انفضَّ السامر مؤقتًا، لكنه كشف الكثير من المستور، كان البعض منها إيجابيًّا مدعاةً للفخر، ومعبِّرًا عن أماني الأمة وتطلعاتها، والبعض منها كان سلبيًّا كاشفًا كثيرًا من المخازي والنقائص.
توقف إطلاق النار ليبيِّن عن عِظَم القوة التي يبثُّها الإيمان في قلوب الرجال، ويفضح الضعف والخور الذي يصيب المتخاذلين والمنافقين والمتواطئين، وليَمِيز الرجال من أشباه الرجال، ويرفع الأقنعة عن وجوه غاب عنها دم الحياء يوم تناست ربها وتعلَّقت بأهداب البشر؛ تشتري رضاهم بسخط الله عليها.
لقد عشنا سنين نتغنَّى بالجيش الذي لا يُقهر، وبقوته التي لا تدانيها قوة، وتناسينا قول الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ (60)﴾ (الأنفال)، ولم نتعظْ بما فعله الإخوان في حرب فلسطين عام 48، وما فعله مجاهدو لبنان في عام 2006، وكثيرًا ما ذكرنا وقلنا بأن دافع العقيدة، وعمق الإيمان بالحق، وحسن الصلة بالله.. هي أقوى مقومات النصر.
لقد أثبت أبناء فلسطين المجاهدة أنهم قادرون بعون الله وقوته على أن يصمدوا أيامًا ولياليَ على ألم الحصار؛ عندما تعاونت وتعاهدت قوى الشر والطغيان على غلق المعابر، وحجب المَدَد من الغذاء والوقود؛ في الوقت الذي كنا نبيع الغاز للكيان الصهيون بأدنى الأسعار، وما إن فشلت قوى الفساد ودهاقنة الترويع والتجويع في كسر شوكة ذلك الشعب المجاهد؛ حتى حشدت الطاقات العسكرية، بقضها وقضيضها.. بمشروعها وممنوعها.. فداسوا على كل القيم، وهتكوا كل المقدَّسات، فقتلوا وشوَّهوا الأطفال والنساء، ودمَّروا المساجد، وتصدَّى لهم فتية آمنوا بربهم وزادهم هدى، فقاوموا وذادوا عن حوضهم ببسالة الرجال وشهامة الأبطال، وضربوا المثل الأعلى في التضحية والفداء حتى دان لهم النصر.
وأعود إلى الماضي القريب لأرى قادة الكيان الصهيوني يعلنونها في صراحة ووضوح؛ أنهم كانوا ينفِّذون رغبة بعض القادة العرب في القضاء على حماس ودحرها، وتأكد هذا عندما أعلنتها ليفني من مصر بعد لقاء قادتها، وأحسسناه وعرفناه جميعًا وعرفه العالم أجمع؛ عندما تم الإصرار والتحدي بعدم فتح معبر رفح بحجة واهية مغلوطة، وهو كما يعلم القاصي والداني شريان لأهل غزة.
يا للهول!! كانت الحجة معاهداتٍ وهميةً لم نعرف لها أصلاً.. كانت الحجة أن أهل غزة سيهلُّون من غزة إلى سيناء.. ولكن الواقع كذَّبهم عندما سارع العالقون من أهل غزة في مصر إلى العودة إلى ديارهم ومشاركة أهلهم في محنتهم.
عرفنا أن المجرم الخائن دحلان كان يستعد برجاله للعودة إلى غزة على دبابة صهيونية، ولم يكن يدور بخلد أي كائن أن يسمع من هذا العميل نشوتَه وسرورَه مما يفعله الكيان في أهله ووطنه، وللأسف نفتح لهم الأيدي والصدور ويُعامَلون كأبطال مغاوير وهم لا يستحقون نسبًا للرجال.
أرى شعوب العالم وقد هزَّتها الصورة فانتفضت تُعلي وتهتف وتطالب بمحاكمة مجرمي الحرب الصهاينة، وامتدت تلك المظاهرات لقلب الكيان الصهيوني، ومع هذا نرى القمع والإرهاب لأية بادرة للتعبير عن المشاعر في بعض الدول العربية، ومنها على الخصوص مصر.
إنها مفارقات عجيبة وغريبة.. إن دلت على شيء فإنما تدلُّ على فساد النظام وديكتاتوريته العمياء وانبطاحه طلبًا لرضا المؤسسة الصهيوأمريكية.
لقد تراجع دور مصر على المستوى العربي والإقليمي والدولي؛ عندما تجلَّى دورها المشبوه في الأزمة، وسلمت الريادة راضيةً لغيرها، وكأنما كان عليها أن تمحو تاريخ مصر الرائد تاريخيًّا وواقعيًّا.
ونظرة إلى معبر رفح لترى أكوام المواد الإغاثية مكدَّسة وممنوعة من الدخول إلى أهل غزة؛ تنطق بذلك التردي الذي نعيشه ونتعامل من خلاله.
وسارع الاتحاد الأوروبي- عندما أدرك أن الحرب ضد غزة لن تجدي- يطالب بوقف إطلاق النار، ولم يستطِع أن يخفي انحيازه وتورُّطه، وأتساءل: أين العرب؟! أين الجامعة العربية؟! فلا أجد إلا هراءً، ويا لها من مأساة!!.
ويقف رئيس تركيا ليقول كلمة حق يدافع بها عن المجاهدين؛ عندما عقِمَت الدول العربية أن تنجب من يقولها ردًّا على سفاهات الكيان الصهيوني ووقاحة ادعاءاته.
مع كل هذه الظلمة.. بدت ملامح نورانية تبدِّدها، وتشيع بعض الأمل في النفوس؛ فهناك الموقف القطري، وإرهاصات الشارع العربي، وتدفق المساعدات، ومئات الأطباء الذين توافدوا من غير خوف ولا وجل؛ ليشاركوا إخوانهم في غزة.
لم يبقَ لي إلا أن أقولها:
يا من تدَّعون تخوُّفكم من وهْم قيام إمارة عربية في غزة.. أليس الكيان الصهيوني دولةً تُبنَى على تخومكم؟!
يا من تدعون أن السلام هو الحل.. أقولها لكم: كبرت كلمةً تخرج من أفواهكم؛ فالكيان يهزأ بكم وبضعفكم.
يا من تتهمون حماس.. عليكم أن تعلموا أن حماس هي نتاج اختيار الشعب الفلسطيني البائس، واعلموا أن منظمة فتح (التي نشأت على أصل عقيدي) قد انحرف الكثير من أفرادها، باعوا أنفسهم لقاء الدرهم والدينار.
أقولها للأبطال الصامدين: ﴿ولا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا وأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (139) إن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ولِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ويَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ واللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140) ولِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ويَمْحَقَ الكَافِرِينَ (141) أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ ويَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (142)﴾ (آل عمران).
وأقولها للمتخاذلين المتواطئين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُواْ غُزًّى لَّوْ كَانُواْ عِندَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجْعَلَ اللّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللّهُ يُحْيِـي وَيُمِيتُ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (آل عمران: 156).
-------
* عضو مكتب الإرشاد.