قبل الحرب، كان المزارع حسام النجار يفتتح يومه مع ساعات الفجر الأولى، متجهاً إلى أرضه شرقي خان يونس، تلك التي ورثها عن والده، يرعى محاصيلها الموسمية كما يرعى أبناءه الثمانية، ويقيس الزمن بدورات الزراعة والحصاد.

اليوم، يقف الرجل الخمسيني على تلة ترابية مرتفعة، يطيل النظر بصمت نحو أرضه التي لم يعد قادراً على بلوغها منذ أكثر من عامين. المسافة التي كانت لا تتجاوز مئات الأمتار تحولت إلى فجوة مستحيلة. يقول بنبرة مثقلة: باتت أبعد من أي مكان في العالم.

تقع أرض النجار بمحاذاة ما يُعرف بـ”الخط الأصفر”، وهو خط عسكري فرضه جيش الاحتلال، وأعاد من خلاله رسم خريطة السيطرة داخل قطاع غزة، ليشمل نحو 53% من مساحته.

ومع تثبيت هذا الخط وتوسيع نطاقه، تحولت مساحات زراعية واسعة إلى مناطق مصنفة خطرة، يُمنع الاقتراب منها، وتعامل ميدانياً بوصفها مناطق مفتوحة لإطلاق النار.

بالنسبة للنجار، لم يكن الخط مجرد تغيير جغرافي، بل قطيعة قسرية مع مصدر رزقه وحياته. يروي أنه حاول أكثر من مرة الوصول إلى أرضه لزراعتها، لكن كل محاولة كانت تنتهي بالانسحاب تحت ضغط الرصاص المنطلق من الآليات العسكرية، وصوتها الذي يملأ المكان، كتحذير دائم بأن الاقتراب ليس خياراً.

هكذا، تحولت الأرض التي كانت يوماً مساحة عمل وحياة، إلى نقطة بعيدة ترى ولا تنال، فيما يقف صاحبها على تخومها، شاهداً على واقع جديد أعاد تعريف المسافة، والسيطرة، ومعنى البقاء.

وتكشفت صور الأقمار الاصطناعية عن تمركز جيش الاحتلال في عشرات النقاط داخل غزة، مع وجود ما لا يقل عن 32 موقعًا عسكريًا قرب "الخط الأصفر"، ما يعكس مسارًا متسارعًا لفرض وقائع ميدانية بالقوة وترسيخ سيطرة طويلة الأمد على أجزاء واسعة من القطاع، تمهيدًا لتكريس ضم فعلي لها.

وتظهر الصور أنه جرى تزويد العديد من المواقع العسكرية المستحدثة بشبكات كهرباء وإنارة وأبراج اتصالات ومعدات هندسية، فيما أقيمت مواقع أخرى في نقاط مرتفعة وإستراتيجية، بينها تلال ومناطق في جباليا وبيت حانون، إضافة إلى مواقع محيطة بمبانٍ قائمة، من بينها مستشفى حمد بن جاسم في رفح.

وتنتشر هذه المواقع في مناطق كانت تضم سابقًا مزارع وأراضي زراعية ومبانٍ سكنية، بل وأُقيم بعضها فوق أنقاض مساجد ومقابر دُمّرت خلال حرب الإبادة، في حين تتواصل أعمال تجريف في مناطق أخرى، بينها حي الشجاعية، حيث كانت توجد مقابر دمرتها قوات الاحتلال.

كما تظهر الصور تقدماً صهيونياً في إقامة حواجز ترابية بطول يزيد عن 17 كيلومترًا، أي نحو 40% من طول الخط البالغ 45 كيلومترًا، مع استمرار العمل على توسيع هذه الحواجز خلال الأسابيع الأخيرة، في مؤشر إضافي على ترسيخ الخط كواقع ميداني دائم.

غموض متعمد في موقع الخط

ورصد تقرير في صحيفة "الجارديان" البريطانية كيف أن قوات الاحتلال توسع سيطرتها تدريجيا على غزة من خلال تمديد "الخط الأصفر" في عمق القطاع، وهو ما يزيد من المعاناة اليومية لسكان القطاع.

 

وفي ذلك التقرير، استعرض الصحفيان كيف تحول خط وقف إطلاق النار المؤقت إلى أداة يستعملها جيش الاحتلال لتوسيع سيطرته العسكرية على المنطقة، ما زاد من المخاطر التي يواجهها المدنيون الفلسطينيون.

وينقل موقع الجزيرة نت عن الصحيفة أن "الخط الأصفر" تم تحديده في إطار اتفاق وقف إطلاق النار بوساطة أمريكية في أكتوبر بعد نحو عامين من حرب الإبادة الصهيونية على غزة، وكان من المفترض أن يكون إجراء مؤقتا بانتظار انسحاب صهيوني لاحق.

وتشير الصحيفة إلى أنه جراء تعثر الهدنة بعد مرحلتها الأولى، ومع استمرار العدوان الصهيوني في قطاع غزة، بدأت قوات الاحتلال تحرك الخط تدريجيا باتجاه الغرب، موسعة نطاق سيطرتها بدلا من تقليصه.

ويشير التقرير إلى أن هذا التقدم يحدث بشكل تدريجي ومربك للسكان، إذ يستيقظ كثيرون ليجدوا أنفسهم فجأة داخل “منطقة إطلاق نار”، فبحلول ديسمبر ارتفعت نسبة الأراضي التي تسيطر عليها قوات الاحتلال من 53% إلى 58%، واستمر هذا التوسع منذ ذلك الحين.

ويُحدد "الخط الأصفر" أحيانا بكتل أسمنتية صفراء يتم نقلها باستمرار، بينما قامت قوات الاحتلال بإنشاء سواتر ترابية طويلة توفر مواقع استراتيجية للقناصة والدبابات، تمتد لأكثر من 10 أميال.

كما تم بناء مواقع عسكرية محصنة جديدة، ليصل عددها إلى 32 موقعا، ما يعزز الانطباع بأن هذا الواقع قد يصبح دائما.

ويزيد من خطورة الوضع وجود ما يسميه الاحتلال "الخط البرتقالي"، وهو منطقة غير محددة بإشارات واضحة، وتمتد لمسافة تتراوح بين 200 و500 متر من الخط الأصفر، حيث يُعتبر أي وجود فلسطيني هناك تهديدا محتملا، وفق تقدير الاحتلال.

وبما أن هذا الخط غير محدد على الأرض، تضيف الصحيفة، فإن الأمر يخلق حالة من الغموض والخطر، خاصة أن إسرائيل تحرك مساره بشكل مستمر.

ويبرز التقرير الآثار الإنسانية لهذا الواقع، حيث تجد منشآت إنسانية فلسطينية  بما في ذلك ملاجئ، نفسها فجأة داخل مناطق خطرة. وبسبب تلك الإجراءات، أصبح المدنيون يعيشون تحت تهديد دائم من إطلاق النار والطائرات المسيّرة.

ونقلت الصحيفة شهادات سكان من القطاع يعيشون حالة يومية من الخوف، حيث يتجنب كثيرون مغادرة منازلهم إلا للضرورة القصوى، بينما لم يعد الأطفال يلعبون في الشوارع.

جريمة حرب

وتدافع قوات الاحتلال عن إجراءاتها بزعم أنها ضرورة أمنية، مدعية أنها لا تستهدف المدنيين، لكن مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك شدد على أن استهداف المدنيين، بغض النظر عن قربهم من خطوط التماس، يُعد جريمة حرب.

وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى استشهاد أكثر من 700 فلسطيني خلال فترة الهدنة، بينهم 269 قرب الخط الأصفر وأكثر من 100 طفل.

ويرى بعض المحللين أن تحريك قوات الاحتلال لما تسميه "الخط الأصفر" قد يكون جزءا من استراتيجية أوسع، حيث وصفه الباحث أحمد إبسايس بأنه "أسلوب ضم مصمم لتجنب العواقب القانونية".

ويخلص التقرير إلى أن "الخط الأصفر" لم يعد مجرد إجراء مؤقت، بل أصبح واقعا ميدانيا متغيرا يعيد تشكيل حياة الفلسطينيين في قطاع غزة، الذين يعيشون في ظل خطر دائم وفي حالة من عدم اليقين.

وتدافع قوات الاحتلال عن إجراءاتها باعتبارها ضرورية للأمن، مؤكدة أنها لا تستهدف المدنيين، لكن مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك شدد على أن استهداف المدنيين، بغض النظر عن قربهم من خطوط التماس، يُعد جريمة حرب.

وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى استشهاد أكثر من 700 فلسطيني خلال فترة الهدنة، بينهم 269 قرب الخط الأصفر وأكثر من 100 طفل.

ويرى بعض المحللين أن تحريك الاحتلال لما يسميه "الخط الأصفر" قد يكون جزءا من استراتيجية أوسع، حيث وصفه الباحث أحمد إبسايس بأنه "أسلوب ضم مصمم لتجنب العواقب القانونية".

ويخلص التقرير إلى أن "الخط الأصفر" لم يعد مجرد إجراء مؤقت، بل أصبح واقعا ميدانيا متغيرا يعيد تشكيل حياة الفلسطينيين في قطاع غزة، الذين يعيشون في ظل خطر دائم وفي حالة من عدم اليقين.

خرق لقواعد الاحتلال الحربي

ويؤكد المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان أن هذه المواقع العسكرية، تمثل خرقًا جسيمًا لقواعد الاحتلال الحربي، ولا سيما أحكام اتفاقية جنيف الرابعة ولائحة لاهاي، مشددًا على أن القانون الدولي لا يجيز للقوة القائمة بالاحتلال إعادة تشكيل الإقليم المحتل أو فرض تغييرات دائمة على أوضاعه القانونية والمادية.

ويوضح المرصد، في بيان، أن هذه القواعد لا تسمح كذلك بتدمير الممتلكات إلا في أضيق الحدود التي تفرضها الضرورات العسكرية الحتمية والمؤقتة، مشيرًا إلى أن ما يجري يندرج ضمن أفعال يحظرها القانون الدولي الإنساني بشكل صريح، وفي مقدمتها النقل الجبري والترحيل القسري للسكان من الأراضي المحتلة.

ويضيف أن هذه الانتهاكات تُعد جرائم حرب، وقد ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية إذا ارتُكبت في سياق هجوم واسع النطاق أو منهجي ضد المدنيين، كما قد تندرج ضمن الأفعال المحظورة بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية في حال توافر القصد الخاص.

وفي السياق، يحذر المرصد من أن قوات الاحتلال تستخدم مواقعها العسكرية لتوفير غطاء ناري متقدم لمجموعات مسلحة تعمل بتوجيهها، بالتوازي مع استهداف منهجي للشرطة المدنية، بما يؤدي إلى شل قدرتها على أداء مهامها.

ويشير إلى أن هذه السياسة تسهم في تفكيك الهياكل المحلية التي تحافظ على الحد الأدنى من النظام العام، وتخلق فراغًا أمنيًا متعمدًا داخل المناطق المدنية المكتظة.

ويؤكد المرصد أن خطورة هذا النمط لا تقتصر على تصعيد الانتهاكات، بل تمتد إلى تكريس بنية عنف معقدة تتداخل فيها أدوار القوات النظامية مع جماعات مسلحة غير نظامية، ما يعقّد مسارات المساءلة ويعزز الإفلات من العقاب، ويترك المدنيين عرضة لسلطات متعددة تمارس العنف في ظل غياب الحماية الفعلية.