فكل الفلسطينيين وُلدوا من رحم المعاناة، احتلت أرضهم وصودرت بساتينهم وأشجارهم، وهُجروا، وشُردوا، وضاقت بهم الأرض في أحيان كثيرة واتسعت في أخرى، فلا تتقابل العائلات الواحدة لأعوام وربما لعقود، (موسى أبو مرزوق حُرم من رؤية أمه 30 سنة حتى قاربت العجوز المائة).
ومن مشاهد العار التي ستُكتب في سجل التاريخ أن الفلسطينيين على اختلاف هوياتهم كانوا أهدافًا للقتل بدم بارد بالصواريخ والأباتشي، استُهدف جمال سليم وجمال منصور في عمارة سكنية، وتقاطع صاروخان على مقعد أبو علي مصطفى، ودُمر حي الدرج بنسائه وأطفاله لاغتيال صلاح شحادة، واغتيل الرنتيسي والمقادمة وإسماعيل أبو شنب في ساعات الذروة وسط الزحام وبين العوام، واستُهدف الشيخ ياسين فجرًا بين المصلين!!، قُصفت غزة بأطنان الذخائر وتستباح الضفة جهارًا نهارًا!.
كل ذلك والعالم الذي يدعي التحضر يخفي ناظريه، وإذا تكلم يطفح بالكراهية والحقد، والتبرير والزعم!
الحقيقة أن الفلسطينيين كانوا دومًا وحدهم لا ناصر ولا معين لهم، إلا من خلال التأرجح بلا وعي من دولة لأخرى، فكلهم بالقضية الفلسطينية يساومون، ويرتدون لباس الزعامة وقناع الحكمة.
أليس كل ذلك مدعاة للتقارب، وسبيلاً للتوحد؟ بلى والكل يدرك ذلك؛ لذا استبشر كثيرون من تكوين اللجان وتنظيم اللقاءات، وتوزيع الابتسامات فكلها علامات أعطت جرعات من الأمل ودفعات من الطمأنينة..
ربما على عكس الكثيرين وأكاد أجزم: أنا لا أتوقع من ذلك كله شيئًا؛ فالسلطة المترهلة بالفساد، الحالمة بالتاج، لن تقدم تنازلات، ربما تثرثر بعبارات التسامح نهارًا، وتفرط في إعطاء الوعود والعهود، لكن ليلاً لا تتوقف المداهمات والاعتقالات والاتصالات المشبوهة مع العدو الأحقر في التاريخ، لم ولن تتوقف المقابلات مع الجناة وأيديهم ما زالت تقطر بالدم، ثم الاشتراطات تصب في خانة التصعيب والتشديد، وإلا فما معنى أن يطلب البهائي المنتهية ولايته أن تعترف حماس بشروط الرباعية؟!.
هل أوقفت الرباعية عنه عدوانًا أو تصدت لمظلمة أو أعادت حقًا؟!، هل استنكرت مداهمات واعتقالات أو شجبت بناء مستوطنة أو تجريف أرض؟!، هل يتوقعون أن تبيع حماس كما باعوا وتتورط كما تورطوا؟!.
الكل يدرك أن احتفالية الشرم كرنفالاً هزليًّا بحق، وأن استحقاقات الضحايا لم تكن حافزًا للتجمع؛ فالضحكات والغمزات واللمزات لا تليق بمتطلبات الإغاثة والإعمار يدلل على وجود قتل وهدم!
الكل يدرك أن الاحتفاء بعباس وكَيْل المدح له والثناء ما هو إلا انقلاب على اللجان واللقاءات والتفاهمات، وتدمير لمشروع الوحدة والمصالحة.
ربما أزعم أن رسم خريطة إعادة الإعمار وتسييس معاناة أهل غزة خطة تم التوافق عليها بعد نفاذ بنك الأهداف الصهيونية، وفشل عمليات القصف أثناء البحث عن مخرج سياسي من مستنقع غزة.
كما أزعم أن الذي خان في الضيق والعسر وتواطأ في الدم لن يجد حرجًا في العودة على أطنان الحديد والإسمنت، بعد أن فشل في العودة على دبابة كيت دايتون أو قاذفات الاحتلال.
هم تاجروا في الإسمنت وأوصلوه للاحتلال لبناء الجدار العازل الذي قطَّع الأرض وفتتها ومزقها، واغترفوا من أموال المعونات والهبات وثبتوا أقدامهم في آبار الفساد ووحل الخيانة.
قد تغفر حماس لهم التواطؤ والجاهزية على حدود رفح لاجتياح غزة واستعادة السلطة بضمان الاحتلال ومباركة الأعوان، قد تغفر حماس الردح والقذف أثناء المذابح وكَيْل الأكاذيب وبث السموم والإشاعات، لكنها لن تعيد إليهم السلطة وتنقلب على استحقاقات النصر؛ فالمنتصر يفرض شروطه والطابور الخامس يتراجع خيبة.
من حق الولايات المتحدة والكيان الصهيوني ومصر والاتحاد الأوروبي أن يطلبوا عباس نموذجًا لا يرضون عنه بديلاً، فما يمثله من ضمانة لمصالحهم تستوجب تاجًا وعرشًا ونفخًا حتى دوي الانفجار!
لكن عباس لن يرضى بأقل من أموال الإعمار يسيل عليها لعابه ولعاب الشرذمة من حوله، ولن يرضى بأقل من غزة يبسط عليها نفوذه بعد أن زاحمه الاحتلال في الضفة، والقادم نتنياهو سيبني عليها عشرات الآلاف من الوحدات الاستيطانية ويسمح له على فتاتها بكردون منقوص السيادة، وحلفاؤه لن يرضوا بمصالحة!
فأيهما أسهل: الانقلاب على حماس والعالم كل العالم معه؟!، أم مجابهة نتنياهو وحده؟!.
يدرك عباس أنه فرس رهان واهن وضعيف، كما يدرك- رغم ضعف بصيرته- أن كم الرهان كله عليه؛ لذا لن يجد غضاضة في أن يطلب استئصال المنافس وقتله وقضمه، أما حماس فهي وجبة عصية على الهضم.