امتلأ قاموس أطفالنا اللغوي بعبارات وألفاظ تتجاوز أعمارهم السنية، وتتخطى أحجامهم الصغيرة، يردِّدونها دون أن يدركوا مدلولاتها أو أن يُفرِّقوا بين المقبول منها أو غير ذلك.. فهل ما أصابهم هو نضجٌ مبكرٌ نالَ من براءتهم، فرضه واقعٌ تعددت فيه المثيرات، أم أنه الاقتباس والمحاكاة ؟ هذا ما حاولنا أن نُجيب عنه، ولكن في البداية نعرض بعض ما يردده الأطفال.

 

جاءت شهد بنت الخمس سنوات بابن صديق والدها إلى أمها تُقدمه لها فقالت: "ماما أقدم لك البوي فريند بتاعي".

 

ودخلت سلمى (6 سنوات) على والداتها تخبرها بأنها متعبة وتشعر بخمول ورغبة في القيء، ثم سكتت قليلاً وسألتها: "هو أنا ممكن أكون حامل يا ماما".

 

 الصورة غير متاحة

"أنا مكتئب ومتوتر، وحالتي النفسية وحشة"، تلك العبارة استخدمها محمد (8 سنوات) حينما لم يتمكن من الفوز في إحدى ألعاب الكمبيوتر.

 

وأبدى مازن (10 سنوات) اعتراضه على عقاب والداته له بالحرمان من الخروج لارتكابه بعض الأخطاء بقوله: "مش من حق أي حد يحبس حريتي بالشكل ده".

 

في حوارٍ له مع أبيه عن الزواج قال شادي (9 سنوات): "أنا هتجوز بنت حلوة- صاروخ- ولو اتخنقنا هطلقها".

 

أما مريم فأصبحت لا تُحب أكل الحلوى كما كانت من قبل، وحينما سألتها والدتها عن السبب قالت: "عشان أنا عاملة دايت عشان أبقى حلوة زي بتوع السينما".

 

التعليم بالقدوة

 الصورة غير متاحة

 الطفل يحتاج إلى القدوة للتعلم أكثر من التوجيهات الحازمة

   حول هذه الظاهرة يؤكد د. أحمد العروسي الخبير التربوي بالمركز القومي للبحوث التربوية والتنموية أن الطفلَ مرآة للواقع الذي يعيش فيه، ومن ثَمَّ ما يصدر عنه من عباراتٍ وألفاظ هي بالضرورة تتردَّد في الوسط المحيط به على اختلاف ثقافته؛ حيث إن الطفلَ ليس له خبرات تُمكنه من الإتيان بها منفردًا.

 

مشيرًا إلى أن وسائلَ الإعلان بكافةِ صورها أكبر مؤثر في حياة الطفل، ونظرًا لأنها أصبحت تحمل من التجاوزات اللفظية ما جعلها تُشكِّل الخطر الأكبر الذي يُهدد براءة صغارنا؛ حيث لم يعد يخلو فيلم أو مسلسل أو حتى الإعلانات وأيضًا المسابقات- التي ازدحمت بها شاشات التليفزيون- من الترويج لألفاظٍ ليست في لغتنا منها شيء.

 

ويضيف د. العروسي أن استخدام الأطفال لبعض المفردات مثل "الطلاق" و"البوي فريند" و"الاكتئاب" إنما يعكس ثقافةً جديدةً أوجدها المتغير الاجتماعي الذي طرأ على المجتمع مثل ارتفاع معدلات الطلاق، واستخدام كلمة الطلاق كثيرًا؛ سواء في نطاق الأسرة أو عبر شاشات التليفزيون.

 

أيضًا الانفتاح والاختلاط المبالغ فيه، ومباركة بعض الأسر لظاهرة البوي فريند، كما أن للضغوط الاجتماعية التي يواجهها الأفراد لم يكن الأطفال بمعزلٍ عنها، فالطفل يستطيع تخزين العديد من الكلماتِ التي يستخدمها الأب أو الأم وقت الضيق، ويستحضرها في وقتها المناسب ويرددها، مشيرًا إلى أنه بإمكان الآباء استغلال فرصة ترديد الأطفال لهذه الألفاظ، وتلقينهم دروسًا تربويةً من شأنها غرس قيم طيبة داخلهم، فعلى سبيل المثال إذا ردَّد الطفل لفظ الاكتئاب بخبرة الأب أنه ليس من خلق المسلم اليأس من رحمة الله، وإذا استخدم ألفاظًا بها إيحاءات جنسية أرشده إلى فُحشها ورفض الآخرين لها إلى غير ذلك من الألفاظ؛ ولكن يجب في البداية أن يكون الآباء قدوةً في تعاملاتهم؛ حيث إن التعليم بالقدوة أبلغ أثرًا من مجرد التلقين والتوجيه.

 

محاكاة

 الصورة غير متاحة

   ويرى د. إلهامي عبد العزيز أستاذ علم نفس الطفولة جامعة عين شمس أنه لا يمكن القول بأن ترديد الأبناء لبعض العبارات التي تتجاوز أعمارهم السنية بأنهم بذلك فقدوا براءتهم؛ حيث إن عفويتهم في نطقها دون أن يبالوا بمعانيها هو في حدِّ ذاته براءة.

 

وأشار إلى أنهم حتى لو أدركوا ما يقولونه فغالبًا ما يكون إدراكًا غير مكتمل المعالم، ومن ثَمَّ مجرد الترديد للعبارات ليس مدعاةً للقلق؛ فالأصل في الطفل المحاكاة لمَن حوله، ولكن من دواعي القلق الحقيقية هو ترك الطفل يختار النماذج التي يُحاكيها دون وجود رقابة عليه؛ حيث أحاطت به مثيرات عديدة من شأنها أن تشكله كيفما تشاء، ولعل أبرزها الإعلام بصوره المختلفة، فقد كان الطفل في الماضي أكثر النماذج التي يحاكيها الأب، الأم، الجد، الجدة.

 

أما طفل اليوم فقد تعددت النماذج التي يحاكيها فمنها أبطال السينما، وشخصيات الكرتون وموديل الإعلانات وغيرهم، وإن لم تتيقظ الأسرة لذلك مبكرًا فسيصبح من الصعب عليها في المستقبل تقويم أي اعوجاجٍ في سلوك الأبناء، فالطفل كالعجينة إن تمكَّن الآباءُ من حمايتهم مما يحاط بهم مفاسد، ولكن شريطةَ ألا يعزلوهم أو يكبتوهم؛ وذلك من خلال الرقابة الواعية وفلترة أي سلوكيات أو عبارات لا تتماشى مع القيم والأخلاق أن يود الآباء غرسهم فيها، مشيرًا إلى أن هذا الأمر يحتاج من الآباء مصايرة واجتهاد، وأن يكونوا هم قدوةً لأبنائهم.

 

ويوضح أن هناك من الأطفال الصغار ما لديهم نضج مبكر حقيقي يظهر من أسلوب كلامهم أو طريقة تصرفهم في إدارة بعض الأمور، ولكنهم يكونون غالبًا ممن تسببت الظروف الاجتماعية في فرض هذا النضج عليهم؛ كأن يتحمل الطفل المسئوليةَ مبكرًا فيصبح لا يتعامل إلا مع الكبار، كما أن المحيطين به لا يتعاملون معه كطفل، ومن ثَمَّ هذا النوع من النضجِ المبكر ستظهر سوءاته مستقبلاً؛ حيث إن الحرمانَ من ممارسة الطفولة هو أسوء صور الحرمان، وبالتالي يجب على الآباء التزام الوسطية في معالجة أمور أبنائهم، فعليهم أن يتركوهم يحاكون ويقلدون، ولكن مع الحرصِ على إبراز النماذج الطيبة من الخبيثة.