- د. عبد العظيم: الخسائر الاقتصادية أضعاف ما أعلنه نظيف
- تيمور: 500 مليار جنيه خسائر البورصة في 3 أشهر
- الهندي: تباطؤ الإجراءات الحكومية وضعفها هي السبب
تحقيق- نورا النجار:
"اقتصادنا قوي ولم يتأثر.. سياساتنا المالية والمصرفية واجهت الأزمة العالمية.. لدينا الكثير من فرص العمل رغم الأزمة.. صادراتنا واستثماراتنا بعيدة عن الأزمة".. هذه باختصار شديد كانت بعض تصريحات الحكومة المصرية ووزرائها حول تداعيات الأزمة المالية العالمية وتأثيرها على الاقتصاد المصري مع بداية الأزمة.
وبعد مرور ثلاثة أشهر انقلبت التصريحات رأسًا على عقب؛ وذلك على النحو التالي: "الأزمة تُمثِّل خطورةً شديدةً على اقتصادياتنا.. نتوقع انكماشًا في القطاعات المختلفة خلال الشهور المقبلة.. نتوقع زيادة معدلات البطالة والنمو.. مصانعنا مهددة بالإفلاس وسنضطر إلى تسريح نصف العمالة المحلية.. مصر ليست بمعزلٍ عن الأزمة".
وبعد هذا التكشف الواضح لسوءات الإدارة الاقتصادية للحكومة ووسط كل الخطط التي هرولت الدولة لوضعها لإنقاذ ما يمكن إنقاذه- كالموافقة على تخفيض أسعار الطاقة لبعض الصناعات وفق تصريحات الدكتور أحمد نظيف رئيس مجلس الوزراء، وزيادة الاستثمارات الحكومية لمواجهة انخفاض الاستثمارات الخاصة، وتخفيض الضرائب وزيادة دعم الصادرات، وإلغاء الجمارك على السلع الرأسمالية والوسيطة.. تطرح العديد من التساؤلات نفسها أهمها هل هناك أبعاد سياسية دعت إدارة نظيف إلى المكابرة في بداية الأزمة بعدم الاعتراف بتأثيرات متوقعة لها على الاقتصاد المصري؟ وما الخطة الاقتصادية الناجحة لتلافي مثل هذه الأخطاء في الفترة المقبلة؟ وما توقعات الخبراء لحالة الاقتصاد خلال الأزمة؟.
تصريحات خاطئة
د. حمدي عبد العظيم

بدايةً يؤكد الدكتور حمدي عبد العظيم رئيس أكاديمية السادات للعلوم الإدارية سابقًا أن أداء الحكومة في الفترة الماضية كان ولا يزال بطيئًا، وهذا يعود إلى تهوين الحكومة من شأن الأزمة وعدم إدراك مخاطرها الحقيقية، ورغم قرارهم بمضاعفة الإنفاق إلى 30 مليار جنيه وتأجيل سداد الالتزامات المالية لشركات المقاولات دون غيرها- وهي إجراءات كان من المفترض بالدولة اتخاذها منذ بدء الأزمة- إلا أننا لم نرَ شيئًا حتى الآن، وهذا دليل على تباطؤ الدولة في إدارة ومعالجة الآثار السلبية التي يتعرض لها الاقتصاد، إضافةً إلى لجوئهم إلى التقليد الأعمى لبعض الاقتصاديات التي لا تتوافق في إدارتها لأزماتها مع مبادئ اقتصادياتنا، والتي تختلف اختلافًا جذريًّا عن أنظمتهم الاقتصادية وإنكارهم لأي تأثير محتمل على اقتصادنا بدعوى أن البنوك المصرية في مأمنٍ عن هذا كله.
وفي رصد عام لأبرز الخسائر حتى الآن يقول د. عبد العظيم: إن أبرز خسائر الاقتصاد المصري بعد مرور هذه الأشهر الثلاثة هي خسارة البورصة، والتي فقدت 75% من قيمتها حتى الآن بما يُقدَّر بـ6 مليارات دولار وتراجع في قطاع السياحة بنسبة 40% بما يساوي 2 مليار دولار في الوقت الذي خرجت فيه التصريحات الحكومية في البداية لتتوقع أن إجمالي خسائر الاقتصاد المصري نتيجة الأزمة 4 مليارات دولار فقط، وها هي النسبة تقفز إلى الضعفين في قطاعين فقط من قطاعات الاقتصاد والبقية تأتي.
وعن توقعاته للفترة الزمنية لاستمرار هذه الأزمة يقول: لا أتوقع انتهاء الأزمة قبل ثلاث سنوات من الآن، وبالطبع اقتصادنا يرتبط بالاقتصاد العالمي؛ أي لن يزول تأثير الأزمة علينا إلا بانتهائها على الجميع، ومن المتوقع ارتفاع نسبة البطالة في صفوف المصريين وحدوث عجزٍ في الموازنة العامة وزيادة كبيرة في الأسعار وتذبذب واضح في مؤشرات البورصة، إضافةً إلى ارتفاع معدلات التضخم وعجز في حصيلة الضرائب المحصلة على السلع والخدمات وما تحاول الدولة سنَّه الآن من إجراءاتٍ سيُخفف من وطأةِ هذه التأثيرات، ولن يذهبها بأكملها.
ويختم حديثه قائلاً: لا بد من تأكيد نقطة مهمة ألا وهي أنه لا يمكن حاليًّا فصل نظامنا الاقتصادي عن النظام الرأسمالي رغم إثباته لفشله في العالم كله، فطالما أن هناك حركةً للتبادل التجاري والسياحة وغيرها لا نستطيع أن نقوم بعملية الفصل هذه إلا أننا من الممكن أن نسن مجموعةً من الإجراءات الوقائية للتخفيف من هذه التبعية كإنشاء صندوق يعمل على دعم صناعة السوق المحلية، ودعم البورصة لرفع الطلب عليها، كما يمكن تأجيل سداد ديون الشركات السياحية والإنتاجية المتعثرة بدلاً من حصر هذه الميزة على شركات المقاولات فقط، إضافةً إلى فرض تيسيرات كبيرة على الضرائب وتنشيط الاستثمار الداخلي بدلاً من الخارجي، والذي تراجع بسبب الأزمة.
وهنا لا بد أن أنبه إلى ضرورة استغلال رءوس الأموال العربية الممثلة في المستثمرين العرب بجذبهم إلى السوق المصرية بمميزات اقتصادية تُشجِّعهم على الاستثمار داخل البلاد، وهذه فرصة ينبغي على أي إدارة اقتصادية ذكية وناجحة ألا تفوتها، خاصةً في ظل هذه الظروف الاقتصادية الحالكة التي نعيشها الآن.
حكومة كاذبة
تيمور عبد الغني

ويقول تيمور عبد الغني عضو اللجنة الاقتصادية بمجلس الشعب المصري: إن حكومة نظيف حكومة كاذبة أرهقتنا بالكثير من التصريحات المنافقة حتى قبل بداية الأزمة المالية الحالية، وبدء ظهور تأثيرها على الاقتصاد المصري، فهي حكومة لا يُعتمد عليها في معالجة أي مشكلة لا في حل أزمة البطالة ولا في أزمة عالمية ولا غيرها، وهي سياسة معروفة عنها، فهي تخفي الحقائق حتى لا تشرك الشعب معها في حل مشكلاتها والاطلاع على كذبها وزيفها، فقد خسرت البورصة الكثير في عهد هذه الحكومة بما يُقدَّر بـ500 مليار جنيه؛ مما تسبب في ضياع الكثير من الأموال لصغار وكبار المستثمرين؛ حيث أباحت الدولة العمل بنظام المضاربة بشكلٍ كاملٍ، وهو ما تسبب في هذه الخسارة المدوية، ولعل اهتزاز البورصة من أهم أسباب تأثرنا بالأزمة المالية فهي كفقاعة الهواء من اليسير عليها أن تنفجر بسهولة إذا ما تعرَّضت لأي ضغطٍ زائد.
ويستطرد قائلاً: الحكومة لا تتوافر فيها إطلاقًا مقومات الإدارة الناجحة، وهذا من أهم أسباب فشلها في إدارة الاقتصاد في ظل الأزمة الحالية، فهي مقدمة على إجراءاتٍ من شأنها إهدار الثروة القومية لصالح كبار المستثمرين الكبار من خارج البلاد وداخلها، فاقتصادنا منذ 20 عامًا (محلك سر)، فقد عمدت الدولة إلى بيع القطاع العام، حينما ضيقت الخناق الاقتصادي عليه بدعمها الكامل للقطاع الخاص حتى يصل الأمر إلى بيع القطاع العام (بتراب الفلوس) بسبب خسائره التي عجزت عن الصمود أمام نظيره الخاص.
وعن توقعاته لتداعيات الأزمة على الاقتصاد المصري قال عبد الغني: إنه يتوقع تراجعًا حادًّا في معدلات النمو- والذي أشكُّ أنه كما أعلن عنه قبل الأزمة 7%- بل سيتضاءل المعدل ليقترب من الصفر مصحوبًا بازدياد البطالة بسبب سوء وتدهور أحوال القطاع الخاص؛ ولذا لا بد من إجراءاتٍ لتلافي أية خسائر محتملة كخفض سعر الفائدة على الإقراض لتشجيع المنتجين والتركيز على خلق طلب سريع على السلع المحلية دون التعويل على السوق العالمية بمشاكلها الكثيرة، إضافةً إلى ضرورة الحفاظ على شركات قطاع الأعمال والإنتاج لإحداث توازن داخل السوق لمواجهة تداعيات الأزمة، والتي بدأت في الظهور فيما نقرأه بين الحين والآخر على الصحف من سرقاتٍ للكابلات التليفونية وقضبان السكك الحديدية وغيرها، والتي بدأت تنذر بظهور مخاطر الأزمة المالية علينا في الداخل المصري.
إجراءات متأخرة
ويتحدث ناجي الهندي- مدير الأوراق المالية ببنك مصر إيران- عن تقييمه لأداء إدارة نظيف خلال هذه الفترة قائلاً: ما تم الإعلان عنه من خسائر كشف عن تباطؤ إدارة نظيف في اتخاذ الإجراءات الاقتصادية السليمة منذ بداية الأزمة المالية العالمية، فبالرغم من اتخاذهم لبعض الخطوات الإيجابية الآن مثل قراراتهم بتخفيض سعر الفائدة إلى 1% وزيادة حجم الإنفاق من 15 مليار جنيه إلى 30 مليارًا، وتقليل سعر الفائدة على المشروعات الصغيرة والمتوسطة، إلا أن هذه الإجراءات جاءت متأخرة، وكان لزامًا على الحكومة تنفيذها منذ البداية.
وبسؤاله عما إذا كانت هناك إجراءات اقتصادية كان من المفترض تطبيقها في بداية الأزمة أكد أنه كان يجب بالفعل اتخاذ مجموعة من الإجراءات التي لو طُبِّقت في بادئ الأمر لتغيَّرت نتائج الخسائر الاقتصادية التي أعلن عنها أهمها أنه كان لزامًا على الدولة أن تعمل على زيادة حجم الإنفاق الفعلي على الأصول والمرافق بشكلٍ حقيقي دون تباطؤ واتخاذ لقرارات لا تنفذ، إضافةً إلى تخفيض سعر الفائدة أكثر من النسبة التي كانت موجودة بالفعل آنذاك، واتخاذها لإجراءات من شأنها محاربة الركود الحالي مثل تخفيف تكاليف النقل وتخفيض أسعار الطاقة والسولار وغيرها من الأساليب الاقتصادية.
ويضيف: على الرغم من إعلان هذه الخسائر إلا أن هذه الفترة التي مرَّت منذ بداية الأزمة ليست بالطويلة في عالم الحكومات والدول؛ ولذا لا بد من التنبه للفترة القادمة، والتي ستشتد فيها الأوضاع بصورةٍ أكثر من ذي قبل وأول ما ينبغي فعله هو العمل على فصل الاقتصاد المصري عن النظام الرأسمالي الذي أثبتت التجربة الأمريكية فشله في ظل الأزمة الحالية فاقتصاديات الغرب تخسر لأسباب مختلفة تمامًا عن أسباب خسارتنا؛ ولذا فلا صحةَ لأي تخوفٍ من إجراء هذه العملية كذلك لا بد من إعادة النظر في مسألة إعادة تدخل الدولة للرقابة على السوق الاقتصادية من جديد، وهو ما بدأت دول العالم الغربي تفعله بالفعل، وعن عوامل صمود الاقتصاد المصري في الفترة المقبلة يقول: الاقتصاد المصري ينقصه الكثير من مقومات الصمود الاقتصادية في وجه الأزمة فنحن نحتاج إلى أن يتحول اهتمامنا إلى الاقتصاد العيني أي سوق الإنتاج بدلاً من التركيز على الاقتصاد النقدي، فالأول هو الذي يصنع اقتصادًا حقيقيًّا، فكلما قويت شوكة الإنتاج قويت كل الأركان الاقتصادية الأخرى، ولو لجأنا للمقارنة بين أقوى الأنظمة الاقتصادية في العالم لوجدنا أن الأقوى هو مَن يمتلك قاعدة إنتاجية أكبر المخرج.
وعن خطة الخروج من الأزمة يقول الهندي: إن المخرج السليم من هذه الأزمة بأقل خسائر ممكنه هو وضع إستراتيجية واضحة المعالم والأرقام وليست وهمية كروكية ومخطط لها بعناية قوامها الاهتمام بالإنتاج الزراعي والصناعي المحلي والعمل على إيجاد مشروعات لإنتاج السلع البديلة للمستورد؛ لأن الأسواق العالمية أغلقت أبوابها تقريبًا في كثيرٍ من بلداننا؛ ولذا علينا الاجتهاد في الحصول على قاعدة الاكتفاء الذاتي التي تمكننا من الصمود والخروج من الأزمة بسلام، وهذا ما قاله الرئيس الأمريكي أوباما حينما تحدَّث في الكونجرس قائلاً: "اشتروا المنتج الأمريكي"؛ ولذا نحن أولى من غيرنا بهذه النصيحة، كذلك لا بد من إنتاج ما يتم استيراده ولدينا قائمة مطولة من المواد المستوردة تقوم عليها أنشطة زراعية قوية جدًّا، وهذا هو المخرج الوحيد في رأيي الشخصي.
وعن تقييمه لحجم الخسائر المعلن عنها أجاب: لا يوجد لدينا حاليًّا أي نتائج تفصيلية دقيقة بخلاف التي تم الإعلان عنها لتقدير خسائرنا من الأزمة في هذه الفترة؛ لأن الاقتصاد المصري لم يندمج كلية مع الاقتصاد العالمي، فما زالت هناك فواصل وحدود تحكمه عن الانخراط الكلي، فاقتصادنا على سبيل المثال يتمتع بسيولة عالية خلاف الدول الغربية، ولا بد من استغلال هذه السيولة لدعم وتقوية الأركان الاقتصادية، أما إذا ظلَّ الوضع في معالجة الأزمة كما هو عليه الآن سيؤدي هذا إلى ذوبان النظام المصرفي وتعرض اقتصادنا لخسائر فادحة.
انعدام الخبرة
علاء عبد المنعم

يوافقه في الرأي علاء عبد المنعم عضو مجلس الشعب قائلاً: لا أستطيع أن أجمل تقييمي لأداء الحكومة في إدارة الاقتصاد إلا بعبارة مختصرة، وهي أننا لم نسمع منهم سوى كلام وحلول مرسلة دون معالجة فعلية للأوضاع المتردية، والتي أدَّت بنا إلى هذه النتائج التي أعلن عنها- هذا إن كانت هذه الأرقام حقيقية بالفعل فالشك يساورني في دقتها- وتقديري أن الخسائر الفعلية أكبر من ذلك بكثير، وهذا توقع طبيعي لأن هذا هو ديدن الدولة في كل مرة تعترف فيها بكارثة من كوارثها، وهذا التوقع أيضًا مستمد من بعض التصريحات التي خرجت بعد وقوع الكارثة، فها هو وزير السياحة يُصرِّح بأن هذا العام (عام أسود) على قطاعه، وإعلان وزير التنمية عن انخفاض معدل النمو من 7 إلى 1.4%، وغيرها من التصريحات، ولا أتوقع أن نحصل على النتائج الصحيحة كمتخصصين إلا بعد ستة أشهر من الآن.
وبسؤاله عن سرِّ إنكار الحكومة لتأثيرات الأزمة في بدايتها يقول: من الواضح تمام الوضوح أن قيادات نظيف الاقتصادية لم يكن لديها الخبرة الكافية لتقدير حجم الخسائر المتوقعة؛ ولذا كان ما حدث صدمة قاسية لهم "وربنا يستر على الأيام اللي جاية".
وعن دعوة البعض بفصل الاقتصاد المصري عن النظام الرأسمالي يقول: لا نستطيع فعل ذلك فنحن أُجبرنا على الارتباط بالنظام الرأسمالي، فتبعيتنا له حتمية شئنا أم أبينا، فهناك العديد من السلع الإنتاجية والعينية التي نستوردها من الغرب، فكيف لنا أن نقوم بالاستغناء عنها بدعوى الانفصال هذه.
وفي روشتة سريعة مقترحة لتدارك الأوضاع في المرحلة المقبلة يقول: لا بد من ترشيد الإنفاق الحكومي السفيه الذي أدَّى إلى إغراق اقتصادنا وتأثره بهذه الصورة بإعطاء إعفاءات ضريبية لمستثمرين حقيقيين يرفعون معدل التنمية داخل البلاد والعمل على إنشاء مناطق حرة جديدة للتوسيع من القاعدة التجارية.
وعن دورهم كبرلمانيين في الفترة المقبلة يقول: نحن محكمون بجدول أعمال المجلس إلا أننا ومنذ بداية الأزمة تقدمنا باستجواباتٍ وطلبات إحاطة واقتراحات اقتصادية لاحتواء الأزمة والتقليل من آثارها لرئيس الوزراء إلا أنه لم يقدم على العمل بأي مما جاء فيها إلى وقتنا هذا.