تمثل البحرين تجربةً متطورةً نسبيًّا فيما يتعلق بدور المرأة، وخصوصًا في المجالين الثقافي والاجتماعي، وقد ركَّزت معظم الأدبيات حول العمل النسائي العلماني، وبالتالي لم تتناول دور المرأة داخل الحركة الإسلامية الذي ظهر تاريخيًّا مع انطلاق مراكز تحفيظ القرآن الكريم التابعة لجمعية الإصلاح في منتصف عقد السبعينيات من القرن العشرين، ثم تطوَّر تدريجيًّا ليشمل العديد من الأنشطة النسائية لجميع المراحل العمرية (البذور الصالحة، واحات القرآن الكريم، الفتيات، الجامعيات، العمل النسائي).

 

وفي هذا الإطار نوقشت مؤخرًا أطروحة ماجستير بكلية الإمام الأوزاعي للدراسات الإسلامية ببيروت، بعنوان: (جمعية الإصلاح في مملكة البحرين ودورها في العمل النسائي الإسلامي) للباحثة فاطمة يعقوب العطاوي؛ التي نالت عليها درجة الماجستير بتقدير جيد جدًا من اللجنة المشكَّلة من الأساتذة: د. حسن الحلاق رئيسًا، د. إبراهيم عسل مشرفًا وعضوًا، د. محمد منير سعد الدين عضوًا.

 

وتنقسم الدراسة إلى عدة فصول؛ هي: لمحة عامة عن تاريخ مملكة البحرين، دور المرأة من منظور إسلامي وخصوصًا في إطار العمل الاجتماعي والإنساني والتطوعي، نشأة العمل النسائي التطوعي في البحرين، جمعية الإصلاح ولجانها ومشروعاتها والعمل النسائي داخل هذه المشروعات، واقع العمل النسائي الإسلامي ومشكلاته.

 

وتعمل العطاوي حاليًّا مشرفة القسم النسائي بلجنة الأعمال الخيرية في جمعية الإصلاح، وقد قامت بترشيح نفسها مؤخرًا في انتخابات مجلس إدارة جمعية الإصلاح، في سابقةٍ هي الأولى تاريخيًّا ليس في جمعية الإصلاح بالبحرين فحسب، وإنما في جمعيات الإصلاح بدُوَل مجلس التعاون الخليجي أيضًا (البحرين، الإمارات، الكويت).

 

وقالت الباحثة: إن العمل الإسلامي من المباحث المهمة في إصلاح المجتمعات، والعمل النسائي الإسلامي جزءٌ من هذا العمل، ويجب تفعيله ليوازي العمل الرجالي الإسلامي؛ على اعتبار أن المرأة والرجل يمثلان جناحَي العمل الإسلامي والمجتمع كله؛ مما يعني أن تهميش دور المرأة يضعف الحركة الإسلامية ويحصرها في فئات معينة من المجتمع.

 

وأضافت أن أهم أسباب اختيار موضوع الرسالة تمثَّل في إلقاء الضوء على تاريخ وواقع ومتطلبات تفعيل دور المرأة في العمل الإسلامي من جهة، وتدوين العمل النسائي الإسلامي في جمعية الإصلاح التي تأسست عام 1941م وتم افتتاح مركز النساء فيها عام 1982 من جهة أخرى.

 

وتشير الدراسة إلى أن العمل النسائي في البحرين بدأ في الظهور خلال عقد الأربعينيات بتأسيس نادٍ للمرأة على غرار نادي السيدات بالقاهرة، وقد لعب الدور الأكبر في تأسيسه أربع سيدات من آل خليفة، والليدي بلجريف حرم مستشار بريطانيا، لكنه واجه رفضًا من قوى اجتماعية مختلفة؛ مما أدى بالنهاية إلى إغلاقه عام 1954م.

 

وتضيف أن في الفترة من 1955 وحتى 1975 تأسست العديد من الجمعيات النسائية والاجتماعية والخيرية التي شارك فيها نساء، ولكن لم يظهر أي دور للمرأة الإسلامية فيها؛ مما يعني وجود أسبقية لمشاركة المرأة في التيارات القومية واليسارية والليبرالية، ومن هذه الأندية: جمعية نهضة فتاة البحرين (1955)، نادي الخرِّيجين (1966)، جمعية أوال النسائية (1969)، جمعية النساء الدولية (1974)، نادي الإنرويل (1975).

 

وتذكر الباحثة أن العمل النسائي الإسلامي في جمعية الإصلاح جاء بعد 20 سنة من وجود العمل النسائي الاجتماعي والتطوعي والثقافي اليساري والعلماني، وبينما سعى العمل النسائي العلماني إلى العمل السياسي والثقافي النخبوي اتجهت الإسلاميات إلى العمل الاجتماعي والتطوعي والدعوي على مستوى القواعد الشعبية.

 

ورغم النفوذ الشعبي الذي يحوزه الإسلاميون إلا أن الباحثة تلاحظ أن معظم الكوادر النسائية غير معروفة سوى على مستوى عملهن التطوعي، وقد يرجع ذلك إلى غياب خطط إدارات الجمعيات الإسلامية في تأهيل وتدريب وإبراز الكوادر النسائية.

 

وفيما يتعلق بالمرأة في الحركة الإسلامية عمومًا وجمعية الإصلاح على وجه التحديد التي تعبر عن التيار الفكري للإخوان المسلمين؛ تقول الدراسة إن العمل النسائي الإسلامي بدأ بعد حوالي 30 سنة من ظهور العمل الإسلامي نفسه؛ حيث تم افتتاح مركز لتحفيظ البنات عام 1976 ثم مركز النساء عام 1982؛ الذي تطوَّر بعد ذلك ليصبح إدارة العمل النسائي التي تشرف على مشروعات ولجان لجميع المراحل العمرية.

 

وتؤكد الدراسة أن العمل الاجتماعي والدعوي النسائي في إطار جمعية الإصلاح أصبح منذ ذلك الوقت يقوم بدور ريادي في نشر الوعي الديني، وحل المشكلات الاجتماعية والاقتصادية لدى معظم فئات الشعب البحريني.

 

وتلاحظ أن العمل النسائي تركَّز على تحفيظ القرآن الكريم والعمل الدعوي، ثم توسّع بعد ذلك ليشمل العمل الخيري ومساعدة المحتاجين والمنكوبين والمتضررين، ثم العمل الصحي والفني، ويبرز من ضمن مشاريع العمل النسائي في الوقت الراهن نادي الفتيات؛ الذي يسعى إلى رعاية الفتيات وتنمية مواهبهن وشخصيتهن، من خلال تنظيم البرامج الثقافية والمهارية والترفيهية، وتربيتهن على القيم والأخلاق الإسلامية.

 

وبعد انطلاق العمل السياسي في مملكة البحرين سعت جمعية الإصلاح إلى تأسيس ذراع سياسية لها عام 2002م تمثلت في جمعية المنبر الوطني الإسلامي؛ التي يشارك فيها النساء، ليس في مكتبها السياسي ولجنة النساء فقط وإنما في جميع اللجان التسع للجمعية السياسية، وتهدف اللجنة النسائية إلى تنمية الوعي السياسي لدى المرأة الإسلامية، وإعداد الكوادر النسائية الملتزمة بفكر الجمعية، والعمل على زيادة وعي المرأة البحرينية بحقوقها وواجباتها الشرعية والقانونية، وحماية المرأة من الاستغلال بكافة أنواعه وأشكاله.

 

وفي نفس العام رأت اللجنة التنفيذية بجمعية الإصلاح أهمية تأسيس جمعية نسائية اجتماعية هي الجمعية البحرينية لتنمية المرأة تسهم في خدمة المجتمع، وتستطيع تمثيل المرأة الإسلامية في المنظمات والمنتديات المحلية والإقليمية والدولية؛ بما يعني إيجاد مساحات جديدة لنشر الرؤية الإسلامية الخاصة بتنمية المرأة وتعزيز دورها بما يتفق مع القيم الإسلامية، ودعم وتبني المشاريع الإنتاجية للمرأة في القطاعات المعيشية المختلفة.

 

وتقدمت الباحثة في دراستها بعدد من التوصيات الخاصة بتفعيل العمل النسائي الإسلامي في المستقبل، من أهمها: تشجيع العضوات في الجمعيات الإسلامية عامة وجمعية الإصلاح تحديدًا على الترشح لعضوية مجلس الإدارة؛ حتى يكون لها تمثيل مباشر واطِّلاع دائم على مجريات الأمور، والتعاون بين العمل النسائي والجهات التربوية والتدريبية؛ من أجل صقل مهارات الكوادر النسائية وفق دورات وبرامج مدروسة ومتطورة تخدم دور المرأة داخل حركتها الإسلامية، وتفعيل التعاون بين الجمعيات واللجان النسائية الإسلامية وبين مؤسسات المجتمع المدني كافةً؛ لكي تضطلع بدورها في مرحلة الإصلاح في البحرين.

 

وتشجيع الكوادر الفكرية والإعلامية والدفع بها في المؤتمرات المحلية والدولية من أجل تمثيل الحركة وإطلاع المجتمع على ما تقوم به المرأة الإسلامية من أعمال وأنشطة.

 

وزيادة الاهتمام بتوعية الفتيات وإعدادهن؛ حتى يتم توظيف طاقتهن في المجتمع على أساس الشراكة مع الرجل في حفظ أمانة الحياة ورعاية الأجيال وتنمية المجتمع.