقوم له قائمة، خاصة أن احتمالات تجدد الاشتباكات واردة، وفي المقابل فإن حماس لم تحرر كل الأراضي الفلسطينية.

 

2- أن القول بأن طرفًا انتصر في معركة يرتبط بمدى تحقيق هذا الطرف أهدافه سواء المعلن منها أو الخفي من هذه المعركة. وهذا هو المفهوم الحقيقي للنصر "النصر حسب الهدف"، وكان واضحًا في غزوة الأحزاب حيث كان هدف كفار مكة ويهود بني النضير هو القضاء على دولة الإسلام، ومن ثم اختاروا الهجوم على المدينة، في حين كان هدف الرسول- صلى الله عليه وسلم- هو رد هؤلاء عن المدينة حتى وإن تطلب الأمر التصالح على مال كما أراد في البداية مع غطفان لإخراجها من تحالف الأحزاب. وبالرغم من أن القتال لم يقع إلا قليلاً، فإن القرآن اعتبر الكفار هزموا في المعركة لعدم تحقيق هدفهم بالرغم من أنهم لم يخسروا كثيرًا في العدة والعتاد  ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ﴾ (الأحزاب: من الآية 25) في حين اعتبر ما حدث نصرًا للمسلمين بالرغم من عدم وقوع القتال لأن هذا كان الهدف ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ (الأحزاب: من الآية 25).

 

3- هناك فارق كبير بين تحقيق النصر العسكري والسياسي، وتعرض هذا الطرف المنتصر لأعمال قتل ودمار وتدمير، فوفق المقاييس العسكرية هناك قاعدة تقول "إذا لم ينتصر الجيش النظامي" مثل الجيش الصهيوني "على القوات غير النظامية" مثل فصائل المقاومة "فهو خاسر"، لأن موازين القوة مختلة بين الجانبين، ومن ثم لا يكون مقبولاً أن يقول الجيش بأنه قتل ودمر، لكنه لم يقض على هذه القوات غير النظامية.

 

ويلاحظ أن القرآن لا ينظر فقط في الحديث عن النصر إلى حجم الخسائر البشرية التي تلحق بالفئة المؤمنة، وإنما ينظر إلى تحقق الهدف، لذا اعتبر أصحاب الأخدود منتصرين بالرغم من أنهم أبيدوا جميعًا، لكن انتصر الحق، ونفس الأمر بالنسبة لسحرة فرعون والأمثلة كثيرة لكنها هامة في بيان أن النصر لا يعني عدم حدوث قتل أو دمار أو تخريب، بل إن هذا هو السبيل والطريق الوحيد أمام حركات المقاومة الوطنية قديمًا وحديثًا، فالجزائر قدمت أكثر من مليون شهيد، فضلاً عن الدمار الذي لحق بالبلاد طيلة الاستعمار الفرنسي الجاثم عليها لمدة 130 عامًا (1830-1960)، بل إن الاستعمار الفرنسي قتل في يوم واحد عام 1840 قرابة 43 ألف جزائري، وبالرغم من ذلك لم يقل أحد إن فرنسا انتصرت، أو أن المقاومة خسرت، بل إن المحصلة النهائية هي انسحاب فرنسا، ونفس الأمر حدث مع الولايات المتحدة في فيتنام بالرغم من أن حجم الخسائر البشرية زاد عن خمسة ملايين فيتنامي، لكن أمريكا قررت الانسحاب واُعتبر ذلك هزيمة عسكرية، ونفس الأمر حدث في الصومال عام 1993، حيث انسحبت أمريكا ولم تعد ثانية لأن 18 جنديًّا تم سحلهم على أيدي المقاومة الصومالية، وعندما أرادت العودة لمواجهة المحاكم الإسلامية عام 2006 اعتمدت على القوات الإثيوبية التي انسحبت هي الأخرى بقرار أحادي مؤخرًا بالرغم من قيامها بقتل وتدمير الأخضر واليابس واُعتبر ذلك هزيمةً عسكرية لإثيوبيا ونصرًا للمقاومة الصومالية. وهكذا

 

4- أن أقوى الشهادات هي التي تكون من طرف محايد، أو من الخصم ذاته، لذا فنحن سنحاول مع تحليلنا الاستعانة بشهادات محايدة "أجنبية" أو من الخصوم "سواء أكانوا من اليهود" أو حتى من أنصار فتح الذين ناصبوا حماس العداء

 

هل انتصرالصهاينة؟

نعود إلى الإجابة على السؤال الجوهري وهو، هل انتصرالصهاينة؟ وكما اتفقنا فإن الإجابة عليه تقتضي أولاً معرفة أهداف الصهاينة..

لم يكن الهدف من الحرب واضحًا من البداية، خاصة أن فريقًا من المحللين ربط بينها وبين الانتخابات الصهيونية، ورغبة حزبي كاديما "ليفني وأولمرت"، والعمل "باراك" في تحقيق نصر عسكري يرفع من أسهمهم في الانتخابات، خاصة أن هذا ديدن معظم الحكومات الإسرائيلية، ومعنى هذا أن الهدف الأساسي يرتبط بالانتخابات الإسرائيلية، إلا أنه تم وضع أهداف أخرى تم الإفصاح عنها بعد ذلك، ونقصد بها هدفين هما "وقف الصواريخ، وهزيمة حماس". مع ملاحظة أنه لم يكن ضمن أهداف إسرائيل المعلنة إلحاق تدمير بالبنية التحتية لقطاع غزة، أو قتل المدنيين، بل إن كبار رجال الكيان الصهيوني بداية من بيريز ومرورًا بأولمرت وليفني أكدوا أن هدفهم ليس قتل المدنيين، وإن كان هذا هدف غير معلن من أجل تمرد أهل غزة على حماس، وبالتالي سهولة إسقاطها والإتيان بأبو مازن ودحلان للسيطرة على القطاع، وهناك هدف آخر فرعي لكنه هام هو معرفة مصير الجندي الأسير جلعاد شاليط، والسعي لتحريره- إن كان على قيد الحياة- لأن ذلك كانت أحد وعود حكومة "كاديما" قبل الانتخابات القادمة.

 

لكن يلاحظ أن أيًّا من الهدفين المعلنين، أو حتى الهدف الخفي لم يتحقق، فصواريخ المقاومة لم تتوقف حتى لحظة إعلان وقف إطلاق النار، بل سبّبت ذعرًا هائلاً للكيان الصهيوني وكبار قادته، يتضح ذلك من ذهاب ليفني إلى أمريكا- وليس إلى مصر- وإبرام مذكرة تفاهم مع رايس في آخر أيامها بشأن التأمين البري والجوي والبحري لإسرائيل ومنع تهريب الأسلحة لحماس، وهو نفس ما فعلته مع دول الاتحاد الأوروبي، وهو ما يعني أن إسرائيل لم تنجح في وقف صواريخ حماس، أو وجود ضمانة لعدم انطلاقها من جديد، بل إن هذه التحركات الدبلوماسية بهذه الطريقة المذعورة تشير إلى حالة الهلع لهذا الطرف القوي! في مواجهة الطرف الضعيف! بل أكثر من ذلك، فإن إسرائيل القوية والمنتصرة- وفق قول البعض- طلبت هدنة طويلة الأمد مع المقاومة تتراوح بين 10- 15 عامًا، لكن المقاومة الضعيفة وفق زعم هؤلاء رفضت هذه المدة، ووافقت في المقابل على هدنة مشروطة لمدة عام واحد فقط مقابل الانسحاب وفتح كل المعابر وليس معبر رفح، ومعروف وفق قواعد العلاقات الدولية والتفاوض الدولي أن الطرف الذي حقق نصرًا عسكريًّا هو الذي يفرض شروطه وليس الطرف المهزوم.

 

وهو ما ينقلنا إلى الهدف الثاني المعلن، وهو القضاء على حماس، فالشاهد للعيان أن حماس لم تضعف، وأن حجم شهدائها لم يتجاوز 48 شهيدًا، وهو نفس عدد القتلى الصهاينة، كما أن أغلبية قادتها بخير باستثناء الشهيدين سعيد صيام ونزار ريان، بل من الملاحظ أن الحركة خرجت أقوى مما كانت بفضل انضمام باقي الفصائل لها. ولم يقتصر الأمر على الفصائل المسلحة، بل التفت قوى الشعب حولها بمن فيهم بعض أنصار فتح الوطنيين "هذا بالطبع بخلاف كتائب شهداء الأقصى القريبة من فتح والتي لم تترك حماس في أي مواجهة عسكرية".. علاوة على ذلك فإن الجيش الصهيوني لم يفلح في الحصول على أي معلومات بخصوص شاليط، وهل هو على قيد الحياة أم لا، بالرغم من أهمية هذا الهدف في بعده السياسي قبل الانتخابات، ومن ثم فإن هناك حالة من الانقسام الآن داخل القيادة السياسية الصهيونية بشأن الاستجابة لشروط حماس لإتمام صفقة الأسرى مقابل شاليط، فحماس تطالب بالإفراج عن ألف من رجال المقاومة بالإضافة إلى النساء والأطفال المعتقلين، وبالتالي يصل العدد إلى 1400 أسير، في حين أن آخر عرض صهيوني هو الإفراج عن 450 فقط نصفهم من حماس.

 

شبهة وقف إطلاق النار استجابة لأوباما

وهنا لا بد من تفنيد شبهة ترددت في الكثير من وسائل الإعلام هي أن وقف إطلاق النار من جانب واحد جاء بناءً على طلب الرئيس أوباما حتى لا يبدأ فترة ولايته بمشكلة غزة، هذه الشبهة مرود عليها كالآتي:

1- أن الخبرة التاريخية تشير إلى أن الكيان الصهيوني لا ينصاع بسهولة لطلبات الرؤساء الأمريكيين، بل إن العكس هو الصحيح.

 

2- أن قيادة الكيان الصهيوني كانت ترغب في الخروج من دوامة حرب غزة مع الاحتفاظ بالرأي العام الداخلي المشجّع لنتائجها، وذلك بعد أن وقفت مرتبكة ومرتابة على أعتاب المرحلة الثالثة من العملية العسكرية المتمثّلة بالغزو البري لمناطق الاكتظاظ السكاني في غزة، وبات أمامها خياران أحلاهما مرّ، الأول دخول المناطق المكتظة في غزة، ومن ثم إمكانية تعرض جنودها للقتل أو القنص أو الأسر، خاصة أن السلاح لن يكون فعالاً في هذه المواجهة التي سيترتب عليها خسائر بشرية هائلة في صفوف الصهاينة، أما الخيار الثاني فهو وقف العمليات العسكرية دون إنجاز حاسم يمكن تقديمه للرأي العام الإسرائيلي، فلا الصواريخ توقفت، ولا السيطرة المباشرة على القطاع وإسكات المقاومة نهائيًّا تحققت على غرار ما حدث في عملية السور الواقي في الضفة الغربية عام 2002، ولا اغتيال أو اعتقال عدد كبير من زعماء الصف الأول من حماس بصورة تحطم معنويات الكادر السياسي والعسكري في حماس تحقق، ولا حتى دفع حماس للقبول بالشروط الصهيونية لوقف إطلاق النار والمقدمة عبر المبادرة المصرية تحقق.

 

لذا كان الحل الوحيد أمامها هو وقف إطلاق النار ومن جانب واحد، على أمل ألا تخرق فصائل المقاومة هذا الوقف مراعاة للوضع الإنساني المأساوي في القطاع، وتقديم الأمر على أنه ضغط غير مباشر من أمريكا لإقناع الرأي العام الإسرائيلي بأن تل أبيب قادرة على الاستمرار في الحرب لو أرادت، وأن تهديدات المقاومة بخرق وقف إطلاق النار إن لم تنسحب إسرائيل نهائيًّا لم ترهب القيادة السياسية في إسرائيل ولم تجعلها تخشى الغرق في دوامة من العنف والعنف المضاد يصعب الخروج منها (1)، وبالطبع اضطرت اللجوء إلى الخيار الثاني.

 

هل انتصرت حماس؟

كان هدف حماس هو خروج المحتل من غزة حيث كان، ثم فتح المعابر، وأعلنت الحركة على لسان قادتها في الداخل والخارج أن العدو إذا كان قادرًا على بدء الحرب، فإنه لن يستطيع أن يضع النهاية لها".

 الصورة غير متاحة

 صواريخ المقاومة عادت لتثير الفزع في نفوس الصهاينة

 بعض هذه الأهداف تحققت، حيث إن الحرب لم تتوقف إلا بعد موافقة حماس والفصائل على وقف إطلاق النار، وليس بسبب الإعلان الصهيوني بوقفها كما يظن البعض، كما إنها وضعت شروطًا لوقف إطلاق النار منها الانسحاب الكامل وفتح جميع المعابر، وهو ما ستضطر إليه إسرائيل مقابل الهدنة.. فضلاً عن كونها هي التي تتحكم في تحديد مدة الهدنة وشروطها، والمقابل المقدم لها، ونفس الأمر بالنسبة لصفقة شاليط.

 

 وكما سبق القول فإننا نقدم بعض الشهادات للتدليل على هذا التحليل الذي مفاده أن حماس وليس الجيش الصهيوني هي التي نجحت إلى حد كبير في الجانب العسكري، وأيضًا في الجانب السياسي وإن كانت هذه النتائج السياسية قد تستغرق بعض الوقت حتى تتكشف جميعًا، هذه الشهادات هي من واقع أطراف محايدة "أجانب"، وصهاينة، وأعضاء في فتح.

 

شهود اليهود على هزيمة الجيش الصهيوني

نبدأ أولاً بشهادة عدد من الصهاينة باعتبار أن هذه الشهادة من أقوى الشهادات..

1- فيما يتعلق بالفشل في تحقيق إسرائيل أهدافها العسكرية نشرت صحيفة "هاآرتس" يوم الثلاثاء 20 يناير "أي بعد وقف إطلاق النار بثلاثة أيام" للمعلق السياسي "ألوف بن" قوله "إن عملية "الرصاص المتدفق" التي بدأت يوم 27/12/2008 فشلت في تحقيق أهم هدفين أعلنهما كلٌّ من رئيس الوزراء إيهود أولمرت ووزير دفاعه إيهود باراك، وهما "وقف إطلاق صواريخ المقاومة، وردع حماس". ودلل ألوف بن على ذلك بأن حماس واصلت إطلاق الصواريخ حتى بعد إعلان أولمرت وقف إطلاق النار. وهو ما أكد عليه أيضًا معلق الشئون الفلسطينية بصحيفة "يديعوت أحرونوت" روني شاكيد في نفس اليوم والذي أشار ليس إلى النصر العسكري لحماس فحسب ولكن للنصر السياسي أيضًا حيث أشار إلى "أن وقف إطلاق النار يكرس بقاء حماس في السلطة في غزة رغمًا عن أنف أولمرت وباراك ووزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس والرئيس المصري حسني مبارك!". منوهًا بأن الحركة عززت شرعيتها في العالم العربي، بل في تركيا أيضًا".

 

2- بالنسبة لعملية القتل والتدمير الصهيوني للمدنيين ومنازلهم، وهل يعد ذلك نصرًا ذكر يوسي ساريد، وزير التعليم الصهيوني الأسبق والرئيس السابق لحزب "ميريتس"، في مقال ساخر نشرته "هاآرتس" في 20 يناير: إن "إسرائيل أرادت أن تنهي الحرب بصورة انتصار فقتلت بنات الطبيب الفلسطيني عبد العزيز أبو عيشة الذي يعمل في مستشفى "إيخولوف" الإسرائيلي، ويقطن في مخيم جباليا بغزة". وشدد ساريد على أن عمليات القتل البشعة في غزة تدلل على أن إسرائيل انهزمت في هذه المعركة ولم تنتصر"(2).

 

3- بالنسبة للهدف الخاص بانقلاب أهل غزة على حماس أكد العقيد الصهيوني المتقاعد شوميل زاكاري الذي كان قائدًا لقوات الاحتلال في قطاع غزة حتى عام 2004 لمراسل جريدة "وول ستريت جورنال" الأمريكية في غزة "إن إسرائيل لم تدرك بعد أن المعركة الحقيقية ضد حماس هي معركة كسب القلوب والعقول أو منع الحركة من كسبها على الأقل، معتبرًا أن هذا المكسب يضاهي في قيمته الانتصارات التكتيكية في ميدان القتال" وبما أن إسرائيل ساهمت من غير ما تقصد في التعاطف مع حماس فهو يقترح طرحًا غريبًا وهو "قيام إسرائيل بإعادة إعمار غزة وعدم ترك الدور لحماس حتى لا تكسب المزيد"، فحسب كلامه لمراسل الجريدة "نحن نواصل خلق المشاكل الكبرى، فالقدرة العسكرية لوحدها لا تكفي، إذ ينبغي علينا أن نكون أول الناس على الأرض للمساعدة في إعمار غزة والعمل على التأكد من منع حماس من القيام بهذا الدور" (3).

 

أما بالنسبة للشهادات المحايدة، وشهادة الفتحاويين بأن حماس لم تنتصر فقط عسكريًّا، وإنما سياسيًّا أيضًا فنكتفي هنا بالإشارة إلى شهادة تشارلز ليفنسون مراسل صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية في غزة، وأحمد السلطان أحد عناصر القوات الأمنية في حركة فتح في القطاع، حيث أشار ليفنسون إلى أن إسرائيل وبحربها المدمرة على قطاع غزة حولت سكان القطاع جميعًا إلى أنصار لحركة حماس، ناقلاً آراء العديد من المواطنين منهم من كان مؤيدًا لحركة فتح الموالية لرئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس ومنهم أحمد السلطان الذي كان يقاوم حماس في السابق لمنعها من السيطرة على غزة، وصدر عليه حكم بالإعدام، لكن الحركة أسقطت عنه الحكم بعد وساطة بعض أقربائه، حيث أشار أحمد بعد عدوان غزة وتعرض بيته للتدمير "لقد شاهدتهم- أي جنود القسام- وهم يقاتلون، ورأيت شجاعتهم وتضحياتهم وهذا ما جعلني أغير موقفي منهم". وأن حماس "التي كانت عدوته فيما مضى" باتت "المدافع الحقيقي عن الشعب الفلسطيني". فيما وصف الأجهزة الأمنية لفتح التي كان واحدًا من أعضائها سابقًا "بالحمير"(4).

 

ويلاحظ وفقًا للشهادات السابقة أن القتل والتدمير للمدنيين ومنازلهم ليس بمعيار نجاح على الإطلاق، وهو نفس ما أشار إليه القرآن الكريم، فضلاً عن قواعد الإستراتيجية العسكرية، وكذلك الخبرات التاريخية القديمة والحديثة لحركات التحرر الوطني.

 

تداعيات الحرب

إذا كانت نتائج الحرب العسكرية قد ظهرت إلى حد كبير، فإن باقي النتائج خاصة السياسية سوف تتكشف خلال الفترة القليلة القادمة، وإن كان بعضها قد بدأ أيضًا يلوح في الأفق.

 

وهناك عدة مستويات لهذه النتائج لعل أبرزها ما يلي

المستوى الأول الخاص بطرفي الصراع ونقصد بهما حماس والكيان الصهيوني

المستوى الثاني الخاص بالمستوى العربي بشقه الرسمي والشعبي

المستوى الثالث الخاص بالمجتمع الدولي، خاصة المشروع الصهيوني الأمريكي.

التأثيرات الداخلية للحرب

أولاً: بالنسبة لحماس

لقد أفرزت الحرب عدة نتائج إيجابية بالنسبة لحماس، يمكن إجمالها فيما يلي:

1- التأكيد على فكرة المقاومة القائمة على الركيزة الإسلامية والوطنية في آن واحد، فنظرًا لأن حماس هي التي قادت المعركة بالأساس وفق مشروعها الشامل بشقيه السياسي والعسكري، والنابع من كونها حركة إسلامية شاملة في التعامل مع إسرائيل، فإن ذلك أحيا فكرة المقاومة الوطنية بصفة عامة والإسلامية بصفة خاصة على اعتبار أنها الركيزة في أي مواجهة مع الصهاينة، ومن ثم فإن النتيجة المقابلة هي فشل فكرة أبو مازن القائمة على ترك المقاومة المسلحة، والاعتماد فقط على أسلوب التفاوض السياسي إلى الأبد.. فهذا الطرح السلبي لم يعد له وجود الآن، خاصة في ظل هذا التأييد الكبير لحماس سواء من قبل الفصائل المسلحة أو حتى من قبل قوى الشعب التي لم تتمرد عليها كما كان مخططًا من قبل الصهاينة، بل على العكس صارت أكثر تأييدًا لها.

 الصورة غير متاحة

 المقاومة الفلسطينية أتمت استعدادها لأي عدوان محتمل

2- الإيجابية الثانية مرتبطة بالنقطة السابقة، وهي زيادة شرعية حماس، وصعوبة تجاهلها، أو تجاهل مطالبها في أي عملية مصالحة وطنية داخلية أو حتى تسوية مع الكيان الصهيوني، كما لم يعد مقبولاً وصف حماس بأنها حركة انقلبت على الشرعية في غزة، فهذه اللغة تغيّرت تمامًا، بل على العكس فإن الجانب الآخر"السلطة الفلسطينية" هو الذي يعاني الآن من فقدان هذه الشرعية خاصة بعد موقف السلطة المخزي في الحرب من ناحية، وبعد انتهاء المدة القانونية لرئاسة أبو مازن في 9 يناير الماضي من ناحية ثانية، ومن ثم يفترض أن تسند الرئاسة وفق الدستور إلى رئيس البرلمان أو نائبه وكلاهما من حماس لحين إجراء الانتخابات.

 

3- أن حماس صارت هي الطرف الأقوى في المعادلة الداخلية بعد الحرب، صحيح أنها مطالبة بتقديم مزيد من المرونة في التعامل مع فتح، لكن يصعب على الأخيرة- أي فتح- استمرار تشبثها ووضع العراقيل أمام المصالحة من قبيل استمرار اعتقال أعضاء حماس، أو التمسك بالحقائب الوزارية السيادية في أي حكومة وحدة وطنية كما كان يحدث من قبل. 

 

 ثانيًا: بالنسبة لفتح فقد كانت الخاسر الأكبر في حرب غزة بسبب عدم مساهمتها في تقديم العون لأبناء القطاع ضد العدو المشترك "إسرائيل"، بل لوحظ أن الشعب في الضفة هو الذي تحرك، في حين لم تحرك السلطة ساكنًا، واكتفت بكيل الاتهامات لحماس بأنها هي السبب في الحرب، كما أن استمرار التنسيق الأمني بين السلطة وإسرائيل في الضفة ضد عناصر المقاومة، وإشادة وزير الخارجية الفلسطيني بهذا التنسيق، ساهم في إضعاف شرعية هذه السلطة، بل ذهب البعض إلى اتهامها بالتواطؤ، وهو ما يطرح عبأً ثقيلاً عليها في أية مصالحة مع حماس، خاصة في ظل انتهاء ولاية أبو مازن، فلا بد أن تكون هي الطرف المبادر بتقديم هذه المرونة، وإلا فإن استمرار هذا التشبث سيساهم في إضعافها بصورة أكبر.

 

أما بالنسبة لإسرائيل، فإن حكومة كاديما بمساندة حزب العمل هي الخاسر الأكبر من هذه الحرب بالرغم من دعاوى الانتصار، وقد بدأت ملامح هذه الهزيمة في الظهور من خلال استطلاعات الرأي التي تشير إلى أن كاديما والعمل سيخسران لحساب حزب الليكود اليميني المتطرف برئاسة نتنياهو، والسبب في ذلك أن كاديما والعمل لم يستطيعا كسر شوكة حماس والمقاومة الإسلامية، ومن ثم فإن الرهان الشعبي في إسرائيل الآن على اليمين المتطرف عله يوفر هذا الأمن المزعوم.

 الصورة غير متاحة

 المقاومة كبدت الاحتلال خسائر فادحة

لكن الأثر الأهم لهذه الحرب، هو فقدان فكرة الردع العسكري الصهيوني، هذا الردع الذي يتكسر يومًا بعد يوم منذ حرب 1973 وزيف أسطورة الجيش الذي لا يقهر، ثم الانسحاب المخزي الأحادي من جنوب لبنان عام 2000 بفضل صمود المقاومة طيلة 18 عامًا، ثم الانسحاب المخزي من غزة عام 2005، وما ترتب عليه من حدوث انشقاق في الليكود وبروز كاديما،، ثم الانسحاب ثانية من لبنان بعد حرب يوليو-تموز 2006 ثم التراجع الأخير في غزة 2008-2009، خاصة أن المعركة الأخيرة اكتسبت ميزة إضافية، وهي كونها الأولى التي تجري على أراضٍ فلسطينيةٍ محتلةٍ من قبل الكيان الصهيوني، سقوط فكرة الردع العسكري هذه ستسبب ذعرًا كبيرًا لإسرائيل ليس فقط في مواجهة قوى المقاومة المختلفة في فلسطين أو حتى في لبنان، وإنما في الداخل أيضًا خاصة مع زيادة الضغوط التي يمارسها أنصار حركة السلام الآن بشأن ضرورة التوصل لتسوية دائمة مع الفلسطينيين، وإقامة دولة لهم تعيش جنبًا إلى جنب مع إسرائيل، كما تزايدت معدلات الهجرة العكسية من أرض الميعاد، وبدأ الحديث الآن عن إمكانية انهيار إسرائيل من الداخل خاصة أنها مجتمع غير متجانس يشهد عنصرية كبيرة في التعامل بين اليهود الأوروبيين والأمريكيين "الإشكيناز" في مواجهة اليهود الشرقيين والأفارقة والآسيويين "السفارديم، فضلاً عن الاضطهاد الذي يعاني منه عرب 1948. ومعنى هذا أن هناك مشكلات كبيرة اجتماعية واقتصادية وسياسية في الداخل الإسرائيلي الآن، زاد من تفاقمها غياب مفهوم الردع العسكري.

 

ثانيًا: تأثير الأزمة على النظام العربي، يمكن القول بأن الأزمة كشفت وساهمت في ذات الوقت في تعميق الانقسام العربي إلى دول ممانعة تقودها سوريا بدعم إيراني في مقابل ما يسمى بدول الاعتدال الذي تقف في طليعته مصر والسعودية والأردن، فضلاً عن دول الخليج والعراق، هذا التقسيم وضعته رايس للدول العربية قبل حرب يوليو- تموز 2006، والقائم على فكرة إعادة تشكيل المنطقة، وإنهاء ما يسمى بالنظام العربي الإقليمي، ووجود صراع عربي إسرائيلي بشأن فلسطين تحديدًا، ووضع نظام يقوم ليس فقط على التعاون والتطبيع مع إسرائيل، ولكن إقامة شراكة معها كما طالب بذلك الرئيس بوش (مايو 2008)، وكانت الآلية لتعميق هذا الانقسام هو تفجير الصراع السني- الشيعي في المنطقة واعتبار أن إيران ومن والاها هم العدو وليس إسرائيل. ولقد نجحت الإدارة الأمريكية إلى حد كبير في عملية التفتيت والتقسيم للنظام العربي، والذي ظهرت معالمه بوضوح في حرب تموز 2006، والانتقادات المصرية والسعودية تحديدًا لحزب الله "الشيعي"، وبرزت بصورة أكبر في عملية المصالحة الفلسطينية، وانقسام الأطراف العربية بشأن تأييد فتح وحماس، وبالتالي فإن النظام الإقليمي العربي في موقف صعب، ولا بد من إعادة الاعتبار له، خاصة من قبل الدول المحورية الثلاث وهي مصر وسوريا والسعودية باعتبارها قاطرة هذا النظام في مواجهة إسرائيل من ناحية، ومن أجل تحقيق المصالحة الوطنية من ناحية ثانية لأن إسرائيل هي العدو وليس إيران كما يزعم الأمريكان والصهاينة.

 

أما النتيجة الثانية الهامة هي فقدان معظم القيادات العربية شرعيتها السياسية المشكوك فيها بالأساس في مواجهة الجماهير الغاضبة من تصرفات معظم قيادتها، وهو ما قد يضع قيودًا على هذه الأنظمة في ضرورة أخذ موقف شعوبها في الاعتبار خشية أن تخرج هذه الشعوب في مظاهرات ومسيرات ليس من أجل فلسطين، ولكن من أجل قضايا وطنية سياسية واقتصادية واجتماعية.. إلى ما غير ذلك.

 

أما النتيجة الثالثة الهامة فهي سقوط نظرية التطبيع مع الكيان الصهيوني، والتي كانت تسعى إليها بعض الأنظمة خاصة تلك التي لم تكن لديها علاقات مباشرة معها، حيث لم يعد الوقت مناسبًا للحديث عن هذا التطبيع على الأقل في المستقبل المنظور.

 

أما على مستوى الشعوب العربية، فقد أثبتت المظاهرات والاحتجاجات التي سادت معظم الدول العربية إلى أن الشعوب تعد لاعبًا فاعلاً في الساحة السياسية، صحيح أن معظم هذه الأنظمة لم تستجب لمطالب الشعوب، لكن وعي هذه الشعوب بالقضية أولاً، ثم التفاعل معها عبر وسائل مختلفة بدءًا من الدعاء والتبرع ودعوى المقاطعة، وصولاً إلى النزول إلى الشارع، وتقديم مطالب محددة للأنظمة العربية يعد عاملاً إيجابيًّا هامًّا يمكن البناء عليه بعد ذلك، خاصة في ظل زيادة التباعد بين هذه الشعوب من ناحية، وقيادتها السياسية من ناحية ثانية.

 

هنا لا بد من الإشادة بدور الإعلام خاصة فضائيتي "الجزيرة" و"الأقصى" في تحريك مشاعر الشعوب في كافة أنحاء العالم، وليدخل الإعلام بقوة لا يستهان بها في العلاقات الدولية الراهنة.

 

أما على مستوى العالم الإسلامي، فقد عادت قضية فلسطين لتحتل موقعها كقضية إسلامية وليست قضية وطنية أو عربية فقط، فهذه المظاهرات التي خرجت في معظم دول العالم الإسلامي كانت دليلاً على زيادة الوعي الإسلامي بالقضية بغض النظر عن موقف الدول والحكومات الإسلامية التي عجزت عن اتخاذ موقف موحد لنصرة القضية من خلال منظمة المؤتمر الإسلامي.

 

ومن ناحية ثانية فقد أثبتت الحرب أن هناك بعض الدول تشكل دعامة هامة في العالم الإسلامي لا ينبغي تجاهلها في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل، ونقصد بذلك إيران تحديدًا، فلا ينبغي السير وفق الدعاوى الصهيوأمريكية بأن إيران هي العدو، بل على العكس فإن إيران هي الدولة الوحيدة التي نجحت في تحقيق توازن الردع العسكري مع إسرائيل، في حين فشلت باقي الدول العربية في ذلك بسبب امتلاك إسرائيل لأكثر من 200 قنبلة نووية،
لذا فلا بد من التعاون العربي والمصري تحديدًا مع إيران وتركيا، لأن هذا هو مثلث النهضة للعالم الإسلامي، وإن كان البعض مثل العلامة أبو الحسن الندوي يضيف لهذا المثلث مسلمو الهند.

 

ثالثًا:على المستوى الدولي، أظهرت الأزمة بوضوح مدى الانحياز الأمريكي والأوروبي في التعامل القضية، حيث بدأت النظم الأوروبية تحديدًا في فقدان جزء من شرعيتها بسبب تأييدها لإسرائيل، وكانت المظاهرات التي عمت معظم إن لم يكن كل الدول الأوروبية خير دليل على ذلك، وهو ما قد يضع مزيدًا من القيود عليها في المستقبل في التعامل مع قضية فلسطين خاصة، وقضايا العالم الإسلامي بصفة عامة، ونفس الأمر بالنسبة لإدارة أوباما التي هي في مأزق الآن خاصة فيما يتعلق بالعلاقة مع حماس.

 

لكن النتيجة الأهم للحرب هو تعرض المشروع الصهيوأمريكي لهزيمة جديدة على صخرة المقاومة في غزة، بعدما تلقى ضربات موجعة في أفغانستان، والعراق، مرورًا بلبنان، وحتى الصومال. وبحيث صار الرهان الأمريكي على النظم الحليفة فاقدة الشرعية أمرًا محفوفًا بالمخاطر، قد يرتب مزيدًا من الصعود لتيارات المقاومة العنيفة، ومعنى ذلك أن هذا المشروع القائم على الهيمنة الصهيونية في المنطقة بات يتعرض لفشل ذريع، وهو ما يدفع القيادة الأمريكية الجديدة لبحث كيفية التعامل مع هذا الوضع الجديد الذي أفرزته حرب غزة الأخيرة.

---------------

* الحواشي:

1- لمزيد من التفاصيل انظر إياد الجعفري، لماذا انسحبت إسرائيل بسرعة من غزة؟، موقع "سوريا نيوز" على النت 

 http://www.syria-news.com/readnews.php?sy_seq=89463

2- حول الشهادات السابقة انظر صالح النعامي وآخرون، انقسام إسرائيلي حول نتائج العدوان على غزة، "الشرقية أون لاين"– 20/1/2009م،

http://sharkiaonline.com/detail.asp?iData=14351&CATEGORIES_ID=10


3- حول هذه الشهادة انظر صحيفة أمريكية: حماس انتصرت سياسيًّا وحظيت بشعبية أقوى، "الجزيرة نت"، 20/1/ 2009 في 

 http://www.aljazeera.net/NR/exeres/9C329E93-4B12-4591-9436-BEBAF439BF55.htm


4- نفس المرجع السابق.