ضمائر نائمة وقلوب متحجرة وأسود ثائرة

بعد أكثر من 3 أسابيع على العدوان على غزة، ومع كل الدماء التي سالت، والأطفال الذين ذبحوا أو أحرقوا في هجمةٍ لم يشهد التاريخ لها مثيلاً؛ لا بد من وقفةِ تأملٍ لهذه الإحداث ومحاولة مناقشتها من زوايا وأبعادٍ متعددةٍ ونَواحٍ مختلفة، وسأحاول تقسيمها إلى عدة نقاط ومواضيع:

غزة بين مصاصي الدماء وأكلة لحوم البشر

إن هذه الهمجية والوحشية التي شاهدناها في سلوكيات هذا الكيان الصهيوني قيادةً وجيشًا، وتلذُّذَه بدماء أطفال غزة والتمتع بمشاهدة أشلائهم تتطاير في كل مكان، وتدميرَه البيوتَ على رءوس ساكنيها لتتهشَّم تحت ركام الحديد والحجر، واستخدامَه كلَّ آلة القتل والإبادة والقنابل المُحرَّمة دوليًّا، واستباحتَه كلَّ شيءٍ.. كل هذا قد أوصل هذه الفئة الإرهابية من البشر إلى درجة الحضيض على المستوى الأخلاقي والإنساني لهذه المجموعات المتوحشة؛ فكل شيء مباح لآلة القتل الصهيونية؛ من دٌور العبادة إلى المستشفيات إلى المؤسسات الإعلامية إلى مؤسسات الأمم المتحدة إلى رجال الإسعاف؛ حتى لا يبقى لأهل غزة ملجأ أو ملاذ؛ فالهروب من المحرقة التي حضَّر لها ممنوع؛ لأنهم لا يريدون لهذا الطفل الفلسطيني أن يعيش ويترعرع على أرض آبائه وأجداده، بل عليه أن يموت حرقًا بقنابلهم الفسفورية، أو إعدامًا بمسدسات وبندقيات جنودهم عن قرب متر أو أقل، وهذه حقائق أكدتها وسائل الإعلام.

 

وكأن هؤلاء البرابرة في رحلة صيد؛ يصطادون الأطفال بإطلاق النار على رءوسهم البريئة، ليتخطَّوا بجرائمهم كل محرقة حصلت في التاريخ، بغض النظر عن أعداد القتلى؛ فالقتل هو القتل، سواء قلَّت الضحايا أو كثرت، والوحش هو الوحش، سواء افترس ضحية أو ألف ضحية؛ فالأفراد يقاسون بقيمتهم الإنسانية لا بلغة الأرقام والحسابات.

 

وقيمة الإنسان الواحد وكرامته- وخصوصًا إذا كان طفلاً- لا تقل أهميةً عن كرامة البشرية جمعاء، فكيف إذا ما كان هذا الإنسان هو ذلك الفلسطيني الرابط على أرضه، المتمسِّك بحقوقه العادلة، الشامخ الرأس، الذي فشلت كل وسائل القمع والقتل والإبادة في إخضاعه أو إجباره على التخلي عن عنفوانه.. إنه ليستحق من مجتمعنا الإنساني كل تقدير واحترام ومساندة أمام مصاصي الدماء؛ دماء أهل غزة وأطفالها، والتي يمتصونها بأفواه طائراتهم وجنازير دباباتهم ليستمتعوا ويُشبعوا ظمأ حقدهم وقلوبهم المتحجرة.

 

كنا نسمع في الحكايات عن أكلة لحوم البشر، وها نحن نشاهدهم بأم أعيننا على أرض الواقع في غزة، وليس المهم أن يكون الأكل والنهش عن طريق الفم، المهم أن لحم أطفال غزة كان يُنهَش فعلاً بصواريخهم وقذائفهم، ويتطاير على الجدران وفي كل مكان.

 

لقد ظلمَنا كلُّ مفسدٍ أو جبارٍ في التاريخ الإنساني عندما شبَّهناهم به وقارنا أفعالهم بأفعاله؛ لأن هؤلاء القادة العنصريون تفوَّقوا على كل مفسد ظالم.

 

الصهاينة والحرب على غزة.. بدأت بالفسفور الأبيض وانتهت بالرايات البيضاء

حتى نعرف المنتصر والمنهزم في أية معركة لا بد من معرفة الأهداف التي حُدِّدت لهذه المعركة والنتائج التي خرجت بها، بغض النظر عن الخسائر المادية أو البشرية، وهي بلا شك خسائر كبيرة جدًا تكبَّدها الفلسطينيون في غزة.

 

وقبل ذلك لا بد من تسليط الضوء على الظروف التي أدت إلى هذا العدوان وعرضها بإيجاز؛ حتى لا تُشوَّه الصورة وتُتَّهم حماس زورًا بالتسبُّب فيه:

أولاً: انتهاء مدة التهدئة، والتي استمرِّت ستة أشهر، وعدم تمديدها لأن الكيان الصهيوني لم يلتزم بشروطه، وأهمها رفع الحصار وفتح المعابر، إضافةً إلى الخروقات الصهيونية المستمرة في فترة التهدئة رغم التزام حماس والفصائل بها.

 

ثانيًا: تمسُّك حماس بخيار المقاومة كان يشكِّل عائقًا أمام مسار المفاوضات العبثية، وهذا ما جعل مصر طرفًا في الحصار على غزة عبر غلق معبر رفح.

 

ثالثًا: قرب انتهاء ولاية محمود عباس ورفض حماس التمديد؛ مما أغضب القيادة المصرية التي مارست الضغوط على حماس من أجل إرغامها على التمديد لعباس، لكنها لم تنجح، فتوتَّرت العلاقة بين الطرفين إلى أقصى الحدود.

 

رابعًا: دخول القادة الصهاينة في مرحلة الإعداد للانتخابات المبكِّرة، والتسابق لأجل كسب أصوات الناخب من خلال شن حرب قُبيل الانتخابات.

 

خامسًا: حصارٌ دام أكثر من سنة على قطاع غزة؛ مارس خلاله الكيان الصهيوني كل أنواع الضغط؛ من قطع الإمدادات والكهرباء وغيرها، والتي لم تفلح في إقصاء حماس.
كل هذه الظروف والعوامل أدت إلى شنِّ هذا العدوان على قطاع غزة بتنسيق مسبق مع أطراف محلية وإقليمية ودولية.

 

أهداف الحرب والنتائج

لقد أعلنت ليفني في بداية الحرب أن الهدف هو تغيير الوضع في غزة وإنهاء حكم حماس، وبعد ذلك خفَّض الكيان الصهيوني من سقف أهدافه إلى مجرد إضعاف حكم حماس ووقف الصواريخ نهائيًّا ووقف تهريب الأسلحة كليًّا.

 

وقد أوجز تقرير إستراتيجي لـ(المركز الفلسطيني للإعلام) الأهداف الصهيونية من الحرب على غزة، حسب الأولوية والترتيب التالي:

- القضاء على حركة حماس كجزءٍ أساسٍ من حالة المقاومة ومشروعها من جهة، وكجزءٍ من محور الممانعة من جهةٍ أخرى؛ لإعادة بناء الإقليم بدون حماس؛ تمهيدًا لتصفية نهائية أو شبه نهائية للقضية الفلسطينية، خاصةً في إطار ما يروَّج له الآن من قضية عودة الأوضاع إلى ما قبل الـ67 ضمن سياقات متباينة.

 

- القضاء على حركة حماس؛ لكونها المُعرقِل الأساسي لتحقيق اتفاق سلام بالرؤية الصهيونية التي توافق عليها السلطة؛ وذلك حفاظًا على مشروع التسوية.

 

- كما أن تقرير فينوجراد الصادر بعد الحرب الصهيونية على لبنان عام 2006م كان أحد أهم الدوافع لشن الحرب على القطاع؛ بغية استعادة الجيش الصهيوني هيبةَ الردع المفقودة بعد الفشل الذريع الذي لحق به على إثر حربه مع حزب الله، فتوجَّه إلى غزّة ظنًّا منه أنها الحلقة الأضعف.

 

ثمّ يتحدث التقرير عن أن الاحتلال يسعى إلى تحقيق جملة من الأهداف على أرض الواقع على النحو التالي:

- إنهاء خطر الصواريخ الواقع حاليًّا أو المحتمل مستقبلاً انطلاقًا من غزة.

- إرغام حماس والمقاومة على قبول تهدئة بشروط الاحتلال.

- استقدام قوات دولية لحماية أمن الكيان الصهيوني، والحيلولة دون إمداد المقاومة بالسلاح، لفتح الطريق لأجهزة أمن عباس للسيطرة على غزة.

 

والآن، وبعد نهاية العدوان يمكننا القول إن الكيان الصهيوني قد فشل في تحقيق أيٍّ من هذه الأهداف، بل لقد خرجت حماس من الحرب أكثر قوةً بعد صمودها ومقاومتها الشرسة؛ فلم تخسر قدراتها على إطلاق الصواريخ، ولم تقبل أي شرط من شروط الاحتلال، وخصوصًا رفضها القاطع دخول قوات دولية غزة، كما فشل الكيان الصهيوني في إعادة سلطة عباس إلى غزة، كما أن هيبة الردع المفقودة في حرب 2006م قد فقدت ما تبقَّى منها في حرب غزة بعد فشل الجيش الصهيوني في اقتحام مناطق غزة، رغم كل هذا الاستعمال المفرط في القوة.

 

وعلى الصعيد السياسي ازداد التأييد الشعبي لحماس في القطاع والضفة، وتجلَّى ذلك في التحام أهل غزة مع المقاومة وخروج أهل الضفة في مسيرات غضب واحتجاج، رغم كل محاولات السلطة والاحتلال لمنعهم واعتقال العشرات منهم؛ مما زاد من عزلة سلطة رام الله شعبيًّا.

 

أما على المستوى العربي فقد ازداد تأييد حماس شعبيًّا، إضافةً إلى التعاطف الرسمي من كثيرٍ من الأنظمة، وقد تجلَّى ذلك في قمة الدوحة، والأهم في هذا المجال كان الموقف التركي الداعم والمنتقد لتصرفات الكيان الصهيوني وبالتالي فقد فقَد أهم أصدقائه الإقليمين، إضافةً إلى صورته الحقيقية التي انكشفت للرأي العام العالمي، واتهامه من قِبل العديد من المنظَّمات الحقوقية الدولية بارتكابه جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وقتله المدنيين العُزَّل باستعمال أسلحة مُحرَّمة دوليًّا.

 

وهكذا بقيت حماس هي المسيطرة على غزة بعد الفشل الذريع في إعادة محمود عباس إليها، وستفشل أية محاولة لإعادته من خلال عملية إعادة إعمار غزة، وهذا ما أكده ممثل حركة حماس في لبنان حين اعتبر أن من (فشل في العودة إلى غزة عبر الدبابة الصهيونية لن يعود على خلاطة أسمنت أو طنٍّ من حديد الإعمار).

 

ليس الكيان وحده.. الجزار واحد والسكاكين كثيرة

هناك الكثير من الجهات التي ساهمت- بشكلٍ أو بآخر- في هذه المجازر التي حصلت في غزة، سواء بتآمرها أو بتخاذلها أو بصمتها وعدم مبالاتها لما حدث، وسأستعرض أهم المواقف التي رافقت هذا العدوان بإيجاز:

* موقف سلطة رام الله:

لم يكن للسلطة أي دور فاعل في صد العدوان، بل اتُّهمت بالتواطؤ مع الصهاينة من خلال حراكها السياسي وإعلامها المنحاز ضد المقاومة ودعمها بقوة إدخال قوات دولية في القطاع ورفض حضور قمة الدوحة المخصَّصة لغزة، ومسارعتها إلى حضور قمة شرم الشيخ التي كان محورها أمن الكيان الصهيوني ومنع أهل غزة من تسليح أنفسهم، بالإضافة إلى تأييد السلطة المبادرة المصرية، ومحاولة منع سكان الضفة من مناصرة إخوانهم في غزة عن طريق منع المظاهرات واستعمال كل وسائل القمع في سبيل منعهم من التعبير عن غضبهم/ وبالتالي قطع الطريق على أية انتفاضة جديدة قد تؤثِّر إيجابًا في مسار الأحداث، وقد رفض محمود عباس التقدم بأية دعوى قضائية ضد القادة الصهاينة في المحاكم الدولية، وأخيرًا محاولته العودة إلى غزة من خلال معبر رفح أو من خلال استغلال مسألة إعادة إعمار القطاع.

 

* الموقف الرسمي العربي:

لقد انقسم العرب بين محورين؛ هما: محور المتواطئين، ومحور العاجزين، وهناك دولٌ اتُّهمت بالتواطؤ مع الاحتلال من خلال الضغط على حماس بوسائل متعددة، وأهمها إغلاق معبر رفح لدفع حماس إلى الاستسلام والقبول بالشروط، ومحاولة إفشال أية محاولة لعقد قمة عربية رغم كل المجازر التي كانت تُرتكَب، وبالتالي كان السعي الحثيث إلى إفشال قمة الدوحة من خلال الضغوط التي مورست على بعض الدول لمنعها من حضور القمة ومحاولة إفراغها من مضمونها.

 

وقد حاولت هذه الدول التسويق لتسويات منحازة عبر تقديم المبادرة المصرية ومحاولة تمريرها تحت ضغط المدافع والطائرات، إضافةً إلى قمع محاولات الشارع للتعبير عن غضبه من خلال الاعتقالات والاعتداءات على المتظاهرين ومنعهم من الاحتجاج، إضافةً إلى محاولات بعض الفضائيات ووسائل الإعلام المموَّلة من هذه الدول الترويجَ لهزيمة حماس منذ اليوم الأول للحرب.

 

أما المحور الثاني فهو محور العاجزين، بعد فشلهم في إيجاد موقف عربي قوي وموحَّد يكون على مستوى الحدث، وفشلهم في عقد قمة طارئة في بداية العدوان؛ حيث جاءت قمة الدوحة متأخرةً، ورغم هذا العجز الواضح إلا أن هناك أمورًا إيجابيةً قد تحقَّقت في قمة الدوحة، وأهمها مشاركة الفصائل الفلسطينية المقاومة، وعلى رأسها حماس التي حاول البعض عزلها وإضعافها وتقوية سلطة عباس على حسابها.

 

وقد سببَّت قمة الدوحة إحراجًا للدول التي لم تحضرها، وخصوصا بدعوتها إلى تجميد المبادرة العربية للسلام ووقف التطبيع، ثم إن دعوة أمير قطر إلى إنشاء صندوق من أجل إعمار غزة فيها أكثر من إشارة، ومن بينها محاولة قطع الطريق على أطراف أخرى قد تحاول استغلال قضية الإعمار من أجل ابتزاز حماس.

 

* الموقف الشعبي العربي:

على الرغم من هذه الموجة العارمة من الغضب، والتي اجتاحت العالم العربي من مظاهرات مؤيدة لغزة ومنددة بالاحتلال وبمواقف الأنظمة العربية، وما تخلَّلها من حراك جماهيري لم يسبق له مثيل من قبل؛ إلا أن هذه الهبَّة لم تكن على مستوى الحدث ولا على المستوى التحديات في هذه المرحلة المفصلية في تاريخ الأمة؛ فالأمة العربية مُكوَّنة من أكثر من 300 مليون نسمة، ومن ورائها أكثر من مليار مسلم، ولنتصوَّر أنه لو نزل إلى الشارع ثلث هذا العدد- أي مائة مليون- لتغيَّرت المعادلة رأسًا على عقب، ولأجبرت الأنظمة على تغيير سياستها، وهو ليس بالأمر الصعب رغم كل العقبات التي قد تواجه المتظاهرون.

 

فلنتذكَّر كيف نزل اللبنانيون إلى الشارع في 14 آذار 2005م في مظاهرةٍ ضمَّت- حسب التقديرات- مليون ونصف المليون متظاهر في بلدٍ لا يتعدَّى سكانه أربعة ملايين، ومن قبلها خرج الفريق الآخر من اللبنانيين في 8 آذار 2005م في مظاهرةٍ مليونيةٍ أيضًا، وإذا ما جُمعت مظاهرتا 8 و14 آذار فهذا يعني أن حوالي 3 ملايين من المتظاهرين نزلوا إلى الشارع، أي حوالي 75% من اللبنانيين استطاعوا أن يتجمهروا في ساحتين من ساحات بيروت، فماذا لو أن هؤلاء الملايين الثلاثة نزلوا إلى شوارع بيروت ليقفوا جنبًا إلى جنب نصرةً لأطفال غزة!؟

 

ثم دعونا نقارن هذا المشهد مع دول عربية ذات كثافة سكانية عالية مثل مصر أو الجزائر أو العراق أو غيرها، لنقول ماذا لو نزل 30% من سكان هذه الدول فقط، ولا نريد 75% كما في لبنان؟! لامتلأت الساحات بالملايين التي ستفرض توجهاتها على قادتها، وليس هناك قضية أهم من قضية غزة ومجازرها لكي تحرِّك الشارع العربي لتهب جماهيره غضبًا ونصرةً.

 

* الموقف الدولي:

1- مساندة كاملة من واشنطن للعدوان مع دعم سياسي ودبلوماسي وعسكري، وقد تُوِّج بالاتفاق الأمني مع الكيان الصهيوني.

2- تأييد أوروبي ضمني وانحياز واضح أظهرته المواقف والتصريحات، إضافةً إلى عدم مبالاة طيلة ثلاثة أسابيع من الإبادة لسكان غزة، رغم كل الجرائم التي ارتُكبَت بحق المواطنين العُزَّل بأسلحة صهيونية فتَّاكة ومُحرَّمة دوليًّا، إلا أن ضمير القادة الأوربيين لم يهتز لاستعمال هذه الأسلحة التي كانت نصف ضحاياها من الأطفال، بل رأيناهم يتهافتون إلى شرم الشيخ ليبحثوا في قضية السلاح، ولكن ليس سلاح الفسفور الأبيض، ولا اليورانيوم المنضب، ولا السلاح الذي ذبح الفلسطينيين العُزَّل، بل جاءوا في محاولةٍ لتجريد هؤلاء من أي سلاح قد يدافعون فيه عن أنفسهم ليتسنَّى للصهاينة قتلهم بدم بارد.

3- موقف الأمم المتحدة هو الأضعف رغم استهداف الكيان الصهيوني مقرَّاتها بشكلٍ متعمدٍ وقتل المدنيين داخلها في تَحَدٍّ واضحٍ، ورغم خرقه كل المعاهدات الدولية وعدم مبالاته بالقانون الدولي، إلا أن الأمم المتحدة لم تستطع القيام بآي دور للجم هذا العدوان، ولم تَرْقَ تصريحات أمينها العام إلى مستوى الكارثة.

4- أما الموقف الروسي والصيني فيمكن وصفهما باللا مباليَن، وكأن ما يحدث هو على كوكب آخر.

 

بين معركة غزة وحرب تموز 2006م.. معركة أصعب وانتصار أعظم

لقد كثر الحديث عن التشابه بين الحرب على غزة وحرب تموز 2006م والتي خاضها الكيان الصهيوني ضد لبنان.

 

صحيحٌ أن هناك العديد من أوجه الشبه من ناحية الأهداف والنتائج، إلا أن هناك الكثير من الاختلاف من ناحية الظروف والأوضاع السياسية والعسكرية والجغرافية؛ كل هذا الاختلاف جعل من معركة غزة أكثر صعوبة بالنسبة للمقاومة من معركة 2006م، وأهم أوجه الاختلاف في ظروف الحربين الأمور التالية:

1- حرب غزة دارت في منطقة ضيقة هي عبارة عن شريط بحري ذي مساحة جغرافية صغيرة، بينما كان حزب الله في حرب تموز ينتشر في مساحة جغرافية كبيرة من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال الشرقي.

2- تعتبر غزة من أكثر مناطق العالم كثافةً بعكس المناطق اللبنانية الجنوبية والبقاعية والموزعة على قرى متناثرة، بالإضافة إلى بعض المدن.

3- غزة منطقة سهلية، بينما لبنان يتمتع بتنوع تضاريسه من أوديةٍ وتلالٍ وجبالٍ؛ مما أعطى حزب الله هامشًا أكبر للتحرك والانتشار على مساحة أكبر وأفضل من الناحية الميدانية.

4- تعتبر غزة منطقة معزولة عن الضفة؛ بحيث لا تربطها بها أي حدود، وهي معزولة عن العالم من نواحي البر والبحر والجو، وقد خاضت الحرب في ظل حصار خانق، بينما لم يكن حزب الله في حالة حصار قبل حربه مع الكيان الصهيوني، كما أن مناطق انتشاره مربوطة بباقي المناطق اللبنانية.

5- لقد خاضت حماس الحرب بدون أي عمق إستراتيجي لها أو لوجستي، وخصوصًا أن بوابتها الوحيدة على العمق العربي هي مصر من خلال بوابة رفح المقفلة، بينما كانت حدود لبنان مع عمقه العربي- أي سوريا- مفتوحة أثناء حرب تموز، وهي حدود طويلة جدًّا.

6- يتحكم الكيان الصهيوني في موارد القطاع المائية والكهربائية والوقود، إضافةً إلى البضائع التجارية، بينما موارد لبنان هي موارد مستقلة عن الكيان الصهيوني.

7- خاضت حماس المعركة وهي لا تزال جديدة العهد بإحكام سيطرتها على غزة بعيدًا عن سلطة عباس، بخلاف حزب الله الذي يتمتَّع بنفوذ عسكري قوي في مناطقه منذ سنين عدة.

8- تحوَّلت غزة أثناء العدوان إلى سجن كبير يُذبح الناس داخله، ولم يجد أهلها أي مكان يؤويهم من القصف العشوائي الذي لم يوقِّر شيئًا، حتى مراكز الأمم المتحدة والمدارس ودور العبادة وسيارات الإسعاف كانوا عرضةً للقصف، أما حرب 2006 فقد استطاع قسم كبير من سكان الجنوب والبقاع من النزوح إلى مناطق أكثر أمنًا في الشمال وبيروت، ومنهم من نزح إلى داخل سوريا هروبًا من نيران القصف.

9- في الحرب على غزة تم استهداف كل مراكز الحكومة، إضافةً إلى استهداف عناصر الشرطة ومقرَّاتها والمؤسسات التربوية والطبية والبنية التحتية، أما في حرب 2006 فلم يستهدف الكيان الصهيوني المؤسسات الرسمية ومراكز الجيش والشرطة والمرافق العامة للدولة باستثناء مدرجات المطار وبعض الأهداف الأخرى.

10- كان وصول المساعدات الإنسانية والطبية أثناء العدوان على غزة أمرًا صعبًا جدًّا بسبب إغلاق المعابر؛ مما فاقم من الأزمة الإنسانية، وخصوصًا مع الارتفاع الكبير في عدد القتلى والجرحى، بينما كان وصول المساعدات في حرب تموز أسهل مع وفرة الطواقم الطبية والإسعاف، والتي جاءت من كل المناطق اللبنانية.

11- فرض الكيان الصهيوني قيدًا على الإعلاميين ومنعهم من دخول القطاع، بينما كانت الحكومة اللبنانية في حرب تموز تعطي كل التسهيلات للإعلاميين في سبيل تغطية العدوان، ولم يستطع الكيان منعهم من العمل.

12- استعمل الكيان الصهيوني في حربه على غزة أسلحةً أكثر فتكًا، ومنها ما هو مُحرَّم دوليًّا، مثل الفسفور الأبيض واليورانيوم المنضب، والذي استُعمل على نطاق واسع وبنسبة أكبر بكثير من استعماله في حرب تموز.

13- خاضت حماس المعركة في ظل تواطؤ من سلطة عباس الذي كان يأمل في إضعاف حماس من أجل العودة إلى غزة، فكان على حماس خوض عدة معارك بجانب معركتها العسكرية، وأهمها المعركتان السياسية والدبلوماسية في ظل الضغوط والمبادرات المشبوهة التي كانت تُطرح، وهدفها كسر إرادة حماس.

 

أما المشهد اللبناني في 2006 فكان يختلف تمامًا؛ فقد وقفت حكومة السنيورة جنبًا إلى جنب مع حزب الله، واستنفرت كل طواقمها في سبيل صد العدوان، وخاضت معركة دبلوماسية شرسة من أجل وقف العدوان، وهذا ما دفع نبيه بري إلى نعتها بحكومة المقاومة.

14- لقد خاض الكيان الصهيوني معركته البرية من جميع المحاور؛ شمالاً وشرقًا وجنوبًا، وقطَّع القطاع أربعة أجزاء، إضافةً إلى الهجوم البحري؛ كل هذا دفع المقاومة إلى القتال على جميع الجبهات وبنفس البسالة، أما الهجمة البرية على لبنان في 2006 فقد كانت مقتصرة على الحدود الجنوبية.

15- خاضت حماس المعركة بأسلحة متواضعة، والكثير منها مُصنَّع محليًّا في ظل حصار مطبق، بينما خاض حزب الله حربه بأسلحة أكثر تطورًا في ظل وجود طرق سهلة لاستيراد السلاح.

16- انتهت المعركة في غزة بإعلان الكيان الصهيوني وقف إطلاق النار من جانبٍ واحدٍ بعد أن فشل في تحقيق أي هدف من أهدافه في ظل تمسك حماس بشروطها ورفضها القاطع دخول أية قوات أجنبية القطاعَ.

 

أما معركة تموز 2006م فقد انتهت بعد صدور القرار الدولي 1701، والذي بموجبه دخلت قوات دولية جديدة جنوب لبنان ليصل عددها إلى 15 ألف عنصر كحد أقصى، إضافةً إلى إنشاء منطقة خالية من أي عناصر مسلحة وعتاد وأسلحة بين الخط الأخضر والليطاني، إضافةً إلى تأكيد النقاط السبعة، والتي تحدثت عن التعهد بإطلاق الأسرى.

 

هذه أهم أوجه الاختلاف في الظروف والنتائج بين حرب تموز 2006 والحرب على غزة، وبكل موضوعية يمكن القول إن النصر في المعركتين كان من نصيب حزب الله وحماس، غير أن المعركة البطولية التي خاضتها المقاومة في غزة كانت أصعب بكثير من معركة حزب الله ضد الكيان الصهيوني إذا ما أخذنا بعين الاعتبار النقاط التي عددناها سابقًا عن ظروف المعركتين.

 

وبالميزان العسكري واللوجستي والميداني والإنساني، فقد خرجت حماس منتصرة ومرفوعة الرأس، بل إن انتصارها قد فاق انتصار حزب الله، خصوصًا أنها رفضت رفضًا تامًّا وجود قوات أجنبية في غزة، بينما قبل حزب الله بذلك في حرب 2006ن ولم تتعهَّد بشيء تجاه الجندي الصهيوني؛ حيث لم يُذكَر في أي قرار أو مبادرة، بينما ذكرت مسالة الأسرى في النقاط السبعة، والتي لم يرفضها حزب الله، بل تحفَّظ عليها، إضافةً إلى جملة من الأمور، والتي جعلت هزيمة الكيان الصهيوني على يد حماس والمقاومة الفلسطينية أشدَّ إيلامًا من هزيمة 2006م، خصوصًا أنه كانت يعوِّل على حرب غزة للتعويض عن الخسارة التي مُني بها في لبنان، وإذا به يتعرَّض لنكسة أعظم وأشد مرارةً، ويُمنَي بهزيمة أخرى هي الأخطر؛ لأنها داخل الأرض المحتلة، وستثبت الأيام القادمة ذلك.

 

ضميرنا يفتقر إلى الإعلام وإعلامهم يفتقر إلى الضمير

لم ينقل الإعلام الغربي معظمه المشهد الحقيقي لما كان يحدث في غزة، بل كان يتعمَّد إخفاء ما يقوم به الكيان الصهيوني من مجازر وقتل للأطفال، ويُظهر الصورة على أنها بين طرفين متكافئين، بل كان يحاول إظهار الكيان على أنه يدافع عن نفسه.

 

ولو أن هذا الإعلام قام بدوره بكل مهنية وموضوعية ونقل كل ما يحدث في غزة إلى العالم لتغيَّرت نظرة المجتمع الغربي إلى الأحداث، ولخرج الملايين إلى الشارع لهول ما قد يشاهدون من حرب الإبادة.

 

والسؤال الذي لا بد من طرحه هو: أين تلك الصحف التي تُدَّعي زورًا وبهتانًا أنها تحاول إظهار طبيعة الإسلام العدوانية عبر نشرها صورًا مسيئةً للرسول صلى الله عليه وسلم لا تستند إلى أية قيمة علمية أو واقعية أو تاريخية، وإذا كان صحيحًا أن هذه الصحف تعمل على إظهار صفات تعتبرها معاديةً أو مناهضةً للقيم الإنسانية منذ ألف وأربعمائة سنة؛ فأين هذه الصحف مما يجري على أرض الواقع وعلى مرأى ومسمع من العالم كله من حرب إبادة يتعرَّض لها شعب أعزل محاصَر تُهدم بيوته ويُقتل أطفاله ويُستعمل ضده كل أنواع الأسلحة؛ بما فيها المحرَّمة دوليًّا، وتُرتكَب بحقه جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ويُستبَاح كل شيء؟! أين تلك الصحف من هذا الإرهاب الذي يُمارَس على كوكبنا وبحق إخوةٍ لنا في الإنسانية في صورةٍ لم يشهد لها التاريخ مثيلاً؟! ولماذا كل هذا الصمت؟! ألم يهتز ضمير رؤساء هذه الصحف لما رأوه من صور أطفال تنزف دمًا ودمعًا وتُذبَح ذَبحَ الطيور وتُحرق وجوههم وأطرافهم بالقنابل الفسفورية لتحرق معها قلوب أمهاتهم؟!

 

لقد عجز ضمير هذه الصحف وغيرها من التحرك والاستيقاظ مع كل هذه الصور والمشاهد والتي تقطع القلوب لبشاعتها، إلا قلوب هؤلاء؛ فهي كالحجارة بل أشد قسوة.

 

كان الأولى بتلك الصحف نشر رسوم لهؤلاء القادة المجرمين، كما وصفتهم معظم المنظمات الإنسانية والحقوقية.. كان الأولى بهذه الصحف أن تُظهر هؤلاء بصورتهم الحقيقية؛ صورة الجزارين الملطخة أيديهم بالدماء.

 

ألم يهتز ضمير العالم يومًا عند مشاهدته تلك الطفلة اليابانية وهي تحترق بعد إلقاء القنبلة الذرية من قِبل أمريكا، وهي اليوم تقتل وتجرح بقنابلها التي قدمتها للكيان الصهيوني آلاف الأطفال دون أن يهتز ضمير الصحافة؟! ألم يهتز ضمير العالم يومًا لصورة ذلك الطفل الإفريقي الذي يجلس على الأرض يتضوَّر جوعًا ويقف خلفه نسر ينتظر موته لينقض عليه وينهش من لحمه ليكون له قوت يومه؟! وقد وُجد مُلتقِط هذه الصورة منتحرًا؛ لتأثره بهذا المشهد؛ فكيف لو رأى هذا المُصوِّرُ صور أطفال غزة وهي تُنهَش؛ ليس من الطيور، وإنما من الكلاب، كما نقلت إحدى الفضائيات؟!

 

فيا ليت ضمير الصحافة يستيقظ يومًا واحدًا ويشعر بقيمة الإنسانية وكرامة البشر وبراءة الطفولة لينقل إلى العالم معانات هذا الشعب التي بدأت منذ 60 عامًا وما تزال، وهو يدفع الثمن.. لقد دفع ثمن اختياره حماس ممثلاً له في الانتخابات؛ دفعه دمًا وحصارًا وتجويعًا من قِبل الكيان الصهيوني، ثم هو اليوم يدفع ثمن الانتخابات الصهيونية هذه المرة؛ يدفعه دمًا ومحارقَ ومجازرَ وإبادةً؛ حيث قرر الصهاينة في كل مرة أن يكون وقود وصولهم إلى الحكم هي دماء أطفال فلسطين ولبنان؛ فبقدر ما يذبحون من أطفال بقدر ما تكون فرصهم للفوز أكبر.

 

ورغم كل هذا يبقى الإعلام صامتاً؛ ليس فقط عن نقل المشهد من فلسطين، بل يبقى صامتًا عن انحياز قادة دوله للكيان الصهيوني ضد العدالة الإنسانية ومشاركتهم الجزار في جرائمه..إلى متى سيبقى هذا الإعلام "ماركة تجارية" تبحث عن القتلى والجرحى بلغة الأرقام والمصالح؟!

 

عارٌ على هذا الإعلام الذي لا يغطِّي حجم الكارثة التي حلَّت بالعراق وأطفاله وأفغانستان وأهلها العُزَّل.. عارٌ عليه إذا لم يصف جورج بوش بالإرهابي الذي أبى أن يغادر البيت الأبيض قبل أن يتلذَّذ بدماء أطفال غزة، بعد أن لم تشبعه دماء أطفال العراق وأفغانستان ولبنان.. عارٌ على هذا الإعلام إذا لم يُبيِّن لجمهوره حقيقة ما جرى من مجازر في رواندا والبوسنة، ومدى ضلوع مخابرات الدول الغربية في هذه المجازر، وهذا ما أكدته العديد من المصادر.. عارٌ عليه أن يسكت عن عصابات سرقة الأطفال وبعلم حكوماتها، وكان أخطرها سرقة أطفال من دولة تشاد إلى فرنسا في أسوأ عملية استعباد عرفها التاريخ المعاصر، وقد تدخَّل أعلى هرم في الدولة الفرنسية للضغط على تشاد لإطلاق صراح المجرمين المتورطين بذلك، فأين هذا الإعلام من قضية هؤلاء الأطفال الذين وُلدوا أحرارًا لتحوِّلهم عصابات هذه الدول وحكوماتها إلى عبيد، بعد أن حوَّلت آباءهم إلى فقراء، فنهبت ثرواتهم، وأشعلت الحروب بينهم؟!

 

إن أطفال تشاد كما أطفال غزة كما أطفال العراق، وغيرهم الكثير؛ تفتقر براءتهم وضميرهم إلى إعلامٍ حيٍّ بعد أن أصبح الإعلام يفتقر إلى ضميرٍ حيٍّ.

-------

* ملبورن- أستراليا.