هذه القضية ليست كأي قضية يعتبرها الناس سياسيةً، نعم.. إن لها علاقة بسياسة الدول العربية والإسلامية والأوروبية والأمريكية بالكيان الصهيوني والمواقف المتبادلة وتداعياتها، ولكنها لا تخضع للمقاييس السياسية وموازين القوى والمصالح فقط، إنها ليست قضية تطهير عرقي أيديولوجي فقط، ولا استعمار واحتلال فقط، ولا لاجئين ومشرَّدين فقط، ولا نزاع في الأمم المتحدة ومجلس الأمن لا تحترم عشرات من قراراتهم فقط.. إنها كل ذلك وفوق ذلك وقبله وبعده إلى يوم الدين قضية عقائدية إيمانية قرآنية نبوية.
وهذه نظرة الإخوان المسلمين؛ لأنهم يأخذون مفاهيمهم وتصوراتهم وقواعد حركتهم ومواقفهم من القرآن والسنة، وهذا واجب كل مسلم كما قال رب العزة: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الأنعام: 162) فالقرآن والسنة هما مرجعُ كل مسلم في معرفة أمور دينه ودنياه.
وليس في أي قضية أخرى قرآن وأحاديث؛ اللهم إلا قواعد السياسة الشرعية عن الحق والعدل والحريات وعلاقات الدول في سياساتها الخارجية وفق المصالح والأولويات.
أما هنا فلله عز وجل قول فصل ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (الإسراء: 1).. هذه بركة الله التي أسبغها على كل ما حول المسجد الأقصى، وهذا تكريم الله للمسجدَيْن ومنزلتهما في الإسلام وما يجب أن تكون عليه مكانتهما عند كل المسلمين، بالإضافة إلى المسجد النبوي فله إشارة في سورة أخرى ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُّحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ (التوبة: من الآية 108).
سورة الإسراء التي تحدد أصول الصراع عندما تتبع هذه الآية الوحيدة عن الإسراء بآيات طويلة عديدة عن بني إسرائيل، ثم عن الوصايا العشر؛ أي الثوابت العقائدية والأخلاقية في كل الرسالات السماوية.
إن لله قولاً فصلا ﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ (الإسراء: من الآية 7).
ثم إن لله قولاً فصلاً ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ (الإسراء: من الآية 6)، وهم يعلمون ذلك تمامًا من كتبهم ﴿وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا﴾ (الإسراء: من الآية 8).
ثم إن لله قولاً فصلاً ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ (الأعراف: 167)، وهم يعلمون ذلك تمامًا من كتبهم ﴿أَوَ لَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (الشعراء: 197).
لقد كنت وأنا صبي صغير أرى وأسمع عن "المستعمرات"، وأنها قرى محصَّنة، وكنت أسمع من أساتذتي وعلماء الأمة أن الله ذكر هذا في كتابه العزيز ﴿لاَ يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلاَّ فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ﴾ (الحشر: من الآية 14)، وبقيت ﴿أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ﴾ حتى رأيناهم يبنون ويشيدون الجدار العازل الملتوي التواءات الحية التي يقدسونها مع نجمة داود وهو عليه السلام منهم براء ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ (المائدة: 78)
أما الأحاديث النبوية الشريفة للصادق المصدوق في هذه القضية فهي كثيرة، سأتناول منها بعون الله اثنين فقط؛ الأول هو العمدة في هذه القضية "لن تقوم الساعة حتى تقاتل أمتي اليهود، فيختبئ اليهودي وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر والشجر: يا مسلم، يا عبد الله.. هذا يهودي ورائي، تعالَى فاقتله، إلا الغرقد؛ فإنه من شجر يهود".
وقبل أن أتناول نهاية هذا الصراع العقائدي كما جاءت في حديث الصادق المصدوق، والتي ستتحقق بإذن الله هي وكل ما نزل به الوحي من السماء بقدرة مالك القوى والقدر عالم الغيب والشهادة، القوي العزيز؛ سأتناول مدى اليقين المعرفي عن اليهود بحقائق الحديث، والذي بلغ أكثر مما هو عند بعض المسلمين؛ لأنهم- وهم يحاربون الإسلام ويكيدون المكائد لأهله ويوقدون الحروب ضدهم- يزرعون شجر الغرقد في "مستعمراتهم"، كما فعل كفار مكة؛ يضعون أماناتهم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم واثقون أنه صادق أمين وهم يتآمرون على قتله ﴿فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُون﴾ (الأنعام: من الآية 33).. ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ (الأنعام: من الآية 20).
أما الجزء الخاص في الحديث فهو صفات الفئة المنتصرة الغالبة بإذن الله؛ لأن تحرير القدس واسترداد المسجد الأقصى والنصر على الصهاينة الغاصبين المحتلين قتلة الأطفال والنساء بل قتلة الأنبياء؛ لا يكون إلا على أيدي "يا مسلم يا عبد الله".. ذوبان القوميات وإعلاء راية الإسلام.. ذوبان الخلافات وإعلان الوحدة والترابط في مواجهة عدو واحد والتحرر من العبودية لغير الله وإعلاء راية العبودية لله.. "يا عبد الله".
لذلك سيكون هذا الصنف المسمَّى في الحديث الآخر "المرابطون على أكناف بيت المقدس"، وهذا مكانهم، بشرى للأمة أو لإخواننا المقدسيين ولإخواننا الفلسطينيين، وشرفٌ لنا ولهم.
وعلى كل واحد من المسلمين وواحدة من المسلمات أن يحجز لنفسه مكانًا في هذه القضية المصيرية المحورية؛ أين هو منها؟ فليكن له دور في هذه القضية الجهادية باليد لمن هناك، وباللسان لمن يستطيع البيان، وبالمال لمن يملكه، والذي لا يجد ما ينفق أو ما يجاهد به يتولَّى وعينه تفيض من الدمع حزنًا؛ فهذا جزء الجهاد بالقلب، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل.
ولنعلم جميعًا أن الله لو رأى المسلمين جميعًا تولَّوا عن نصرة قضية فلسطين ومقدساتهم؛ فسوف يأتي سبحانه بقوم آخرين ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (المائدة: من الآية 54).
فهيا نعذر إلى الله، وننال شرف نصرة القضية الفلسطينية بكل ما نملك وما نستطيع.. ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج: من الآية 40).
-------
* عضو مكتب الإرشاد بجماعة الإخوان المسلمين.