تناول الكثيرون وأسهبوا في الحديث عن أزمة اليسار الفلسطيني، وبحثوا وفصَّلوا في هذا الأمر؛ حتى بات من المسَلَّم به أن اليسار الفلسطيني يعيش اليوم على هامش الخارطة السياسية الفلسطينية، ولهذا أسبابه الكثيرة التي لن نخوض فيها.

 

لكننا لا نبالغ إذا أضفنا أن اليسار الفلسطيني قد شارف على إعلان نهايته باستثناء الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين؛ حيث إن كل الباقي هو فصائل وأحزاب يسارية مجهرية لا تؤخر ولا تقدِّم، حتى وإن حاولت وحاول معها البعض الزجَّ بها في حوارات هنا أو لقاءات هناك، ولهذا السبب تحديدًا؛ ولأن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين هي آخر معاقل اليسار الفلسطيني، فإننا نرقب وبوضوح السير على طريق المندثر من قوى اليسار، وبخطوات حثيثة، ولأننا تعودنا على الصراحة والوضوح في الطرح نتناول هذا الموضوع، وما دفعنا أكثر للكتابة هو الموقف الهزيل من قِبل قيادة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين لما يتعرض له أمينها العام أحمد سعدات، وكأنَّ الأمرَ لا يعنيهم، ناهيك عن المواقف المتكررة الضعيفة والباهتة فيما يتعلق بالشأن الداخلي الفلسطيني.

 

لا يمكن لعاقل أن يتخيَّل أن يكون أمين عام فصيل أو جبهة معرض ومهدد بالتصفية الجسدية، وأن يكون يعاني من إجراءات وحشية في السجن، ولا نجد بيانًا واحدًا أو تصريحًا صريحًا واحدًا في هذا الصدد يُسمي الأشياء بمسمياتها إن وجد البيان أو التصريح أصلاً، وللتذكير فإن الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أحمد سعدات خاض إضرابًا مفتوحًا عن الطعام لمدة 9 أيام هذا الشهر؛ احتجاجًا على سوء المعاملة في السجن، اضطر لإنهائه بسبب تدهور صحته، ويعاني من أكثر من مرض، هل سمعتم بإضرابه؟ الأنكى أن المحامية شارلوت كيبتس منسقة حملة التضامن مع سعدات في أمريكا الشمالية حذَّرت بتاريخ 12/6/2009م وبوضوح من مؤامرة لتصفية سعدات جسديًّا من قِبل الاحتلال وسلطة رام الله، وحتى اللحظة ما زلت أبحث عن تعليق واحد رسمي حول هذا الأمر، وهو ما شجَّع الاحتلال على زيادة الإجراءات التعسفية بحقه، وهو المعزول انفراديًّا منذ فبراير/ شباط 2008م!.

 

إن الموقف الأخير من سعدات هو نتاج لسلسلة طويلة من التراجعات في مواقف الجبهة الشعبية، ومهما حاول البعض نفي ذلك إلا أن الأدلة والقرائن تدحض كل نفي، وهو ما سنفصل فيه، ولكن بعد أن نلقي نظرة سريعة على موقع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين اليوم، وفي شكل نقاط واضحة:

- ينقسم أبناء وكوادر الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين- شأنهم شأن باقي قوى اليسار- إلى فريق متمسك بيسارية تاريخية، تعتمد على الشعارات المعادية للإمبريالية والصهيونية، وكذلك على مخزون كبير من الثقافة الواسعة والشعارات الملامسة لنبض المواطن وتاريخ يمتد لعشرينيات القرن الماضي، لكنه يفتقد لأي دور ريادي، ويتسم بطابع تراثي إنشائي، وفريق آخر يحصر اهتمامه في حدود فصيله وجبهته في محاولة لإيجاد موطئ قدم، في ظل حالة الاستقطاب الثنائي، أي أنه يخوض صراع وجود، تتأرجح فيه المواقف للحفاظ على نفسه من أن يلقى مصير باقي قوى اليسار.

 

- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين- شأنها شأن قوى اليسار الأخرى- وبعد تفكك الاتحاد السوفيتي السابق، فقدت الكثير من بريقها الفكري الأيديولوجي، وكذلك الفعل المقاوم الذي كان في أوجه خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، ولم تستطع أن تستوعب وتواكب المتغيرات الدولية والإقليمية؛ مما أدَّى إلى تآكل رصيدها الشعبي، وتراجع قاعدتها الشعبية، خاصة في غياب العمل المؤسسي الجماهيري، الذي تفوقت فيه قوى جديدة ظهرت على الساحة الفلسطينية، وهو ما انعكس على أدائها في الانتخابات التشريعية الأخيرة، التي أظهرت حجم قوى اليسار مجتمعة.

 

- كان لما قام به ياسر عرفات في تحجيم كل القوى الفلسطينية، وتطويعها وصولاً إلى أوسلو، دورًا أساسيًّا في تهميش دور الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين داخل منظمة التحرير الفلسطينية، رغم المعارضة الصورية داخل لجنتها التنفيذية؛ حتى وصل بها المقام لأن تُستخدم كأداة في تمرير القرارات والمشاريع التصفوية للقضية الفلسطينية عبر قبولها بأن تكون شاهد الزور في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، ولنا عودة لهذا الموضوع.

 

- قدمت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين قياداتها التاريخية الراحل جورج حبش الملقب بالحكيم، الشهيد أبو علي مصطفى، والأسير المغدور أحمد سعدات، وبالتالي ترك الأمر لقيادات ميدانية وأخرى في الشتات، وهو ما أوجد حالةً واضحةً من الانقسام الحاد، وهو ما لا يستطيع أحد أن ينكره، ولا يمكن أن تكون مواقف عبد الرحيم ملوح تصب في ذات الخانة مع ماهر الطاهر، ولا مواقف جميل المجلاوي مع أبو أحمد فؤاد، وهذا لا يعني أيضًا انقسامًا بين داخل وخارج فقط؛ لأن هناك مواقف وتصريحات متناقضة بين قيادات الداخل نفسه.

 

- حاولت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين مؤخرًا فيما يشبه التقاط الأنفاس، حاولت التحالف مع قوى يسارية أخرى، في خطوة ربما زادت من ضعفها، ونقصد هنا "جبهة اليسار الفلسطيني" مع الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين وحزب الشعب، فكانت الشعبية كمن يستقوي بالضعيف، الذي بالتأكيد سيجرها نحو القاع.

 

- وفي ذات الإطار حاولت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين- ومعها بقايا اليسار- لعب دور الوسيط بين التيارين الرئيسين على الساحة الفلسطينية، على طريقة المصلح الاجتماعي أو لجنة الإصلاح، كانت البدايات فاشلة (لجنة إنهاء الاعتقال السياسي التي أجهضتها فتح، حسب بيان رئيسها)، ثم تحولت من الفشل إلى الانحياز التام لطرف على حساب طرف آخر، وفي الحالتين كانت البيانات هي سيدة الموقف، دون إنكار جهود البعض الشخصية المخلصة.

 

- ما زالت الجبهة الشعبية لا تعترف بالمتغيرات على الساحة الفلسطينية، وما زالت تتوجس خيفة وريبة من التنظيمات الإسلامية، بسبب الاختلاف الأيديولوجي وغيره، الأمر الذي صدرت معه بعض التصريحات الغربية؛ حيث صرَّح القيادي في الجبهة كايد الغول يوم 12/6/2009م بأنه من المستحيل "أسلمة" المجتمع الفلسطيني!!، متجاهلاً ماهية المجتمع الفلسطيني الذي يرفض أسلمته، وثقافته وهويته العربية الإسلامية!!.

 

- منظمة التحرير الفلسطينية بوضعها المتآكل تُشكِّل آخر ما تبقى من نفوذ للجبهة الشعبية التي تعتبر تاريخيًّا الفصيل الثاني داخل المنظمة؛ رغم أنها مهمشة تمامًا داخلها، وبعيدة عن دائرة صنع القرار الفردية، إلا أن صفة الفصيل الثاني تروق لقيادة الجبهة في الداخل تحديدًا؛ لأنها وبكل الأحوال أفضل من أي موقع آخر ستحصل عليه خارج المنظمة بشكلها الحالي تمامًا، كما حدث في الانتخابات التشريعية الأخيرة، أو حتى داخل منظمة التحرير على قاعدة الانتخاب الحر وبدون نظام "الكوتة".

 

هذا باختصار موقع وموقف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وبدلاً من محاولة ترميم آثار وتبعات ما سبق، دخلت الجبهة الشعبية في سلسلة أخرى متواصلة من المواقف المتناقضة، التي زادت في إضعاف شعبيتها، وانحسار دورها السياسي، وهي المواقف التي ما زالت بانتظار تفسيرها، خاصة أنها تعارض تمامًا المبادئ التي قامت عليها وما زالت تردده، ونرصد هنا بعضًا منها في محاولة لفهم تلك الأسباب:

- تناقض الجبهة الشعبية نفسها أيديولوجيًّا في موضوع التحرير والعودة، وتصر على المغالطة، ثم تخلط بين ذلك وبين سلطة في ظل الاحتلال، رأت فيها ما يكفي لعودة قائدها الشهيد أبو علي مصطفى للضفة الغربية المحتلة، بضمانات ووعود وإذن "إسرائيلي"؛ ليتم الغدر به في وضح النهار واغتياله؛ اعتراضًا على تمسكه بموقفه، ثم تقبل بحل الدولتين على لسان بعض قيادييها، وحل الدولة الواحدة لقياديين آخرين.

 

- ما زالت الجبهة الشعبية حتى يومنا هذا تصر وترفض أوسلو وكل إفرازاتها- التنظيمات الأخرى ترفض أوسلو وتتعامل مع إفرازاتها كأمر واقع- لكنها في ذات الوقت دخلت الانتخابات التشريعية، ويُشارك عبد الرحيم ملّوح منذ إطلاق سراحه عبّاس في جولاته، وبصفته رئيسًا للسلطة، ويجلس عن يمينه وشماله، إلى أن منعه الاحتلال من السفر، ويطالب بمنصب رسمي في مؤسسات السلطة والمنظمة.

 

- تشارك وتمرر الجبهة الشعبية كل قرارات اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، ثم ترفض الاعتراف بها أو الالتزام أو حتى الاحترام، وتتساوق وتنسجم معها، ترفض الاعتراف بالاحتلال وشرعيته، وتساهم وتشارك في الجسم الذي اعترف ويعترف ويحاول جر الآخرين للاعتراف.

 

- تتحدث الجبهة عن إصلاح منظمة التحرير الفلسطينية، ثم تقبل وبهدوء تمرير تعيين عبد ربه أمينًا لسر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية.

 

- تعترض الشعبية على ما تسميه "المحاصصة" في حوار القاهرة، وتصر في ذات الوقت على مبدأ "الكوتة" داخل منظمة التحرير للحفاظ على موقعها.

 

- تزاود على مواقف الآخرين- اتفاق مكة مثالاً- وترفض المشاركة في الحكومة؛ لأنها تحت سقف أوسلو ومنظمة التحرير، ثم تساهم وتشارك وبقوة من خلال ذات المنظمة التي ترفض التزاماتها، في إدانة من يرفض تلك الالتزامات (قرار المجلس المركزي الأخير).

 

- تتحالف مع حركة فتح- عبّاس، وتُشكِّل له الغطاء السياسي، في الوقت الذي لا يترك عبّاس فرصة لتهميش الجبهة الشعبية من رفض لمقترحاتها، كما حدث في جلسات الحوار (مقترح الجبهتين لحكومة مؤقتة)، أو استفراد تام بالقرار الفلسطيني، وحصر علاقته بالجبهة من خلال أشخاص بعينهم استطاع استقطابهم.

 

إذا أضفنا لذلك بعض المواقف الأخرى الغريبة، نُترك أمام تفسير واحد، أن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وفي إطار محاولتها للحفاظ على نفسها، وجدت أن أقصر الطرق هو التأرجح في المواقف، لكن تأرجح الجبهة لا يدل على استقلاليتها، إنما على ضمان استمرار بقائها بإضعاف التنظيمات الأخرى، وربما المزاودة عليها في المواقف.

 

- هذا التأرجح بات أقل وضوحًا، مع انحياز الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين (في الداخل على الأقل) لخط عبّاس- فيّاض، وهو ما يُستشهد عليه بمواقف أخرى منها:

- تنظيم تظاهرة ضد الانقسام يوم 13/6/2009م في غزة، دون تنظيم تظاهرة موازية في الضفة.

 

- التساهل التام أمام الإهانة التي وجَّهها توفيق الطيراوي للنائبة خالدة جرار، واستدراجها الرخيص في مكيدته ضد مؤيد بني عودة.

 

- تحريك جمعيات حقوق إنسان محسوبة على الجبهة لخوض حرب إعلامية ضد قطاع غزة، مع الغياب التام والكلي لأي انتقادات أو توثيق لجرائم الضفة الغربية.

 

- غياب أية تغطية ومن أي نوع وشكل لجريمة إعدام هيثم عبدو في معتقلات الضفة الغربية، أو ملاحقة المقاومين واغتيالهم في قلقيلية.

 

- الاتفاق الذي أعلن في التقارير الصحفية والقاضي بتحويل إذاعة الشعب التابعة للجبهة إلى إذاعة تتبع منظمة التحرير الفلسطينية، والمقصود هنا، تتبع لمحمود عبّاس في مواجهة خصومه في قطاع غزة.

 

- عدم التعليق أو الإشارة لمخطط تصفية الأمين العام للجبهة أحمد سعدات الذي أشارت إليه المحامية كيبتس، والذي وجهت فيه أصابع الاتهام للسلطة ممثلة في محمود عبّاس.

 

- الاستمرار في منح الغطاء السياسي لمحمود عباس داخل اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية.

 

- التلويح بشرعية منظمة التحرير الفلسطينية، وتكرار ما يطالب به عبّاس ويمارسه فعلاً عبر التفرد بقرار المنظمة، وما يرفضه غالبية الشعب الفلسطيني، بأن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.

 

- غياب أي حديث عن الفساد داخل المنظمة أو السلطة.

 

- القبول بالتنازل عن الثوابت، وتمييع المواقف إزاءها، ونذكر هنا ما وثقه الكاتب خالد العمايرة بتاريخ 16/10/2008م عن حديث بينه وبين ملوح، سأله فيه عن موقفه من تنازلات منظمة التحرير عن الثوابت مثل حق العودة والقدس، فأجابه حينها: "نعبر الجسر حين نصل إليه"، وكأن الجسر لم يتم عبوره والخطوط الحمراء والثوابت لم يتم إسقاطها وتجاوزها وعبورها!!.

 

من كل ما سبق ندرك بعضًا وليس كل أسباب انحدار اليسار الفلسطيني، وأسباب تخلي الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين عن أمينها العام، ونسيانه في غياهب السجون، وهو ما يأسف له المرء؛ حيث يتم تغليب المصالح الشخصية على المصلحة العامة، حتى وإن اختزلت المصلحة العامة في حدود الفصيل أو الجبهة.

 

إن الخروج من الأزمة والمأزق لا يكون عبر شيطنة الآخر، ولا بالتخلي عن البرامج والأفكار، ولا بالاستقواء إما بضعيف أو بفاقد للشرعية، ولا بالتحالف مع من انفضح أمرهم، ولا بالتمسك بشعارات ومؤسسات انتهت، ولا بأرجح المواقف واللعب على الحبائل، لكن بالعودة لنبض الشارع، وبالتمسك بالحقوق والثوابت، وبالعمل الأمين المخلص البعيد عن المزاودة، وبالتخلي عن المصالح الشخصية الأنانية، وبقبول المتغيرات والوقائع الجديدة.

 

بقي أن نقول، ما سبق ليس مجرد رصد وتحليل للواقع، لكن من خلال تجربة شخصية، حوار شخصي تمَّ مع قيادات الجبهة في الداخل، ولقاءات شخصية مع قيادات الصف الأول في الخارج، وبمناسبات عديدة، يتضح حجم ومدى الأزمة التي وثقناها هنا.

 

نختم باقتباس آخر للكاتب خالد عمايرة يقول فيه "إن أقل المطلوب من قيادة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أن تكون وفية لمبادئها، خاصة فيما يتعلق بالحقوق الفلسطينية وشرف وكرامة النضال الفلسطيني، وهما ما تمَّ التنازل عنهما وبوضوح"... "لو كان جورج حبش أو أبو علي مصطفى أو وديع حداد أو غسان كنفاني بيننا لاعتبروا ما يجري خيانة عظمى".

 

رسالتنا للجبهة الشعبية ما كان يردِّده الشهيد أبو علي مصطفى "جئنا لنقاوم لا لنساوم"، فهل تصل لمَن يهمه الأمر؟!.

-----------------------

DrHamami@Hotmail.com