روى الإمام مسلم عن جابر رضي الله عنه: أعلن النبي صلى الله عليه وسلم بقصده لهذه الحَجَّة المبرورة، فقدم المدينةَ بشرٌ كثيرٌ؛ كلهم يلتمس أن يأتمَّ برسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي يوم السبت لأربعٍ بقين من ذي القعدة تهيَّأ النبي صلى الله عليه وسلم للرحيل.
وقد ذكر ابن هشام أن النبي صلى الله عليه وسلم اجتمع حوله في عرفة مائة ألف وأربعة وعشرون أو أربعة وأربعون ألفًا من الناس، فقام فيهم خطيبًا وألقى فيهم خطبة جامعة هي خطبة الوداع.
وكأني أعود بخاطري ثلاثةً وعشرين عامًا ورسول الله يصعد فوق جبل الصفا وحيدًا فجعل ينادي: "يا بني فهر.. يا بني عدي" لبطون قريش حتى اجتمعوا، فكان الرجل الذي لا يستطيع الخروج أرسل من ينوب عنه، وجاء أبو لهب لينظر، فقال:"أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي تريد أن تُغِير عليكم؛ أكنتم مُصدِّقيّ؟!"، قالو: نعم.. ما جرَّبنا عليك إلا صدقًا، قال:"فإني نذيرٌ لكم بين يدَي عذابٍ شديدٍ"، فقال أبو لهب: تبًّا لك سائر اليوم.. ألهذا جمعتنا؟!، فنزلت ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ (رواه البخاري).
ها هو رسول الله يخطب فوق الصفا وليس أمامه مسلمٌ واحدٌ يشهد أن لا إله إلا الله، ويردون عليه: تبًا لك، وها هو بعد ثلاثةٍ وعشرين عامًا؛ يخطب فوق عرفة وأمامه مائة وأربعة وأربعون ألفًا من الموحِّدين؛ تشرئب أعناقهم لرؤية رسول لله صلى الله عليه وسلم، وتتوق آذانهم لسماع قول رسول الله وتنفيذ ما يأمر به.
إن هذا يعطينا الأمل في نصر الله عز وجل، ولكن: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنصُرُهُ﴾ (الحج: من الآية 40).. نصَر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ربَّه هو والصحابة بتطبيق شرع الله في أنفسهم وبيوتهم ومعاملاتهم فنصَرهم الله عز وجل بأن فتح على أيديهم قلوب العباد، وحوَّلهم الله عز وجل من رعاةٍ للغنم إلى قادةٍ للأمم.
ها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب فوق عرفة في المسلمين: "إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا"، وهذا يذكِّرنا بقول النبي صلى الله عليه وسلم حينما دخل البيت الحرام ووقعت عيناه على الكعبة، فأشار إليها: "ما أعظمك وأعظم حرمتك!، وإن حرمة دم المسلم أعظم حرمةً عند الله من حرمتك"، أي إن حرمة دماء أهلنا في غزه أشد حرمةً من الكعبة (آهٍ لو أن رسول الله حي ورأى دماء أكثر من ألف وأربعمائة شهيد من النساء والأطفال والشيوخ وخيرة شباب الأمة) فمالنا لا نحرِّم ما حرَّمه الله ورسوله؟!
وعن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مثَلُ المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد؛ إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" (متفق عليه)، وها هم مليون ونصف المليون مسلم في غزة يشتكون ويصرخون.
- يقف شيخٌ جليلٌ من أهل غزة أمام محطةٍ لتوزيع الأغذية على اللاجئين وعيناه تغالبهما الدموع، ووجهه يكشف عن بعض جوعٍ قائلاً ببساطة وعفوية: "نريد فقط أن نأكل؛ فلا طعام في غزة نتيجةَ هذا الحصار الظالم"؛ مما أدَّى بهم إلى طحن علف الحيوانات ليأكله الناس.
- امرأةٌ من غزة تشتكي نقص الكهرباء والوقود والحطب، وكل أملها وقودٌ لتستطيع أن تُعِد الطعام لأطفالها كباقي نساء الأرض، ويرسلون الأولاد لجمع ورق الكرتون؛ لعلهم يستطيعون أن يُعِدوا الطعام أو كأسًا من الشاي، وقد حرمهم الصهاينة من الكهرباء والغاز الذي يحصل عليه الصهاينة من مصر وبأسعار زهيدة، ويُحرَم منه إخواننا في فلسطين.
- امرأةٌ مسلمةٌ أخرى تصرخ أمام عدسات التلفاز مُلخِّصةً الوضع المخجل بكلمات بسيطة معبِّرة: "لا ماء.. لا كهرباء.. لا خبز.. لا شموع.. لا شيء على الإطلاق.. ماذا تريدوننا أن نفعل؟! ولِمَ كل هذا الظلم؟! ماذا فعلنا حتى نستحق كل هذا؟! أصحاب مزارع الدواجن يضعون الكتاكيت الصغيرة في أكياس من بلاستيك ويقومون بإعدامها لأنهم لا يجدون العلف لإطعامها ولا الوقود اللازم لتدفئتها"، وتخيَّلنا أن العالم الغربي الذي يتحرَّك لنصرة كلب أعرج أو قطة مريضة أو بطة ملوثة بالنفط على شواطئ الكويت سوف يتحرَّك لنجدة هؤلاء، ولكن ما من مغيث.
- حين تصرخ فتاة فلسطينية وتقول: "لا بأس أن تشاهدوا جنائزنا، ولكن استروا عوراتنا واخلفونا في أهلينا خيرًا".
- مليون ونصف المليون إنسان يواجهون الموت جوعًا بفعل هذا الحصار الظالم ولا لأحد يتحرَّك.
- جون جينغ ممثل وكالة غوث للاجئين في غزة يصرخ مناشدًا الضمائر الميتة عبر قناة (الجزيرة) ويقول: "إن هناك 750 ألف طفل فلسطيني على حافة الموت لا يجدون الطعام ولا الدواء ولا حتى الحليب، والصهاينة يمنعون حليب الأطفال من الدخول من أحد المعابر، بل يسكبونه على الأرض"، ويختم قوله: "إن ما يحصل في غزة عارٌ على البشرية".
- كارين أبو زيد المسئولة عن منظمة الأونروا تؤكد أن أمراض فقر الدم وسوء التغذية مُتَفَشِّية في أطفال غزة، وأن بعضهم أصبح يعاني من تشوِّهات خَلْقية نتيجة ذلك.
- انقطاع الكهرباء، وما أدراك ما انقطاع الكهرباء؟!، وما يستتبعه من توقف كل مظاهر الحياة؛ توقف محطات تنقية المياه ورفعها.. توقف محطات الصرف وما يستتبعه من تلوث وتَفَشٍّ للأمراض.. توقف عمليات الغسيل الكلوي.. توقف الأجهزة في العناية المركزة وموت المرضى.. توقف حضانات الأطفال عن العمل وموت الأطفال.. توقف المخابز.. شلل كامل لكل مظاهر الحياة.
- حين يتدنَّى سقف مطالب المُحاصَرين ليصل إلى مطالبتهم بأكفان الموتى أو توفير الأسمنت للمقابر ليدفنوا فيها شهداء الحصار والقصف الصهيوني لبيوتهم.. كل هذا والمساعدات من كل الأنواع (غذائية وطبية) مكدسة في مخازن برفح المصرية ولا يُسمَح لها بالعبور، ونعلن بكل فخر وبجاحة أننا اكتشفنا أنفاقًا وقمنا بتفجيرها كي نزيد الخناق عليهم لعلهم يتنازلون أو تنكسر إرادتهم أو ينفضون من حول حماس، وهذا منطق المنافقين في كل زمان ومكان ﴿هُمْ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ ولكن الله يرد عليهم: ﴿وَللهِ خَزَائِنُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ﴾ (المنافقون: من الآية 7)؛ فكلما زاد الحصار ازداد أهل غزة التفافًا حول المقاومة.
- وها هو أحد كبراء مهندسي الحصار (توني بلير) يعلن أخيرًا أن ما فعلوه من ممارسات ظالمة ضد حماس والمقاومة غير مُجْدٍ، ولا بد من إشراك حماس في أي مفاوضات حول القضية الفلسطينية.
إن هذا الحصار الظالم لمليون ونصف المليون فلسطيني يذكِّرنا بالحصار الظالم لرسول الله وصحابته وأهله في شِعب أبي طالب.
إن المسافة الزمنية بين حصار الملأ المستكبرين من قريش للمؤمنين بمكة وحصار الصهاينة المعتدين لأهل غزة مسافةٌ بعيدةٌ، والبُعد الجغرافي بين شِعب أبي طالب وأرض غزة كبير، ولكن ورغم هذا وذاك فثمة فروق واتفاقات بين الحصارين:
* حصار الشِّعب تضيق مساحته الجغرافية حتى لا يتجاوز مئات الأمتار، وحصار غزة يشمل قطاعًا عبارةً عن عشرات الكيلو مترات، وفي هذا توسيعٌ لنطاق الحصار المعاصر عن الحصار الأول.
* الحصار في شِعب أبي طالب لم يتجاوز المئات، أما في غزة فيتجاوز مليون ونصف المليون من البشر.
* ورغم صنوف الحصار الاقتصادي والاجتماعي والنفسي في حصار قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم، (لم يُقذَف النبي صلى الله عليه وسلم والمحاصرون معه في الشِّعب بالنبال ولا بالرماح؛ لا لشيء إلا أن أخلاق الجاهلية تأبى عليهم ذلك)، إلا أن حصار الصهاينة يتجاوز هذه الأطر ليضيف حصارًا عسكريًّا يمطر الأرض بوابل من القاذفات، ويُسقط القنابل والمتفجرات (في الاعتداء الأخير على غزة مليون طن من المتفجرات أسقطت عليها) على رءوس الشيوخ والنساء والأطفال الذين لا حول لهم ولا قوة، وما نقموا منهم إلا أنهم يقولوا ربنا الله.
* حصار الشِّعب- ورغم أحكامه الجائرة وتعليق وثيقته المقدسة في نظر الأربعين مجرمًا الذين كتبوها واتفقوا على متابعة تنفيذها وعلَّقوها في جوف الكعبة- اخترقته الشهامة العربية على يد هشام بن عمرو ومطعم بن عدي وزمعة بن الأسود، فنقضوا هذه الصحيفة الآثمة بحمية الجاهلية، فهل من شهامة معاصرة؟! وأين ومتى تكون الحمية الإسلامية؟! (إن الحصار الآن الذي يتولَّى كبره الأنظمة العربية، وأخيرًا يخطِّطون لأن يكون حصارًا دوليًّا بدلاً من هذا الحصار الإقليمي الجائر) وهل نفرٌ من قريش أقدر على المبادرة من أمةٍ تجاوزت مليار ونصف المليار مسلم؟!
* الفئة المحاصَرة الأولى في شِعب أبي طالب تمثِّل رمزًا، بل نموذجًا وحيدًا للإسلام بوعيها وثباتها على الحق ورفضها الانصياع لأوامر المشركين والتخلي عن الحق، بل إن المشركين ومن معهم على الكفر من أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم حوصروا معه لحمايتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكلوا ورق الشجر، ورأوا أطفالهم يصرخون أمام أعينهم من الجوع والعطش، ومع ذلك رفضوا تسليم رسول الله صلى الله عليه وسلم لكفار مكة أو التخليَ عن حمايته من أجل فك الحصار.
والمحاصَرون اليوم في غزة يمثِّلون الرمزية للثبات على المبدأ والوعي بمخططات العدو وتفويت الفرص على مشاريع الاستسلام والتصدي لمشاريع التهويد في القدس، بل يقومون نيابةً عن الأمة بمقاومة المحتل وتعويق مشاريعه الصهيونية بالمنطقة.
- إلى الأمة برجالها ونسائها وشيوخها وشبابها وقادتها وشعوبها وعلمائها وعوامها نداءً يقول: تصوَّروا أنكم في موقع الحصار وإخوانكم من حولكم يتفرجون، فلا تدرون أتغالبون الموت بالقذف بالطائرات والدبابات والبارجات من البحر والجو والأرض، أم تغالبون تهميش وتغافل الآخرين؟
مدوا يد العون.. أغيثوا.. انصروا، يا أصحاب الأموال.. أنفقوا ينفق الله عليكم ويوسِّع عليكم، وأعطوا من مال الله الذي آتاكم، وقدوتكم من الصحابة منهم من أنفق نصف ماله، ومنهم من جاد بماله كله، ومنهم من ظل ينفق وينفق حتى قيل لهم ما ضرَّهم ما فعلوا بعد اليوم.
وقد أفتى علماء المسلمين- وعلى رأسهم العلاَّمة الشيخ القرضاوي- أنه يجوز دفع زكاة الأموال للشعب الفلسطيني المحاصَر؛ لأنه يجتمع فيهم عدة مصارف من المصارف الثمانية الشرعية للزكاة ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ﴾ (التوبة: من الآية 60)، بل يجوز تقديم دفع الزكاة عن موعدها، كما أنهم يستحقون الصدقات والهبات والوقف والنذور والعقائق والأضاحيَ انطلاقًا من قول النبي صلى الله عليه وسلم: "المسلم أخو المسلم؛ لا يظلمه ولا يحقره ولا يسلمه".
وكذلك أفتى الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية بأن تقديم الأضحية إلى أهل غزة المحاصَرين أَوْلى من أي مكان آخر من خلال لجان الإغاثة، مثل لجنة الإغاثة بنقابة الأطباء.
- أيها العلماء الأجلاء.. أين هبَّة العز بن عبد السلام؟! وأين هبَّة شيخ الإسلام ابن تيمية؟! وأين من يتشبَّه بالإمام أحمد بن حنبل حينما وقف في وجه الحاكم الظالم الذي أراد أن يفتن الناس في عقيدتهم؟!
- يا كلَّ من يعتلي منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم.. والله إن لم نهبَّ لنصرة المحاصَرين الجائعين الخائفين المكلومين الذين يبيتون في العراء بلا مأوى والمرضى والجرحى من إخواننا في غزة؛ فلن نكون صادقين في دعوتنا، ولن نكون أمناء على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي نقف عليه؛ فأولى أولويات الإسلام حفظ الدين والنفس والمال والعقل والنسل، فأين حفظ دين الناس وأهل غزة يُمنَعون من حج بيت الله الحرام ونتركهم عرضةً للفتنة في الدين من الكافرين؛ يساومونهم على دينهم وعزتهم وكرامتهم وحقوقهم بأموالٍ يقدمونها لهم من أجل إعادة الإعمار؟! فهل نُغنيهم نحن المسلمين بأموالنا التي أفاء الله علينا بها عن هذه الأموال المشبوهة؟! وأين حفظ النفس والناس يُجوَّعون ويُمنَعون الماء والغذاء والدواء ويُقتَلون وتُقطع أياديهم وأرجلهم أطفالاً ونساءً أمام أعيننا؟!
- اللهم فرِّج الكربة عن إخواننا المحاصَرين في غزة، وانصرهم على أعدائهم ومن عاونهم.. اللهم فكَّ أسرهم وحصارهم، واجبر كسرهم، وسدِّد رميهم، وتولَّ أمرهم، وانصرهم على من اعتدى عليهم وظلمهم.
اللهم يا الله يا الله، يا ذا الجلال والإكرام، يا حيُّ يا قيومُ.. ارفع البلاء والكرب عن أهل غزة وأكرمهم ولا تُهِنْهم، واشْفِ مرضاهم، وأطعم جائعهم، واسْقِ عطشانهم، واستر عوراتهم، وأمِّن خائفهم، وداوِ جرحاهم، وتقبِّل شهداءهم، واحْمِهم من هجمات الصهاينة المجرمين.
اللهم سخِّر لهم من جنودك من يدافع عنهم ويحميهم.. اللهم اغفر لنا تقصيرنا في حقهم.. اللهم أقرَّ أعيننا بنصرهم.. اللهم أكرمنا بالصلاة في المسجد الأقصى.
يا ودودُ يا ودودُ، يا ذا العرش المجيد، يا مبدئُ يا معيدُ، يا فعالٌ لما يريد.. نسألك بنور وجهك الذي ملأ أركان عرشك، ونسألك برحمتك التي وسعت كل شيء، لا إله إلا أنت، يا مغيثُ أغثْ إخواننا المحاصَرين المكلومين المكروبين في غزة.
اللهم ثبِّت أقدام المجاهدين، وسدِّد رميهم، وأنزل سكينتك عليهم، وقوِّ شوكتهم.. اللهم ثبِّتهم وأعنَّا على نصرتهم بأموالنا وأقلامنا ودعائنا وأنفسنا.. اللهم مُنزِلَ الكتاب، مُجرِيَ السحاب، هَازِمَ الأحزاب.. اهزم الأحزاب الذين اتفقوا على حصار وقتل إخواننا في غزة، وشتِّت شملهم.. آمين.. آمين.