- د. عبد الحليم قنديل: مصر مخترقة سياسيًّا وأمنيًّا واجتماعيًّا

- جمال أسعد: دخول أفراد من الكنيسة في القضية "جريمة"

- د. عزة كريم: ظاهرة قديمة "جديدة" لا يمكن قبولها

 

كتب- محمد يوسف:

كشفت تحقيقات النيابة في قضية الطفلين المصريين اللذين تم تسميتهما بـ"فيكتوريا" و"ألكسندر" ومن قبلهما الطفل "ماركو" بتورط مسئولين كبار في مصر وقساوسة وراهبات ومدير أمن فندق شهير ومدير بنك ومسئولي ملاجئ أيتام، بالإضافة إلى وسطاء وسماسرة أطفال، النقابَ عن وجود عصابة دولية للتجارة في بيع أطفال مصريين رُضَّع للأجانب، وخاصةً الأمريكيين.

 

أكدت التحقيقات الأولية للنيابة أن الأطفال هم من أبناء مسلمين لفتيات مسيحيات أسلمن وتزوجن من مسلمين، قبل أن يتم الضغط على هؤلاء الفتيات ليعدن إلى أهلهن محملين بأطفال وأجنة يتم التحفظ عليهم داخل الكنائس والأديرة بعيدًا على الأنظار.

 

ورجَّحت مصادر ذات صلة بالقضية أن هذا الحادث يأتي ضمن تنظيم دولي يقوم بخطف الأطفال المصريين وبيعهم للخارج، وخاصةً إلى الولايات المتحدة الأمريكية مستغلين حساسية العلاقة بين البلدين وكأنها صك أمان لكل مَن يحاول أن يخالف القانون المصري، على طريقة ما حدث في قضية رجل المخابرات الأمريكية (سي آي أيه) بالسفارة الأمريكية الذي اعتدى على سيدات مصريات تحت تهديدات وخرج من مصر بسهولةٍ دون أن يحاسبه أحد.

 

تعود بداية القضية إلى يوم ٢ ديسمبر الماضي، عندما فوجئ المقدم حاتم البيبايني، رئيس مباحث قصر النيل، باتصالٍ تليفوني من محمد عبيد، موظف بالسفارة الأمريكية بالقاهرة، يُفيد بتقديم إحدى السيدات وتدعى "إيريس نبيل عبد المسيح"، للسفارة بطلب لاتخاذ الإجراءات اللازمة للحصول على الجنسية الأمريكية لطفليها "فيكتوريا" و"ألكسندر"، وتقدمت بشهادتي ميلاد لكلٍّ منهما تُفيدان أن تاريخ الميلاد للطفلين هو ٣١ أكتوبر  ٢٠٠٨م، باسمها كأم واسم المدعو لويس كونستين أندراوس كوالد للطفلين، وأنه يشك في أمر صحةِ شهادتي الميلاد.

 

وعليه انتقل رئيس المباحث إلى السفارة وتم اصطحاب السيدة من أمام باب السفارة الأمريكية، وبمناقشتها اعترفت بعدم صحة شهادتي الميلاد، التي تقدمت بهما للسفارة وتم اصطحابها لديوان القسم، وبإعادة المناقشة قررت أنها متزوجة من لويس كونستين من حوالي ١٢ عامًا تقريبًا، وأنها تحمل الجنسية المصرية ولها إقامة دائمة بالولايات المتحدة الأمريكية، وأنها لم تُنجب أطفالاً، وتعرَّفت عن طريق إحدى صديقاتها المقيمة بأمريكا وتُدعى سهير على أحد الأشخاص بمصر ويدعى "جميل" ويعمل مدير بنك مصر فرع وسط المدينة، الذي أخبرها بإمكانية الحصول لها على أطفال من خلال راهبة بإحدى الأديرة تُدعى "مريم".

 

 الصورة غير متاحة

 سمير مرقص

وتشابه معها وقعة بيع وشراء الطفل المسمى "ماركو"، والتي أسفرت التحريات فيها عن قيام مدحت بسادة يوسف وزوجته الأمريكية باللجوء إلى بعض دور الرعاية الاجتماعية المسيحية والأديرة والكنائس بالقاهرة ومرسى مطروح وبني سويف بحثًا عن طفل.

 

(إخوان أون لاين) طرح ملابسات تلك القضية على خبراء اجتماع وباحثين سياسيين وأطباء لمعرفة تأثير ذلك وخطورته على الأمن القومي المصري.. وتساءل لماذا بيع الرضع المصريين للأمريكان بالذات؟.

 

أمن قومي

في البداية يؤكد سمير مرقص الباحث السياسي ومدير مؤسسة المصري للحوار والمواطنة أن تلك التنظيمات سواء كانت عشوائية كالتي اعتدنا عليها أو منظمة أو شبكات دولية كما في قضية الطفلين "فيكتوريا- ألكسندر" مرفوضة بشكلٍ قاطع؛ لأن أمن المواطن وسلامته غير مطروحة للنقاش فكيف ببيع أبنائه لأجانب.

 

ويضيف أن تورط عناصر في الكنيسة أو أفراد عاديين- كما أظهرت تحقيقات النيابة- عمل مشين لا نقبله كمسلمين ومسيحيين على السواء، وعليه فنحن نطالب السلطات المختصة بالضرب بيدٍ من حديد لكل مَن يحاول إثارة زعزعة استقرار وأمن مصر.

 

مناخ طائفي

ويوافقه الرأي الدكتور جمال أسعد عبد الملاك الناشط الحقوقي القبطي قائلاً: "إن شناعة الجرم الذي يرتكبه مصريون ببيع أبنائهم لأجانب بحجةِ الفقر والأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تعصف بالمواطن المصري البسيط ليست حجةً لهم بالعبث بأمن واستقرار البلاد".

 

 الصورة غير متاحة

د. جمال أسعد

ويرى أن دخول عناصر قبطية داخل كنائس وأديرة كمتهمين أساسيين في قضية الطفلين "فيكتوريا-ألكسندر" أمر غير مقبول ويُعيد فتح ملف دولة الكنيسة من جديد إلى الساحة السياسية المصرية، مشيرًا إلى أن هناك مناخًا طائفيًّا يبرر لهؤلاء "المجرمين" التعامل مع الأجانب، وخاصةً الأمريكيين وكأنها القلعة المأمونة والمأمولة لكثيرٍ من الأقباط الموتورين.

 

ويصف أسعد محاولات البعض إثارة الأحقاد الطائفية من خلال بيع أطفال مصريين للأجانب بدعوى أنهم من أمهاتٍ مسيحيات تزوجن مسلمين "بسكبِ البنزين على النار" ومحاولة لتفتيت قوائم الدولة، وخلق جو طائفي مشحون لا يُحمد عقباه. 

 

دولة مخترقة

من جهته وصف عبد الحليم قنديل منسق حركة كفاية تلك القضية "بالغريبة جدًّا" قائلاً: "المتهمون الـ16 هاربون، 15 منهم مسيحيون وواحد فقط مسلم، والأطفال الذين تم بيعهم للأمريكان يُعتقد أنهم لآباء مسلمين وأمهات تم إعادتهم للمسيحية وتم حجزهم في الكنيسة للاستتابة حسب التعبير الكنسي؛ الأمر الذي يكشف أننا أمام قضية جديدة في نوعها ولا بد من وقفةٍ حازمةٍ معها".

 

 الصورة غير متاحة

عبد الحليم قنديل

وأضاف قنديل: يجب علينا ألا نستغرب لمثل تلك القضية فمصر "على حد قوله" بلد مخترقة من الناحية السياسية والأمنية لجهات تبشيرية وجهات اقتصادية مشبوهة، وأبسط دليل هو حادثة الحسين الأخيرة التي كشفت عن تقصير أمني وسط أكبر ميادين القاهرة أمنًا كما تدَّعي السلطات المصرية.

 

ويؤيد قنديل فكرة وجود منتفعين مسيحيين من تلك القضايا ليس من الناحية المالية ببيع الأطفال، ولكن من خلال زعزعة الاستقرار، وإظهار المؤسسات الرسمية المصرية بموقف العاجز أمام السيطرة الأمريكية، وكذلك إشعار النظام المصري أنه أمام فئة مدعومة و"مسنودة" من الولايات المتحدة، ولا بد أن يُفكِّر ألف مرة قبل أن يخطو أي خطوة قد يندم عليها فيما بعد.

 

عقاب

من الناحية المهنية توعَّد الدكتور أحمد إمام مدير عام نقابة الأطباء الذين تثبت التحقيقات تورطهم في هذه الجريمة، وأنه سيتم معاقبتهم كما يلزم قانون النقابة بدءًا من اللوم ونهايةً بالشطب على حسب حجم المخالفة التي يرتكبها الطبيب.

 

ويضيف إمام أن تلك القضية معقدة، فالجريمة ظهرت من حيث انتهت، بمعنى أن الطبيب المتهم بجلب الطفلين بمساعدة الراهبة "مريم" لم تصل التحقيقات بعد هل هو مَن أجرى عملية الولادة لأمهات الطفلين "ألكسندر- فكتوريا"؟ وهل هما- أي الطفلين- أبناء سفاح أم مختطفين أم ماذا؟.

 

قضية سياسية

وتصف الدكتورة عزة كريم الخبيرة بالمركز القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية ظاهرة بيع الأطفال بـ"الخطيرة جدًّا" ولا يمكن قبولها مهما كانت الظروف، مشيرةً إلى أنها تكون أكثر شدةً في البلاد الأكثر فقرًا وتخلفًا، والتي تضيع فيها أحلام البشر وتكون أكثر ارتباطًا بالمتطلبات المعيشية غير المتاحة "أصلاً".

 

وترى أن ظاهرة بيع الأطفال ظاهرة قديمة جديدة، لعب فيها النظام السياسي دورًا بارزًا من خلال وسائل إعلامه التي لا توعى الناس بخطورة انتشار الأمراض الاجتماعية التي أصابت المجتمع المصري، ومنها ظاهرة أطفال الشوارع وأبنائهم الذين يتحولون إلى سلع تُباع وتشترى.