حلقة من حلقات مسلسل الموت والدمار في غزة، تلك الحزينة على فراق أحبتها، لم تتوقع هول وقسوة المشهد، أما حالهم اليوم فلا يحسدون عليه.. أحاديث يتداولها الشارع الغزي عن كيفية وطرق التخلص من تداعيات الحرب، ففي كل بيت مأساة تحمل الكثير من المعاناة، لم تختلف المعادلة أمام شعب عرف صياغة مفاهيم المقاومة والقوة، فإذا كنت أنت من سكان هذا المنطقة المحاصرة فاعرف يقينًا أنك هدف مشروع لـ"إسرائيل"؛ الذي حدث في غزة لم يكن كارثة طبيعية أو مشهدًا سينمائيًّا، بل كان نتيجة كيان احتلالي صاغ نظرية ممنهجة؛ ألا وهي نظرية "لا بشر لا حجر لا شجر".

 

بداية المشهد

من خلال مسيرنا في بلدة خزاعة الحدودية شرق محافظة خان يونس قد يتيقَّن الناظر إلى مشاهد الدمار أن زلزالاً أو إعصارًا أو ريحًا مدمِّرةً ضرب البلدة، ولكن الواقع عكس ذلك، والفاعل واحد، إنها "إسرائيل"، تلك الغدة المزروعة وسط قلب عربي، ففي إحدى الليالي الظلماء شنَّت المدفعية الصهيونية والطائرات الحربية حربًا جويةً وبريَّةً شرسةً على تلك البلدة الصغيرة التي استُشهد فيها أكثر من عشرين مواطنًا، من بينهم أربع نسوة وثلاثة أطفال، بالإضافة إلى عشرات الجرحى، منهم المقطعة أرجلهم، والمشلولة أجسادهم.. هكذا هي سياسة إسرائيل التي يعتبر الكثيرون أنها ديمقراطية!.

 

فأين الديمقراطية في جيش أعدم النساء والأطفال في بيت لاهيا؟ وأين الديمقراطية في شعب أرسل أطفاله لكتابة رسالات الموت على قذائف جيشه ليرسلوها إلى نظرائهم في الجانب الآخر من الحدود لتفتت أجسادهم إلى قطع لحم؟!

 

عدم اكتراث بقوانين حقوق الإنسان

ليس غريبًا على أقوى ثاني جيش في العالم أن يفعل أفعالاً يندى لها الجبين، ففي تلك البلدة استخدم قنابل الدايم وقذائف الفسفور الأبيض الحارق الخارق للجلد لتستهدف بيوت الآمنين بشكل واضح للعيان؛ ليس كما تزعم هيئة أركان جيش "إسرائيل" أن الفسفور الأبيض المستخدم هو لغاية فتح الطريق أمام قوات جيشه، فالحقيقة كانت واضحةً أمام الجميع حتى أمام أمين الأمم المتحدة "كي مون"، لكن وكما هي العادة فيتو أمريكي بانتظار كل قرار ضد "إسرائيل" تلك معادلة القانون الدولي المصطنعة أمريكيًّا بالوكالة عن "إسرائيل"، معادلة جديدة رسمتها قوى الشر المتآمرة ضد العرب متعمدة من قبل "إسرائيل" في تعاملاتها العسكرية والسياسية مع الوضع الراهن.

 

لوحة جميلة

شهداء مقطعو الأطراف، بيوت مقتلعة أساساتها، وأشجار خاوية الثمار، أطفال ينشدون نشيد بطولات شعبهم، مدارس مدمَّرة على همجية إسرائيل، طلاب عِلم يسيرون على درب أقرانهم الشهداء.

 

واللوحة الجميلة في ذاك الفصل في مدرسة البلدة الثانوية؛ حيث أربعة شهداء من طلاب فصل واحد اقتلعتهم "إسرائيل" بطريقة واحدة "قصف من طائرات الاستطلاع" ومن بلدة واحدة "بلدة خزاعة شرق خان يونس" ومن عمر واحد "العمر 17"، ومن بلد واحد "فلسطين"، وإن تشابهت أو اختلفت طرق استشهادهم فموتهم واحد، أما أسماؤهم "ممدوح ونبيل وعبد الله وأسامة"؛ شهداء سطَّروا أروع آيات التحدي والبطولة في مواجهة آلة الحرب المسعورة.

 

لا تمييز بين هذا وهذا

استشهد الفتي محمد جميل قديح.. استشهد الشاب ممدوح أبو روك.. استشهد الطالب عبد الله أبو روك.. استشهد المسن محمود النجار، استُشهدت المواطنة روحية النجار في نفس القرية؛ فهؤلاء الشهداء يشهدون على عدم تفريق الاحتلال، فالطفل مستهدف، والشيخ مستهدف، والأم مستهدفة، والشباب مستهدفون، وقد يجول في ذهن العديد من العرب عن ماهية القوانين التي تحكم تلك الجرائم.

 

ففي حديثنا لأحد المواطنين من البلدة أضاف قائلاً: حين يقتل "إسرائيلي" برصاص فلسطيني أو صاروخ في داخل أراضينا المحتلة عام 1948؛ فإن الدنيا ستقوم علينا ولن تقعد، أما عندما يسفك دم طفل وأم صابرة فإنه حدث عابر لا يستحق التعليق عليه، فأين محكمة لاهاي؟! وأين منظمة العفو الدولية؟! سؤال يطرح نفسه على مصراعيه بانتظار إجابة من هنا أو هناك.

 

خداع منذ القدم

خداع مكشوف الوجه، زيف حقائق، اللعب تحت الطاولة، عدم وفاء بالعهود، الغدر والخيانة، هذه سمات اليهود منذ أن وُجِدوا على هذه الأرض، لقد عاثوا في الأرض فسادًا ودمارًا.. أين أخلاق ذاك الجيش المزعوم بديمقراطيته الزائفة، هنا في بلدة خزاعة حادثة شعواء ارتكبها جنود القناصة الصهاينة، حادثة يسرد محتواها المواطن محمد النجار، فيقول: "في الوقت الذي اشتدت فيه المعارك وأصوات الانفجارت والقذائف لم تشفع صرخات الأطفال البريئة ولا إشارات النساء الثكالى لهذا العدو أن يقتلهم ويفرق شمل أوصالهم، بدأت الحكاية عندما طلب الجنود من المواطنين جميعًا الخروج من مناطق سكنهم باتجاه مدرسة القرية الابتدائية، لم يتوقع المواطنون هذا القرار "الإسرائيلي" بالإفراج عنهم من وسط هذا المنطقة المحاصرة.

 

ولكن وألف لكن لم يكتمل خروجهم، فإذا برجال القوات "الإسرائيلية" الخاصة تنهال عليهم بالقذائف والرصاص من كل صوب وحدب لتوقع خمسة شهداء بينهم ثلاث نسوة وعشرات المصابين، لم تنته الحكاية، بل وأبقت الشهداء على الأرض والجرحى ينزفون دماءً بل مسكًا يروي الأرض.

 

حتى المستشفيات لم تسلم

مستشفى الشفاء، ومستشفى الوفاء، ومستشفى ناصر، ومستشفى الأوروبي كلها كانت شاهدةً على الهمجية الصهيونية اللا محدودة، إذا نظرت إلى أي مستشفي في العالم ستجد الحصانة التي يتمتع بها من توفير للحماية والمواد الطبية والمستلزمات الصحية، أما في غزة فقصف متعمَّد ومباشر من جميع أنواع الطائرات على المراكز الصحية، فدماء خمسة عشر من كوادر وزارة الصحة الفلسطينية كانت شاهدةً على هذا الاستهداف الوحشي خلافًا لما تقول به "إسرائيل" إن سيارات الإسعاف الفلسطينية كانت تحمل مجموعات مسلحة، فأين هم إذا كانوا كل الشهداء من عناصر وأطباء الصحة؟!

 

في غزة حتى مخازن وكالة الغوث المقربة من "بان كي مون" أحرقت عن بكرة أبيها لتبيد آلاف الأطنان من المساعدات والمعونات والوقود.

 

ذهبت سحابة الحرب ولم ينقشع الضباب

وأخيرًا انتهت "إسرائيل" من حربها القذرة، ولم تنتهِ من حربها السيكولوجية، فغزة اليوم أصبحت أكثر قوةً مما كانت عليه من قبل، وهذا يتوافق مع الطالب نبيل إشنينو؛ الذي يضيف قائلاً: "إن هذه الحرب زادتنا قوةً وصلابةً من حديد، فمظاهر الحرب والقصف والدمار أصبحت مشاهد عادية، فلن نستغرب أو نفجع إذا طلَّت علينا مرةً أخرى.

 

فالقلوب في غزة تخفي بين خلجاتها معاناة ومآسي، والمساجد ما زال يُذكر فيها اسم الله إيذانًا ببداية جديدة أفضل من سابقاتها، جاء فصل الشتاء وآلاف البيوت مهدمة فسكانها التحفوا السماء والأرض لا حول لهم ولا قوة إلا الله!!.