عندما كنت في زيارة لأسرة غاب عائلها تحت الثرى، سمعت من الزوجة كم هي تتمنى أن تراه في رؤيا تثلج قلبها، وتفرح صدرها، وسنحت فرصة اختليت فيها ببعض أولاده ففوجئت أنها نفس الأمنية! بل إحدى بناته ألحت عليّ بقولها: هل يمكنني أن أفعل أي شيء لأرى أبي في منامي؟ أليست هناك آيات معينة أقرؤها أو صلاة خاصة للوصول إلى هذا الأمل؟ فقد اشتقت إلى أبي كثيرًا!.

 

ولم يكن الفتى أقل منهما شوقًا إلى أبيه، بل تحسَّر كثيرًا على الأوقات التي ألحَّ عليه فيها والده بالجلوس معه وهو يعتذر بسبب ارتباطات مع أصدقائه، وأفصح أنه يتمنى لو عاد به الزمن ليتمتَّع بأبيه؛ فقد حرم نفسه منه بنفسه.

 

وتكرَّر هذا الأمر معي كثيرًا لمن فقدوا أحباءهم، وكل أملهم الآن أن يروهم ولو في رؤيا منامية، وتجسَّد هذا المعنى أيضًا في الأحياء المفترقين بأجسادهم.

 

فهذه المرأة الثرية التي كانت تُدير الكثير من الصفقات التجارية الناجحة خسرت كل شيء في الأزمة الاقتصادية الراهنة، وكان ما كتبته على نفسها من مستحقات مالية لمتعاملين معها هو القيد الذي تقيَّدت به، وهي في طريقها إلى السجن، وكان أمرًا مزلزلاً لها ولعائلتها وأسرتها الصغيرة، واتفق الجميع على ألا يعلم عن سجنها أحد من أولادها درءًا للفضيحة، وبالفعل مرت عليها الثواني كالسنوات، وهي بعيدة عن فلذات أكبادها، فما بالنا بالسنوات؟! وكانت تستجير بالله الكريم أن ترى أولادها في رؤياها لتطمئنَّ عليهم، وتُزيِّن عينيها بمَرآهم.

 

سبحان الله!! كم نحب بعضنا بعضًا!، فلماذا لا نعلن عن هذا الحب ونفصح به إلا بعد البعاد، كالزوج مثلاً لا يمكنه الاستغناء عن زوجته، فلِمَ لا يصارحها بكلمات طيبة عن مكانتها في قلبه وفي حياته وفي نفسه؟ ولماذا يتلذَّذ بعض الأزواج بتوجيه اللوم لزوجاتهم وإشعارهن بالتقصير دومًا في حقهم وحق الأولاد، بل بعض الأزواج لا يتبادلون المشاعر الرقيقة مع زوجاتهم ويعيشون في صمت مطبق، لا كلمات شكر، ولا كلمات ثناء حتى في صلاتهم مع الله لا يؤدون حقه في شكر هذه النعمة العظيمة، بشكل خاص نعمة الزوجة والراحة والأنس والهدوء والطمأنينة.

 

وبعض الزوجات يُكثرن العتاب لأزواجهن، فهي قبل الزواج قد رسمت في مخيلتها فارس أحلام بمواصفات خاصة، وبالطبع الزواج واقع وليس خيالاً، فنجدها دومًا تجعله في سجال المقارنات مع خيالها، أو أزواج أخواتها، أو أزواج جاراتها، فلا تستشعر في دوَّامة هذه الزحمة من الأفكار عظمةَ نعمة الزوج، وهذا السكن العائلي الذي تعيش فيه.. الذي تُتوَّج فيه الزوجة بتاج الملك لمنزل مسلم.. الزوج الذي هو للمرأة بمكان كبير وعظيم.

 

إن الزوج متعطش للكلمة الطيبة من زوجته، والثناء المغلَّف بالحب، وتقديره كرجل، وإعطائه قدرَه كقوَّام على البيت، فبعض الزوجات يعتقدن أن على الزوج وحده أن يخاطبهن بالكلمات الرائعة التي تفيض بالحنان والحب، ولا يدرين أن الزوج في حاجة لذلك أكثر من حاجتهن، فيحدث التبادل في الود والرحمة؛ فيسعد كلاهما.

 

كما نجد بعض الأمهات كثيرات الشكوى من أولادهن في وقت نحن في أمسِّ الحاجة لأنْ نتمتع بكل مرحلة عمرية يمر بها أولادنا، من الولادة وحتى الوصول إلى أرذل العمر، ورأينا المرأة السجينة التي حُرمت من أولادها كم كانت تشتاق إلى رؤيا منامية لهم.

 

بفضل الله أولادنا معنا وبين أيدينا، فقط نعبِّر عن مشاعرنا تجاههم، ونُظهر لهم دومًا مدى حبِّنا لهم ومكانتهم في قلوبنا.. وكذلك بعض الآباء يتصورون أن علاقتهم بأبنائهم لا تتعدى الأوامر والإنفاق، فليت مع الأوامر إظهار بعض الحب وبعض الابتسام وبث الثقة فيهم.

 

إن لهم قدرًا عظيمًا عند الأب، سبحان الله!.. نعيش في نعم لا حصر لها ولا عدد- وخاصةً نعمة الأسرة- فلماذا نتبادل دومًا الاتهامات ونُكثر من الشكوى ولا نتناول الود والرحمة؟! آن الأوان لأنْ نعبِّر عن مشاعرنا لبعضنا البعض؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصانا: "إذ أحب أحدكم أخاه فليخبره"، فما بالنا بالزوج والزوجة والأولاد؟! بل ما بالنا بالآباء والأمهات؛ فهم في حاجة ماسَّة إلى ينبوع من الحب والعطف والحنان؟! عندها ستنطلق منَّا طاقة من التراحم لتشمل الإخوة والأخوات والأهل والجيران، عندها فقط ستكون السعادة الحقيقية تحت مظلة العيش في سلام ووئام.

 

سعدت كثيرًا عندما رأيت امرأةً عربيةً قد سجَّلت أسماء أولادها في محمولها بألقاب تعبِّر عن مشاعرها تجاههم.. ابنها الأكبر أعطته لقب "تاج رأسي"؛ لأنه حفظ كتاب الله، ابنتها الكبرى "أم أولادي"؛ لأنها تغدق عليهم من حنانها، وابنتها الأخرى "فرحة عمري"، والثالثة "ريحانة قلبي"، والابن الرابع "ناصر ديني"، وهكذا أعطت الصديقات والأهل ألقابًا رائعةً، أما الزوج فكان "جنة الدنيا والآخرة".

 

إن مجرد اطلاعي على ذلك أسعدني وأبهجني، فما بالنا إن طبَّقناه وأصبح جزءًا من حياتنا؟! فلنفصح عن مشاعرنا ولنُظهر محبتنا لمن حولنا وهم بيننا، قبل أن نفقدهم.