لقاء الحب والمشاعر، جلسة الإخوة والترابط، حلقة التربية والبناء.. ترى أي مغفرة وأي رحمة وأي ثواب في هذا المجلس الذي تحفه الملائكة، فيض من الدعاء ينزل علينا ونحن نجلس في روضةٍ من رياض الجنة، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "إذا رأيتم رياض الجنة فارتعوا"، قالوا: "وما رياض الجنة يا رسول الله؟" قال: "حلق الذكر".

 

أحمدك يا رب.. أن جعلت لي روضة أرتع وأتعلم فيها وأجدد أيماني وألتقي بالأحبة.

 

قال معاذ بن جبل- رضي الله عنه- لأحد إخوانه يُذكِّره (أجلس بنا نؤمن ساعة) فتلقاها ابن رواحة وأهداها لابن الدرداء.. هكذا كان واقع الصحابة- رضوان الله عليهم- يحسون بعضهم بعضًا على الارتقاء في تلك الرياض، لقد أوجبوا على أنفسهم هذه الجلسات حين خافوا تقلب القلوب وعرفوا أن تلك الجلسات فيها التفكُّر والتأمل والتناصح فكل منا في حاجةٍ شديدةٍ لهذه الروضة.. روضة يرتع فيها دوريًّا بانتظام وروضة يهيئها لغيره يرتعون فيها، فادفعي ببناتكِ حتى يرتع كل فرد في الروضة التي تناسبه؛ الزهرة لها روضتها، والشبل له روضته، وزوجك له روضة، أعيني كل فرد على انتظامه في روضته، فهذه هي المدرسة الكبرى التي لا غنى عنها، يقول الإمام البنا: "الدعاة المصلحون يقصدون أول ما يقصدون إلى تربية وتجديد الأرواح وتقوية الأخلاق وتنمية الرجولة الصحيحة في نفوس الأمة، ويعتقدون أن ذلك هو الأساس الأول الذي نبني عليه نهضة الأمم والشعوب.

 

فإذا كانت مهمتنا تربية النفوس وتجديد الأرواح وتقوية الأخلاق فأين نحن من هذه المهمة مع أنفسنا، ضعي يدك في يدي لننهض سريعًا.

 

أختي الحبيبة.. أين أنتِ مع الله؟ أين أنتِ مع نفسك؟ أين أنتِ مع زوجك وأولادك؟ أين أنتِ مع أخواتك؟ أين أنتِ مع المجتمع؟ فالتغيير يبدأ من النفس.

 

وقد قال شيخنا الأستاذ حسن الهضيبي رحمه الله: "أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم تقم على أرضكم"، أردتُ- أخواتي وبناتي- قبل أن نتحدث عن إدارة الحلقة التربوية أن تستشعر مرةً أخرى أهميتها في حياة الأخت، وكم هي مسئولية على عاتق المربية، يقول الرسول- صلى الله عليه وسلم-: "ما من عبدٍ يسترعِه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرَّم الله عليه الجنة".

 

وأشار الإمام الشهيد إلى هذا المعنى بقوله: "ليس للأمة عدة في هذا السبيل الموحشة إلا النفس المؤمن والعزيمة القوية الصادقة والسخاء بالتضحيات والأقدام على الملمات، وبغير ذلك تُغلب على أمرها ويكون الفشل حليف أبنائها.

 

فالمسئولية عظيمة لعظم الأهداف التي نسعى إليها، فالله غايتنا، والتمكُّن لدين الله هو الهدف، ولا يتحقق هذا إلا بالبناء المتين للأفراد، والفرد هو الأساس ثم البيت ثم المجتمع، ولكي يكون المجتمع نموذجيًّا لا بد أن تكون بيوتنا نموذجيةً، ولكي يكون البيت نموذجيًّا لا بد من مقوماتٍ للفرد، فالحلقة التربوية هي التي تُحقق مقومات الفرد، والتي أشرنا إليها في المثال السابق.

 

ويبدأ دور المربية في اللقاء التربوي بحسن إدارته ومتابعة المنهج التربوي، علمًا بأن المنهج التربوي هنا عبارة عن جزءٍ منه يدرس مع النفس لتعويدها على التربية الذاتية، وجزء منه مع الناس (أي أفراد الحلقة) وجزء آخر في حلقات المسجد مع أخواتنا الحبيبات.

 

ولكل جلسةٍ وكل لقاء آداب وسمات وعلى قدر الالتزام بالآداب والسمت الجميل أثناء أي لقاءٍ تكون الفائدة والنجاح ويظهر المردود التربوي للمنهج على الأفراد.

 

آداب اللقاء التربوي

1- إخلاص القصد والنية لله وتجديد التوبة والاستغفار من كل ذنب؛ لأن العلم لا يسكن إلا في القلب الطاهر.

2- تفريغ النفس من الماديات والتعلق بالدنيا لتهيئة النفس قلبيًّا وذهنيًّا لاستقبال الخيرات والحسنات.

3- الانضباط في موعد الحضور من البداية حتى النهاية احترامًا لهذه النعمة.

4- الانضباط داخل اللقاء في الكلام والتعبيرات والصوت وعدم مقاطعة المتحدث.

5- الإنصات والاستماع وعدم الأحاديث الجانبية واحترام تعليق الآخر.

6- الالتزام بأدب الحوار والحرص على المشاركة في الحديث وعدم الانعزالية.

7- احترام المربية لا يمنع المناقشة والاقتراح والنقد البناء وحسن استقبال التوصيات والتوجيهات.

8- استشعار روح الأخوة وروح الفريق الواحد، فأخواتي إن لم أكن بهنَّ فلن أكون بغيرهن.

9- تحقيق معنى.. المسلم مرآة أخيه.. أقبل التوجيه والنصيحة بصدرٍ رحب قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3) (العصر).

10- المداومة والمواظبة على الحضور لقاء التربية من أولويات الواجبات الدعوية، وأحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل.

 

إدارة اللقاء التربوي سواء قبل أو أثناء أو بعد

أولاً قبل اللقاء:

1- تحديد الموعد والمكان المناسب للأغلبية.

2- تجديد النية، قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110)﴾ (الكهف).

3- صلاة ركعتين قضاء حاجة قبل اللقاء والدعاء بالتوفيق ولا تنسي أننا نتعبد بهذا العمل لله.

4- تذكري طبيعة وظروف كل شخصية وما يناسبها من معاملة وما تحتاج من تذكرة.

5- تحضير جدول الأعمال مع ترتيب أولوياتها.

6- العزم على الابتكار والتجديد في كل جلسة.

 

ثانيا: أثناء اللقاء:

مع العلم بان اللقاء التربوي تُقسَّم فقراته على أسبوعين أسبوع الزاد وأسبوع التحسن.

 

أولاً: أسبوع الزاد بعد البشاشة وحسن الاستقبال.

- بداية ربانية: تلاوة القرآن- الدعاء- استحضار النية والتذكرة بأن جلستنا تحفها الملائكة وهي إحياء لسنة الرسول.

- تقديم وتذكرة في دقائق ببعض أهداف اللقاء والتوصية بالدعاء للأخوات الغائبات لعل المانع خيرًا.

- فقرات المنهج المقترح مع الحرص على التحضير والعرض الجيد الذي يتناول الهدف المعرفي والوجداني والسلوكي مع ربط المادة بالواقع العملي.

- متابعة الواجبات العملية السابقة وتحديد الواجبات الجديدة.

- السؤال لمَن عنده أي مشكلة تربوية- دعوية- أسرية وحلها دون المساس بخصوصيات الأخت.

- تكليف كل أخت بمهمة واضحة ومحدودة.

 

ثانيًا: أسبوع التحسين:

وهو فرصة لتسهيل ما صعُب على الأفراد من دراسته جزء مع النفس وفقراته:
- بداية ربانية: قرآن- تفسير- دعاء- حفظ.

- متابعة الفقرات التي قرأتها الأخت مع نفسها سواء سيرة أو فكر أو غيره والوقوف عند الواجبات العملية المستفادة من الفقرات.

- فتح الملف الدعوي، والذي يحتوي على:

* متابعة دقيقة لكل فردٍ في مدى أثر المردود التربوي لما يدرسه في حياتها كزوجة وأم وابنة وأخت.

* متابعة حركتها مع المجتمع وتأثريها على مَن حولها.

* دراسة ما يحتاجه الأفراد من برامج تربوية تكميلية.

 

بعد اللقاء:

استرجاع ما تم في المرة السابقة، تفقد الغائب والسؤال عنه، تقييم اللقاء وحصر الإجابيات والسلبيات مع علاجها في اللقاءات السابقة.

 

والآن أمامك بعض الموقف قد تحدث في اللقاء فكيف تتصرفين فيها.

 

1- حول أسبوع الزاد وأسبوع التحسين:

اعترضت أخت قائلة: إن هذا النظام يزيد عدد مرات خروجنا من البيت مما يُسبب تقصيرنا في بيوتنا:

1- لا توافقيها تمامًا وتقولين لها: هذا أمر من أعلى وعلينا السمع والطاعة.

2- توافقيها مبدئيًّا، ولكن تُذكريها بأهمية عمل خطة لترتيب الأولويات في العمل الدعوي والمنزلي.

3- لا توافقيها وتشرحي لها ماذا يُراد بالزاد والتحسين، ولماذا كان هذا النظام وأهميته.

 

2- بكوا للتخفيف وبكينا للتكليف:

طلبتِ من أخواتك أن يقمن جميعًا بتحضير كل الفقرات حتى يكن جميعًا على الاستعداد لعرض أي فقرة، فقالت إحداهن إنها تحضر اللقاء للاستفادة، ولكن لا تستطيع التحضير لضيق الوقت..

 

1- فيكفي أن تُبلغيها أن هذا لا يتفق مع نظام السير في المنهج.

2- تذكريها أن بعض الصحابة- رضوان الله عليهم- من الفقراء ولم يجدوا ما يشاركون به في الغزوة فذهبوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليحملهم فقال: لا أجد ما أحملكم عليه، فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنًا ألا يجدوا ما ينفقون.

3- تقبلين عذرَ مَن اعتذرت عن عدم التحضير؛ حيث لا وقت عندها؛ لأن الجماعة حمَّلتها بمسئوليات كثيرة.

4- اعتذرن جميعهن عن عدم التحضير واقترحن أن يقرأن كل الفقرات معًا في لقاءٍ ليفهمنها ولا داعي للتحضير المسبق فتخضعين لرأيهن.

5- لديك حل آخر.

 

3- يوم التحسين يعني أنه:

1- فرصة لعرض أخبار وأحوال الأخوات بالتفصيل حتى يغطي ما لا نعرفه عن أخواتي لتحقيق ركن التعارف.

2- فرصة لتدارس الملف التربوي والدعوي، وما قد طُلب مني من تكاليف دعوية (دعوة فردية مثلاً).

3- فرصة لتدارس ما صعُب علينا من واجبات عملية، سواء الحالية أو السابقة.

4- فرصة لتحسين علاقاتي بأخواتي فنجعله مفتوح الفقرات تحقيقًا لرغبات كلٍّ على حدة.

5- فسحة للتعاون المفتوح مع القرآن الكريم (تلاوة- تجويد- تفسير) وكذلك السيرة.

 

4- حتى لا تكون فقرات (رياض الجنة) يوم الزاد ذات رتابة عليك أن:

1- تنفيذ الفقرات بدقة شديدة بحيث تكون فصلاً دراسيًّا منضبطًا.

2- أواظب على فقرة استعراض المشكلات الشخصية في حدود 20 دقيقةً في كل يومٍ زاد.

3- أجعل منه وقتًا كمحطة يقف فيها الفرد لمراجعة ما قدَّم لدعوته في الأسبوع الماضي ويتعهد في الأسبوع القادم ما يقوم به.

4- أعطي فقرات متعددة من باب مع الناس حتى لا يكون هناك ملل، بحيث أستغل كل الوقت في عدة فقرات.