لو اجتهد الحكماء والساسة في الوصول إلى وسيلة سهلة وتلقائية ومحببة يتجمع فيها الناس مرة كل أسبوع، تجمعًا تلقائيًّا فطريًّا يحث عليه الأب أولاده، وتشجع عليه الأم أبناءها، وينبه الصديق صديقه لعدم التخلف عنه، والتواعد بعده لتبادل التحية والسؤال على الأحوال.
لقاء أسبوعي يذهب إليه الجميع بحب وهم يلبسون أجمل الثياب، تفوح منهم رائحة العطر، وتعلو وجوههم بسمة محلاة بالوقار والخشوع ولهفة اللقاء.
مشهد من الممكن و صفه بـ(عيد).. ربما.
لقاء من المحتمل وصفه بمؤتمر ثقافي ديني اجتماعي.. محتمل.
فرصة لتجديد الإيمان وكشف الحساب ومراجعة الأخطاء.. ممكن.
إلا أنه في النهاية لقاء رائع، وفكرة لا يمكن أن يصل إليها إلا دين رائع اسمه "الإسلام"، فكرة تجمع المسلمين بكل سلاسة وسهولة وتلقائية في لقاء رائع اسمه: "خطبة الجمعة".
فرصة للملايين في كل أنحاء المعمورة من كل أسبوعٍ كي يتجهوا إلى بيوت الله؛ ليغسلوا القلوب من غمار صراع ستة أيام مضت مع الحياة، فرصة لكي يتذكر من نسى، ولكي يعي من التبس عليه الأمر، ولكي يفيق من غفل، ولكي ينجو من سقط؛ ليلحق بالطريق ويكمل المشوار.
فرصة للتوعية بقضايا الأمة، وحل مشكلات ألمَّت بالمجتمع واحتار الناس فيها، وجاءوا يتطلعون إلى رأي دينهم الذي طالما سمعوا أن الحل دائمًا لديه، وأن الدين قادر على أن يُصحح ويساعد ويُسعِد، قادر على أن يحل الألغاز ويضع بلسم الشفاء، بما يملكه من قيم وضعها الخالق سبحانه وتعالى، وبما لديه من رؤية لفهم الحياة دراسة الواقع وتنظيم الكون.
خطبة الجمعة.. والواقع المؤلم
وعلى قدر ما لخطبة الجمعة من أثرٍ وتأثيرٍ في جمهور المسلمين، وعلى قدر قدرتها على تغيير النفوس، وتعديل الأوضاع، وصناعة ألأحداث، وعلى قدر ما صنع منبر الجمعة من أسماء رنانة أشعلت حماس الملايين، وأنارت قلوبهم، وأيقظت عقولهم، على قدر ما يصدمنا الواقع الأليم الآن؛ بأنها قد تحولت إلى لقاء روتيني، لن أخجل أن أصفه في معظم الأحيان بأنه مملٌّ ورتيب، يذهب إليه الناس بحكم العادة، متأخرين كواجب ثقيل يجب أن يؤدى، مثلما يؤدي خطيب المسجد (في معظم الأحيان) واجبه الثقيل بخطبة مفككة مهللة ليست ذات موضوع محدد، أو خطبة لا تمس حياة الناس من قريب أو بعيد، خطيب لا يجهد نفسه أن يقترب من قضايا الناس؛ ليثبت لهم جمال الدين وحيويته وفعاليته في حياتهم، خطيب لا يعرف بديهيات الخطابة والتأثير وجذب انتباه الجمهور، خطيب يعرف أن مهمته تبدأ عند اعتلاء المنبر، وتنتهي بنهاية ركعتي الجمعة، أما (الرسالة) و(القدوة) والتفاعل مع الناس وحمل الهم، فلم تندرج تحت بنود الوظيفة.
يسأل الشباب نفسه دائمًا: ما الداعي لأن يذهب إلى صلاة الجمعة مبكرًا ليستمع الخطبة؟ ما الداعي لأن يسمع كلامًا مكررًا محفوظاً، لا يؤثر فيه، ولا يغيره، ولا يغير المجتمع من حوله؟ ما الداعي لأن يخترع لنفسه موضوعات يشغل بها ذهنه حتى ينتهي الخطيب من مهمته؟
للأسف.. لم يعد الناس ينجذبون إلى خطبةِ الجمعة، وضاعت فرصة هائلة للتجمع الأسبوعي لتجديد الإيمان وحل المشكلات؛ ولكي يلقي الإسلام العظيم بكلمته في حياة الناس، وأصبح الذهاب لصلاة الجمعة لا يساوي في أغلب الأحيان إلا ركعتين خفيفتين، وبعدهما.. حديث لا صلة له بما قبلهما.
انفض الناس عما حاول الإسلام أن يجمع الناس حوله، ودخلوا المسجد وخرجوا، وكأنهم عابري سبيل.
نحو "خطبة جمعة" فاعلة ومؤثرة
تستطيع خطبة الجمعة أن تعود إلى دورها الفاعل المؤثر في المجتمع، تستطيع خطبة الجمعة أن تحشد الناس من حولها من أول لحظة، وأن تجعلهم يذهبون إلى المسجد قبل أن يُرفع الآذان؛ حتى لا تفوت كلمة أو عبرة أو عظة أو معنى، تستطيع خطبة الجمعة أن تستعيد دورها المفقود، فتحمس الشباب، وتزيد من وعي الجمهور، وتضع يدها على مواضع الخلل في المجتمع، وتقترح لها الحلول، وتدفع الناس وتحفزهم إلى العمل بها، تستطيع خطبة الجمعة أن تغير وجه المجتمع كله.. قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25﴾ إبراهيم).
لكن خطبة الجمعة ما زالت تنتظر..
تنتظر الفارس والبطل الوحيد القادر على أن ينتشلها من ضياعها؛ لتعود إلى دورها القيادي في مجتمع تائه يبحث عن مرشد وموجه، بعد أن تاه في ضلالات الفكر، وآسى من جهالات البشر وسيطرة قيم الطمع والمصلحة والأنانية.
تنتظر خطبة الجمعة (خطيب الجمعة)..
البطل والفارس الذي لن يكون بطلاً ولا فارسًا إلا إذا تحلَّى بصفات ومهارات كفيلة بأن تجعل منابر الجمعة من أشد وسائل الدعوة تأثيرًا وفاعليةً في المجتمع.
هذه الصفات والمهارات، منها ما هو خاص بشخصية الخطيب نفسه وسلوكه، ومنها ما هو خاص بفن الخطابة والكلمة المؤثرة.
صفات خاصة بشخصية خطيب الجمعة
أولاً: الإخلاص
والإخلاص عند خطيب الجمعة يعني ألا يعتبر الخطبة وظيفة لها وقت محدد مقابل أجر محدد، فهذا هو طريق الفشل بعينه، بل يعني الإخلاص حمل الرسالة والهم والرغبة الأكيدة في إفهام الناس ورفع مستواهم الإيماني والفكري، أن تكون لدية رغبة حقيقية تُشعر الناس بحماس من يحدثهم وحبه لهم وحرصه عليهم وعلى مساعدتهم، فيتفاعلون معه، ويقتربون منه، ويتأثرون بأفكاره، ويشد بعضهم من أزر بعض.
إن إخلاصَ العمل لله لشرط لنجاح أي عمل، وفي عمل كخطبة الجمعة، يجعل الإخلاص كيان الداعية كله لله، كما قال الله في كتابه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163)﴾ (الأنعام).
ثانيًا: الاختلاط بالناس
لا يمكن أن ينجح خطيب جمعة أو داعية على العموم، وهو لا يعرف هموم الناس ومشاكلهم عن قرب، لا يمكن أن ينجح وهو لا يعرف كيف يفكرون؟ وماذا يفهمون؟ وما درجة إدراكهم للمفاهيم الدينية وتفعيلها في حياتهم؟ ما أبعاد رؤيتهم للدين؟ وما المشكلات التي يعانون منها؟ وما أنسب الحلول لها؟ كيف يحدثهم؟ وبأي لغة؟ وما مداخل الحديث إليهم؟، فلقد ارتبط الرسول- صلى الله عليه وسلم- بالناس، ووصلت درجة خوفه عليهم حتى نزل إليه القرآن مشفقًا عليه وهو يقول: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (6)﴾ (الكهف)، والبخع: قتل النفس غمًّا.
وإن لم يفعل الخطيب ذلك، سيبني بينه وبين الناس أسوارًا عالية، ستمنع وصول صوته إليهم حتى وإن تحدَّث بأعلى صوته في أقوى الميكروفونات، أما القرب منهم والاختلاط بهم، فيعني التواضع والبساطة، وسهولة المعلومة، والشعور بالقدوة، والقيام بدوره الموجه والحكيم والناصح الأمين.
ولا شك أن مخالطة الناس من الممكن أن تُصيب الداعية بأذى، ولكنه قدر كل الدعاة الناجحين، حيث يقول الرسول صلى الله عليه سلم: "المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم، خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم" (أخرجه ابن ماجه بإسناد حسن).
ثالثًا: الثقافة والاطلاع المستمر ومواكبة الأحداث:
يغرق الخطباء في الإبحار في العلوم الشرعية، والإقلال من القراءات في مختلف دروب الثقافة والفكر، فتكاد القراءة لديهم تقتصر على كتب الفقه والسيرة والحديث وأصول الفقه والعقيدة، وهي قراءات وأصول لا غنى عنها بلا شك، ولكنها لا تكفي لتحقيق الاطلاع على حركة الحياة اليومية الفكرية والثقافية، وعما يطلع عليه الناس ويُفكِّرون فيه، وما يقوله غير الإسلاميين من وجهات نظر، تحجز الداعية في قالبٍ غير عصري بعيد عن الناس، تجعله يتحدث بلغةٍ من الصعب فهمها، والأروع أن تكون له صلات بأهل التخصص في المجالات المختلفة لاستشارتهم إذا ما صادفته مشكلة صعب عليه فهمها: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (122)﴾ (التوبة).
وليس معنى هذا ترك العلوم الشرعية أو عدم إتقانها، بل المطلوب تنوع الثقافة وتطوير الذات؛ حتى يستطيع الداعية وخطيب الجمعة أن يقدم الدين في قالب عصري سهل وبسيط ومشوق.
إنها وسيلة للداعية لأن يصل بنفسه إلى درجة الحكمة التي أمر الله بها الدعاة؛ لأن تكون سبيلهم في دعوة الناس؛ حيث قال: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل: من الآية 125).
فنون الخطبة المؤثرة
اختيار موضوع الخطبة أحد مميزات خطيب الجمعة

أولاً: اختيار موضوع يقع في دائرة اهتمام الجمهور المستهدف
ماذا ستشعر عندما تسمع خطيب جمعة يترك عشرات المشكلات التي يعاني منها الناس، من ضيقٍ في العيش وفساد في الذمم وغلاء في المعيشة وعقوق من الأبناء، ثم يترك كل هذا لينصح الناس بكل حماسٍ ألا يأكلوا اللحوم الكبيرة وأن يفضلوا عليها اللحوم الصغيرة؟!، أو أن يتحدث في أحكام الزواج حتى يصل إلى أنه من المحرم أن يتزوج الرجل برجل أو المرأة بالمرأة؟!! وآخرون ما زالوا يتحدثون عن الموضوعات التي تُقرأ قبل الخطبة بنصف ساعة، كلام عام عن التقوى وترك المعاصي وعدم التكالب على الدنيا، وأن هموم الناس قد أصبحت جمع المال وشراء الأراضي، وأهمية الذكر وصلاة السنن، وهو كلام جميل ومهم بلا شك، ولكنه لا بد أن يأتي في سياقه الصحيح والمنطقي، والذي يشعر الناس أنه جزءٌ من حلِّ مشكلاتهم، وليس كلامًا مرسلاً بعيدًا عن الواقع.
ما المانع أن يتحدث خطيب الجمعة عن حل لمشكلة النظافة؟ أو يضع حلولاً عملية لحل المشاكل الاقتصادية للأسرة، أو يدعو التجار لمبادرات من أجل التخفيف عن كاهل الأسرة، أو يتطرق لحل مشاكل تربية الأبناء؟ أو يجتهد في وضع أفكارٍ لحل مشاكل البطالة؟ أو يدفع الناس لإقامة مشروعات إنتاجية تفيد الحي؟ ما المانع أن يشعر الناس أن الدين معهم ويقف بجانبهم؟ وأن الرجل الواقف على المنبر أمامهم هو كائنٌ مثلهم، وليس كائنًا فضائيًّا سينطلق بعد ساعة على صاروخ إلى كوكبه البعيد.
أنا أتحدث هنا عن عملٍ فردي، وسيكون العمل رائعًا لو اتفق مجموعة من الخطباء في الحي الواحد بالتركيز على مشكلةٍ واحدةٍ؛ لشحذ الهمم، وتنفير الجميع لحلها، عندها سيكون لهذه الخطوة أبلغ الأثر.
ثانيًا: التحضير الجيد للموضوع:
بعد اختيار الموضوع، لا بد أن يهتم الخطيب بتحضير الموضوع نفسه كالآتي:
1- أن يضع مقدمة جيدة وسطًا بين الطول والقصر، وتنجح في التمهيد للموضوع.
2- وضع عناصر مرتبة ترتيبًا منطقيًّا، وقادرة على دراسة الموضوع من كل جوانبه.
3- تماسك الموضوع بحيث يكون مركزًا حول قضية بعينها دون التطرق لموضوعات جانبية تشتت انتباه المستمعين، وتبتعد عن الخط الأصلي للخطبة.
4- التناول العصري الواقعي للموضوع بأسلوب سهل وبسيط ومشوق.
5- استخدام القصص.
6- عدم المبالغة في الاستشهاد.
7- إن الإتقان سمة من سمات دين الإسلام، ففي الحديث: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء" رواه مسلم.
فنون عامة في الخطابة
من حيث أسلوب العرض، والتحدث بثقة، ورفع الصوت، وخفضه في مواضعه، ونقل المشاعر مع المواقف والكلمات التي تحتاج لذلك، والتحدث بدرجة وسط بين السرعة والبطء، الحماسة والعاطفة والحرارة في الحديث.
لا يزال الناس ينتظرون الكثير والكثير من خطبة الجمعة وخطباء الجمعة، ولا يزال فرسان المنابر في حاجةٍ إلى صحوة، سيكون له أبلغ الأثر في تغيير وجه المجتمع ونصرة هذا الدين، لا بالشعارات والصوت العالي، ولكن بتفعيله في حياةِ الناس، في الأسرة والشارع والمنزل والمدرسة والمصنع.
------------