- د. محمود خليل: عدوى التجاهل باتت واضحةً في الإعلام
- جمال فهمي: التواطؤ الدولي والإقليمي وراء ضبابية المشهد
- د. صفوت العالم: الأخبار تظل موسميةً حتى وقوع حادث جلل
- محمد صلاح: العراق لم يعد بها جديد للنشر وأحداثها معتادة
تحقيق- إسلام توفيق:
"6 أعوام على احتلال العراق.. تعني أيضًا 6 أعوام على التعتيم الإعلامي لما يجري في العراق".. هذا هو الحال الفعلي للتغطية الإعلامية الصحفية المرئية والمسموعة والمقروءة لما يجرى في العراق منذ بداية الحرب حتى الآن، فعلى الرغم من التفوق العربي من الناحية الإعلامية في الشهور الأولى للحرب والدور الذي لعبته وسائل الإعلام هذه في إبراز الهمجية الأمريكية في احتلال العراق، والتجاوزات الفجَّة في سجون أبو غريب، إلا أن كل هذا أصبح الآن في طي النسيان بعد التعتيم الكامل عن أخبار العراق وكأنها أخبار درجة ثالثة.
فقد ثبت في كثيرٍ من الصحف والإذاعات والفضائيات، والتي تبث برامجها وتقدم تحليلاتها على مدار الساعة في الفترة الأخيرة أن هناك تواطؤًا مكشوفًَا من قِبل هذه الوسائل مع جهاتٍ معينة القصد منها التعتيم على ما يجري لإيقاف المسيرة ومحاولة التضليل عليها وإبعاد الرأي العام العربي عن بعضِ الحقائق الموجودة ليكتفي بنقل السلبيات وإثارة النعرات الطائفية وتسليط الأضواء على طرفٍ دون آخر واعتبار أحدهما ضحية والآخر يُمثِّل دور الجلاد.
فضلاً عن الأشياء التي لم يتم الإعلان عنها في وسائل الإعلام، كما ظهر ولم ينتشر بعد سقوط النظام من مقابر جماعية واضحة للعيان تحتوي على مئات الآلاف من العراقيين بمن فيهم الشباب والأطفال والنساء والشيوخ والعالم صامت لا يدري ما يحدث نتيجة التعتيم الإعلامي الواضح والتواطؤ المكشوف لبعض الجهات التي باعت ضمائرها بحفنة من الدولارات.
![]() |
|
صمت مخزٍ أمام المقابر الجماعية التي ترتكب بحق العراقيين |
وعلى سبيل المثال فبعد تعاون بعض الأنظمة العربية مع الأمريكان ضد العراق وعدم مراعاتها حرمة لدم أخٍ في الدين والقومية وفتحت حدودها ومطاراتها وموانئها لقوات الاحتلال، فما زالت تواصل وبمختلف الوسائل مشاركتها للولايات المتحدة من خلاله إلى إنكار الفعل المقاوم والجهاد البطولي لشعب العراق في قهر الغزاة.. إذ إن النصر الناجز والكامل لا يتحقق من دون إعلام فاعل يكشف حقيقة الفعل الجهادي المتصاعد والمستمر للمقاومة، لتصبح الصفحة الجديدة من التآمر لبعض الأنظمة العربية الخانعة لإدارة الشر الأمريكية هي التعتيم الإعلامي المتعمد على معظم فعاليات وأنشطة المقاومة العراقية الباسلة وتجاهل نشر بياناتها عن العمليات القتالية ضد الاحتلال وإغفال الكثير من الحقائق عن واقع مأساة الشعب العراقي التي خلقها الاحتلال وأعوانه من الخونة المجرمين ترضيةً لأمريكا، فضلاً عن انحراف الفضائيات العربية التي كانت تتناول أخبار المقاومة العراقية من منطلقات مهنية صرفه عن سياستها الإعلامية وإجبارها على التعتيم على معظم فعاليات المقاومة.
كما دأبت معظم وسائل الإعلام العربية والفضائيات على استخدم مصطلحات إعلامية فيها الكثير من التلوين والتضليل الإعلامي فأصبحت تُسمَّى "المقاومة الباسلة" في العراق بالمتمردين أو المسلحين، أما أبناء العراق الذين يقتلون على يد قوات الاحتلال، فلم يعودوا شهداء، بل ضحايا مدنيين، وإذا ما عرضت إحدى القنوات الفضائية العربية فيلمًا مصورًا عن نشاطات المقاومة المسلحة قالت لم يتسنَ لها تدقيقه من مصدر مستقل، بهدف إضفاء نوع من التشكيك وعدم المصداقية.
(إخوان أون لاين) يطرح على خبراء الإعلام المرئي والمسموع والمقروء التساؤل عن السبب وراء اختفاء الأخبار العراقية على الساحة الإعلامية، وأسباب هذا التحول، خاصةً بعد أن أثبت الإعلام العربي جدارته في التغطية الإعلامية للحرب في السنتين الأوليين.
عدوى
د. محمود خليل

في البداية يقول الدكتور محمود خليل الأستاذ بكلية الإعلام جامعة القاهرة إنه لوحظ خلال التغطية الإخبارية للفضائيات أو الجرائد في الحرب الصهيونية الأخيرة على غزة أن هناك حالةً من التركيز في تغطية الحدث، خاصةً الجوانب الإنسانية بصورةٍ فاقت بكثير التغطية الإعلامية للحرب الأمريكية على العراق وما أعقبها من أحداث، مرجعًا هذا التراجع إلى ثلاثة أسباب.
قال في السبب الأول إن وسائلَ الإعلام العربية تأثَّرت كثيرًا بالغرب والإعلام الغربي الذي يحاول التعتيم على القضية العراقية والهزيمة الفجَّة لقوات التحالف في العراق، مشيرًا إلى القنوات والصحف تحرك بعضها بعضًا، وأنه عندما تجد القنوات العربية عدم تفاعل لقنوات عالمية مثل (cnn – abc – fox news)، فبالتالي لن تتفاعل مع هذه الأحداث.
وأوضح أن عدوى الاهتمام والتجاهل باتت واضحةً في الإعلام، مقرَّا بوجود تعتيم نسبي على أخبار الملف العراقي في الإعلام العربي والعالمي مقارنةً بجهاتٍ أخرى أقل أحداثًا، متسائلاً: هل وراء ذلك التعتيم قوى إقليمية مسيطرة على الإعلام؟!!.
وقل إن هناك توغلاً وسيطرةً للقوى الإقليمية ذات المصالح على بعض الفضائيات، مشيرًا إلى أن هناك ولاءات لبعض القنوات للدول التي تعمل بها أو أن هذه القنوات تُمثِّل خطةً حكوميةً تُطلعها على بعض الإملاءات؛ مما قد يؤدي إلى تلوين هذه لتغطية الضعيفة والاعتماد على ألفاظ ومصطلحات تابعة للسياسة العامة للدولة أو الحكومة أو المؤسسة التابع لها الوسيلة الإعلامية.
وأضاف سببًا آخر نتج عنه هذا التعتيم على الحرب الأمريكية على العراق بأن هناك العديدَ من الأحداث وتداعياتها التي طفت على السطح الدولي جعلت من أخبار العراق وكأنها أخبار درجة ثالثة مثل حرب لبنان 2006م وحرب وحصار غزة 2008م، والانتخابات الأمريكية، مشيرًا إلى أن هذه الأحداث قللت من حجم التغطية الإعلامية العراقية في وسائل الإعلام.
واختتم كلامه بالسبب الثالث حيث قال: "الأحداث في العراق أخذت الشكل الروتيني سواء من عمليات أو اعتقال أو مقاومة، والإعلام لا يتعامل مع ما هو روتيني بقدر ما يتعامل مع ما هو حدثي وجديد ومثير".
تواطؤ
جمال فهمي

ويؤكد جمال فهمي مقرر لجنة الشئون العربية والإفريقية بنقابة الصحفيين أن هناك جريمةً بشعةً تُرتكب في حقِّ الشعب والوطن العراقي لم تحدث لمرةٍ واحدة، وإنما تتكرر يوميًّا، يتبعها جريمة أكبر هو عدم نشر أخبار هذه الجريمة لما بها من روتين وملل وتوقع يجعل منها أخبارًا غير صالحة للنشر.
وقال: إن خبر الجريمة مستمر في العراق، وأصبحت الناس تتوقعه ولن تقرأه أو تسمعه إذا نُشِرَ، خاصةً أنه متسلسل وليس به جديد، مشيرًا إلى أن ثورة الاتصالات أضافت العديدَ من الإيجابيات للمديا المعاصرة بإضافة قدرات هائلة لتدفق المعلومات والأخبار عن أي شيء وكل شيء.
ويضيف أنها تسببت في بعض السلبيات منها جعل نوعٍ من الاعتياد على الجرائم ذات الطابع البشع، وصنعت نوعًا من البلادة عند المتلقي رغم فضاحةِ الموقف والخبر.
وأشار إلى أن القضية الفلسطينية ستبقى في المرتبة الأولى رغم أن العراقَ محتل كما فلسطين محتلة، لكبر حجم القضية الفلسطينية في نفوس العرب والخلفية الكبيرة لهذه القضية عنها في الاحتلال العراقي الذي يُعتبر نكبةً حديثةً يتوقع له الوقوف والنهوض سريعًا.
ولم يستبعد أن يكون للتواطؤ السياسي والإقليمي دور في التعتيم على الأحداث في العراق، خاصةً أن الموضوعية والمهنية في العمل الإعلامي أصبحت في طي النسيان بعد أن أصبحت الوكالات الإعلامية تابعة لجهات معينة تسير بنهجها وتتبع سياستها.
وقال: إن هناك صرحًا كبيرًا وهندسةً متكاملةً تبدأ باستخدام الألفاظ المعينة سواء للتورية أو التعميم أو التعمية أو التزوير ونهاية بحجم وكثافة الخبر وإبرازه وتهميشه وتوجهه وتعليق الآراء عليه، مشيرًا إلى أن التغلغل الإعلامي الصهيوني والأمريكي جعل هذه المؤامرات والموائمات والسياسات على كثيرٍ من المؤسسات؛ مما جعل منها مَن يستبيح كل شيء، خاصةً تطويع اللغة وتزويرها.
د. صفوت العالم

ويتفق معه الدكتور صفوت العالم الأستاذ بجامعة القاهرة أن هناك عدةَ مظاهر وأحداث طرأت على الساحة الإعلامية غطت أحداث العراق، وأصبحت تنافس أخبار الساحة العراقية، مشيرًا إلى أن أحدَ صفات الخبر (الحالية)، وهي الصفة غير المتوفرة في أخبار العراق التي أصبحت رتيبة ومتقادمة وليس بها جديد.
وأضاف: "فضلاً عن ذلك ليس لها الأهمية الحدثية في مجريات الأحداث العالمية"، موضحًا أنه في الفترة الأخيرة حدث توافق نسبي في العراق وقلت أعمال العنف؛ مما جعل أخبار العراق ثانوية بجانب أخبار بحجم كبير ولها تداعياتها وتحليلاتها كمذكرةِ اعتقال البشير أو الانتخابات الأمريكية أو حصار وحرب غزة.
ويقول: إن أخبار العراق أصبحت موسميةً حتى يحدث فيها شيء جلل، وإنه في حالة بداية الانسحاب الأمريكي من العراق سيبدأ الإعلام في إعادةِ النظر في الشأن العراقي وسيعود من جديدٍ للتغطيات القوية والانفرادات، ولخَّص كلامه السابق في كلمتين هما.. "الأهمية والحالية".
ويشير إلى أن هناك دوافعَ سياسية وموائمات إقليمية تجعل الإعلام يتحدث عن خبرٍ معين في مقابل أخبار منع وعدم إذاعة أخرى، مشيرًا إلى أن طبيعة الصدام السياسي بين الدول المحتضنة لوكالات الأنباء ووسائل الإعلام يكون لها تأثير قوي فيما تُذيعه هذه الوسائل بالطريقة التي تريدها والأيديولوجية التي تراها.
وقال إن هذا بدا واضحًا في تغيير بعض الألفاظ والمصطلحات، فضلاً عن استخدم الصيغة الإخبارية بوجهةِ نظر المؤسسة أو الكيان التابع له حسب ما يُملى عليه.
لا جديد
![]() |
|
محمد صلاح |
ويقول إن الأحداث الكثيرة في العالم وانتشار وسائل الإعلام ورغبتها في الإلمام بكل هذه الأحداث جعل أيضًا من التغطية الإعلامية للعراق أقل اهتمامًا؛ حيث إنها لم يعد بها جديد، مشيرًا إلى أنه في قضية الزيدي الأخيرة، وعند الاتفاق على الاتفاقية الأمنية أو وقت الانتخابات كانت هناك تغطية متميزة.
ويضيف: "هناك اتفاق بين النخب السياسية والإعلامية على أن الصراعَ العربي الصهيوني له المرتبة الأولى في الأحداث، وهو الأمر الذي جعل من أخبار العراق أخبارًا ثانويةً نوعًا ما".
ولكنه شدد على أن الصورة ليست سوداوية بالقدر الذي يمكن وصفه، مشيرًا إلى أن الوضعَ في العراق يستقطب أي عملٍ إعلامي لاختلاف الأطياف والمذاهب، وأن كل صحفي يبحث عما يريد من أخبار وعما يستلذه ويستهويه للنشر.

