د. حسن يوسف الشريف

تم الإعلان منذ فترة على أن يكون عام 2009م "القدس: عاصمة الثقافة العربية"، وتصورتُ أن الحكومات العربية كتعبيرٍ عن تقصيرها في حقِّ القدس عليها أنها ستسخر إمكانياتها المادية والإعلامية والسياسية والدبلوماسية والثقافية لتحمل (العالم كله) على الاقتناع بأن القدس عربية، وإذا بالفاجعة بأن الاهتمام بالمناسبة على المستوى الداخلي العربي هزيل، وتذكرت أن كل قضايانا عادلة ولكن محاميها ضعيف!!!، فكيف ينصر قضايانا حكومات ضعيفة الفهم، ضعيفة الإرادة؟!!.
أكبر الظن عندي أن الجانبَ الثقافي للدبلوماسية العربية لا يهتم كثيرًا بقضية القدس، خاصةً وفلسطين عامة، وهذا للأسف واضح لا يحتاج إلى إثبات، وإن كان للبعض إسهامات، فهي لا ترتقي إلى الواجب الشرعي والقومي تجاه قضية يجب أن تكون محور السياسة العربية. إن كانت هناك سياسة عربية أصلاً!!!.
وإذا خرجنا من دائرة الحكومات إلى دائرة المفكرين ثم دائرة المثقفين فسوف تلاحظ نفس الضعف داخل صفنا العربي في حمله لقضية القدس واهتمامه بها، وبالمناسبة أذكر الجهد المشكور الذي قام به المفكر والمجاهد المرحوم الدكتور (عبد الوهاب المسيري) في موسوعته عن الصهيونية، وكان المظنون أن السفارات العربية ووزارات الخارجية العربية والإسلامية ستساعد إن لم يكن في طبعها، ففي شرائها لتكون مرجعًا ثقافيًّا للدبلوماسية العربية للتعرف على أعظم قضية وأخطر عدو للعرب، ولكن لم نجد هذا وأيضًا لم يهتم بها المفكرون والمثقفون العرب.
ولفت نظري الأسبوع الماضي خبر من جهة الاتحاد الأوروبي- رغم نفاقه ضد قضايانا- يصرح بأن إسرائيل أسرعت من وتيرة تهويد القدس خلال العام الماضي 2008م، ورغم أنه تم خلال الشهر الماضي (فبراير 2009م) انهيار مدرسة البنات الثانوية العربية بحي سلوان بمدينة القدس؛ نظرًا للحفريات الصهيونية تحت المسجد الأقصى وما حوله، وتهديد عشرات الأُسر العربية بهدم منازلها هناك، وإعلان الصهاينة لحفر نفقين آخرين تحت المسجد الأقصى، ومع ذلك فالحكومات العربية لم تتحرك لا بقوة ولا بضعف تجاه هذه الاعتداءات الصهيونية!!!، وحتى لم يسمحوا لشعوبهم بالتظاهر في الشوارع لمَن أراد؛ لأن المظاهرات حرام عند فكرهم السقيم، الذي يسوقنا في صمت نحو الانهيار على المستوى العربي والإسلامي، وهو ما يتفق مع الإستراتيجية الصهيونية التي تطالب بالقضاء على كل مَن يقف في وجه مشروعهم الصهيوأمريكي في المنطقة سواء أكان قوميًّا أو إسلاميًّا (مكان تحت الشمس، نتنياهو).
يجب على حكوماتنا وشعوبنا أن يعلموا أن إسرائيل جادة في هدم المسجد الأقصى ولكن بطريقة الانهيار بسبب كثرة الحفريات والأنفاق التي تجري تحته، ويعلنون ذلك من أجل بناء هيكلهم مكانه، تقول الكاتبة الأمريكية (جريس هالسل) السكرتيرة الصحفية للرئيس الأمريكي الأسبق (جونسون) في زيارة قامت بها إلى مدينة القدس: "وصلنا إلى الحرم الشريف الذي يضم قبة الصخرة والمسجد الأقصى، وهما يمثلان أكبر الصروح الإسلامية قدسية في القدس، فقال لنا الدليل الصهيوني، وهو يشير إلى قبة الصخرة وإلى المسجد الأقصى: هناك سنبني الهيكل الثالث، لقد أعددنا جميع الخطط لبناء الهيكل، كما قابلت عالم الآثار الأمريكي (جوردن فرانز- وهو من نيوجرسي)، والذي أمضى عامين مقيمًا في معهد "الأرض المقدسة" بالقدس، وسألته: أين كان موقع الهيكل قبل 2000 سنة كما تعتقد؟ فرد قائلاً: إنني لا أعرف ولا أحد يعرف، كل ما نعرفه هو أن كل أولئك الذين يقولون: إنهم يريدون بناء الهيكل، إنما يريدون في الدرجة الأولى تدمير المسجد الأقصى" (النبوءة والسياسة، ص 109).
لقد أكمل اليهود خطتهم بتهويد القدسي ليصبح العرب فيها أقلية قليلة وتصبح الغالبية العظمى من السكان اليهود، وبعد زراعتها بالعديد من المغتصبات، والتي بلغت 80 مغتصبة، ولم يبق إلا ساحة المسجد الأقصى يريدون تقسيمها مع العرب!!!.
والحكومات العربية في نوم عميق كأن قضية القدس وفلسطين تهم الفلسطينيين وحدهم، وكأن القدسَ ليست عاصمة إسلامية ولا المسجد الأقصى هو ثالث المساجد المقدسة في الإسلام.
للأسف لا توجد إستراتيجية عربية لتحرير القدس من الاحتلال الصهيوني لها، رغم أن الدولة العربية معها من الوثائق والحقائق ما لو استخدموه بتخطيط جدي مع توزيع الأدوار لزلزلوا الكيان الصهيوني معنويًّا على الأقل والدول الإسلامية على استعداد للتعاون مع الدبلوماسية العربية في ذلك الموضوع.
* إن قرار الأمم المتحدة 181/1947 والخاص بتقسيم فلسطين إلى دولتين جعل مدينة القدس دولية.
* ثم جاءت توجيهات الوسيط الدولي الكونت (برنادوت) بأن القدس يجب أن تتبع الدول العربية.
* ثم جاءت القرارات الدولية 242/1967، 338/1973، لتؤكد عروبة القدس.
* عند تقديم إسرائيل أوراقها كعضو بالأمم المتحدة عام 1949م اشترطت عليها ثلاثة شروط لتصبح عضوًا بالأمم المتحدة:
1- وهي احترام قرار التقسيم.
2- عدم المساس بوضع القدس.
3- عودة اللاجئين العرب إلى ممتلكاتهم وديارهم.
ورغم كل هذه القرارات فإن العرب لم يتحركوا من خلال الجمعية العامة للأمم المتحدة لفضح إسرائيل بأنها لا تستحق أن تكون عضوًا بالأمم المتحدة؛ لأنها لم تطبق شروط عضويتها، وأنها تقف ضد الشرعية الدولية في عدم تطبيق قرارات صادرة من الأمم المتحدة ومجلس الأمن، ومؤكدةً بعشرات القرارات التالية.
إن من مظاهر طفولتنا السياسية أننا لم نعقد قمة عربية أو إسلامية لمناقشة انسحابنا من الأمم المتحدة، ولو كمناورة سياسية لماذا يحرص العرب على عضوية الأمم المتحدة؟، إننا الشعوب الوحيدة التي أضرَّت الأمم المتحدة بقضاياها العادلة، فلماذا الخوف من الانسحاب منها أو تعليق عضويتنا بها لحين ضغط الدول العظمى ودول العالم على "إسرائيل" لتنفيذ القرارات الدولية التي صدرت بشأن قضية فلسطين والقدس؟!!.
إن تخلي العرب عن خيار المقاومة واعتمادهم السلام خيارهم الإستراتيجي الوحيد في سياسة الصراع مع الكيان الصهيوني قد جعل الكيان الصهيوني يسارع وبقوة عن طريق فرض الأمر الواقع في تهويد القدس، وتعطيل المفاوضات وإشعال الحروب كل فترة مع ما تبقى من مقاومة شعبية (جنوب لبنان وغزة)، بعد خروج الجيوش العربية من معادلة الصراع، كل هذا قد شجَّع قادة إسرائيل على أنهم يريدون هدنة طويلة الأمد ولا يريدون سلامًا!!!
وهذا ما صرَّح به بعض ساسة الغرب الذين يعرفون نوايا الصهيونية، فأثناء المفاوضات العربية مع إسرائيل بعد عام 1973م، وفي مقابلة بين السفير المصري في فرنسا يومها (نجيب قدري) مع وزير الخارجية الفرنسي (ميشيل جوبير) عبر الأخير أنهم غير متفائلين بشأن التوصل إلى سلام دائم، وأن السبب هو اقتناعهم بأن "إسرائيل" لا ترغب في سلام، ولكن ترغب في هدنة ممتدة. (المفاوضات السرية، هيكل، ج2، ص230).
نعم.. إن إسرائيل لا تريد سلامًا إنما تريد هدنة ممتدة فمتى نفهم ذلك؟، على العرب أن يفهموا أنهم إذا لم يمتلكوا القوة بكل وسائلها حتى النووية فإنهم لن يحصلوا على السلام ولن يحصلوا على القدس.
فعلى العرب أن يعتقدوا هذا: إذا كانوا مستعدين فعلاً للحرب إذا لم يحصلوا على حقوقهم، فسوف يحصلون على حقوقهم وسوف يحصلون على السلام، وأما إذا كانوا يريدون السلام بدون الاستعداد للحرب فلن يحصلوا على السلام، ولن يحصلوا على حقوقهم!!!
هذا هو الطريق إلى القدس.. والطريق إلى السلام: أن نملك القدرة على الحرب لنستحق أن نوهب السلام ونوهب القدس معًا، أما باستمرار سياسة الضعف العربية فستستمر إسرائيل في ابتزازنا بترسانتها النووية وستظل ترفع شعارها المفضل وهو "السلام مقابل السلام"، وتراجع شعار "الأرض مقابل السلام"، بعد تدميرهم لجبهة الصمود والتصدي العربية، فهل يستيقظ العرب لتفعيل "معاهدة الدفاع العربي المشترك" ويدعموا بكل قوة المقاومة في لبنان وفلسطين؟!!.