أكتب هذا الخطاب من مكتبة جامعة تكساس للتكنولوجيا، ورغم أنني محاطٌ بالزهور من كلِّ جانب، ولدي الكثير من الإمكانات التي يتمناها أي من الباحثين والعلماء المصريين إلا أنني أشعر بغصةٍ في حلقي كلما تذكرتُ حال الباحثين والعلماء في مصر، لقد تابعتُ باهتمامٍ ما تقوم به بعض المواقع الموقرة لكشف زيف وبطلان شهادة الدكتوراه والجائزة التي حصل عليها سيد القمني، وقد أثارني كثيرًا تركيز معظم الكتابات على شخصية القمني وأعماله، وكذلك إثارة الموضوع على أنه أمرٌ شخصي وأمرٌ غريبٌ أن يحصل شخصٌ بهذه الإمكانات على جائزة بهذه القيمة؛ مما دفعني لأن أكتب لسيادتكم وقُرَّاء موقعكم الكريم عن تجربتي الشخصية وبعض استخلاصاتي الفردية التي قد لا تخلو من كونها رؤية شخصية؛ لكني أحسبها عامة، ولا تشمل فقط قطاع جوائز الدولة المصرية، بل تتعداه إلى مختلف أجهزة الدولة.. وإليك التجربة:
تخرجتُ من كلية الطب، وأكرمني الله إذْ عُينت معيدًا، ثم مدرسًا مساعدًا رغم اعتراض الأجهزة الأمنية على تعييني لنشاطي الإسلامي ولجوئي إلى القضاء الذي أنصفني وحصلتُ على درجتي الماجستير والدكتوراه، وتتلمذتُ على أيدي علماء أفذاذ مثل أ. د. محمد غنيم وأ. د. محمد عبد القادر صبح، وكانت أبحاثي تتركز حول أمراض زراعة الكلى في مصر، وخاصةً عند الأطفال، ووفقتُ للفوز بالعديدِ من الجوائز العلمية في مصر والعالم العربي وأغلب الهيئات الدولية في أمراض الكلى؛ ومنها على سبيل المثال جائزة أحسن باحث من الجمعية المصرية لأمراض الكلى لثلاث سنوات متتالية، وجائزة أحسن باحث من الجمعية العربية لأمراض الكلى، وجائزة عبد الحميد شومان للباحثين العرب، والعديد من جوائز الجمعيات الأمريكية والأوروبية في تخصصي، وقد يسأل القارئ وما المشكلة إذًا.
المشكلة أنني تقدمتُ للحصول على جوائز الدولة المصرية وأكاديمية البحث العلمي المصرية على مدار خمس سنوات متتالية متقدمًا بإنتاجٍ علمي ضخم أهَّلني للحصول على ما سبق بيانه من الجوائز العالمية الأكثر تنافسيةً والأكبر قيمةً، لكنني لم أفزْ بأي من جوائز الدولة المصرية، ومما زاد من حيرتي حجب الجائزة لعامين من الأعوام الخمسة التي تقدمتُ فيها، والسبب أن مجمل الإنتاج العلمي للمتقدمين كان دون المستوى، والأكثر من ذلك أنَّ في بعض الأعوام كان الحاصلون على الجائزة أقل مني إنتاجًا كمًّا وكيفًا، مع العلم أن هذه مسألة لا تخضع لتقديري الشخصي، ففي إحدى السنوات تقدمتُ بثلاثة وثلاثين بحثًا منشورًا في مجلاتٍ عالمية، وحصل على الجائزة من مجمل الأبحاث ثمانية أبحاث منشورة في مجلات محلية أو عالمية، ولكنها أقل مرتبةً في الترتيب العالمي.
أستاذي الفاضل والقراء الكرام لا أذيع سرًّا إن قلت إن هذا كان من أهم الأسباب التي دفعتني للهجرة للولايات المتحدة؛ حيث وجدت العدالة وتكافؤ الفرص.
هذا عن تجربتي الشخصية، وإليك بعض استخلاصاتي:
1- منح جوائز الدولة لمَن لا يستحقها وحجبها عن الأفذاذ والمرموقين من الباحثين والعلماء أمر معتاد في مصر، وحالة القمني رغم فجاجتها ليست الأولى ولن تكون الأخيرة.
2- المشكلة ليست في أفراد أو جوائز، ولكن المشكلة في حزمةٍ متكاملةٍ من الفساد المنظم في مصر، والتي لا تعدو جوائز الدولة أن تكون مظهرًا من مظاهره.
3- معايير التحكيم في الجوائز المصرية يعتريها الكثير من الضبابية، والأهم هم المحكمون أنفسهم وكيفية اختيارهم وآلية عملهم.
4- سياسة تجفيف المنابع لكلِّ مَن يثبت انتماؤه للتيار الإسلامي، أو يعمل لنصرةِ الفكرة الإسلامية وفتح الأبواب للمناوئين للإسلاميين من العلمانيين ومَن على شاكلتهم.
5- تعدت سياسة تجفيف منابع الإسلاميين إلى كل الإصلاحيين والمحترمين، والمثال الأقرب لي شخصيًّا هو أستاذي أ.د. محمد عبد القادر صبح، وهو من العلماء الأفذاذ في مجاله، والذي تتلمذ على يديه العديد من الباحثين في مصر والوطن العربي؛ حيث لم يفز بجائزة الدولة التقديرية رغم ترشيح الجامعة له لسنوات عديدة لا لشيء إلا لأنه مصلح شريف يحارب الفساد ويقاومه.
6- الشعب هو مَن يدفع الضريبة ليس فقط بإهدار أموال الجوائز، بل أيضًا بهجرة العقول والكفاءات، والأسوأ من ذلك استسلام مَن لم يهاجر لليأس والإحباط والانكفاء على الذات، وهذا ما أشاهده بعيني في كثيرٍ من حالات الزملاء أعضاء هيئة التدريس في مصر.
7- أدعو المخلصين من شباب الباحثين والعلماء في مصر لإعادة تقييم وضعهم، وعدم إضاعة وقتهم، وجهدهم في التقدم للحصول على الجوائز المحلية، والتركيز على المنافسة العالمية؛ حيث الشفافية والمصداقية والقيمة العلمية الكبيرة، ولنا في الروائي المحترم صنع الله إبراهيم قدوةً؛ حيث رفض استلام جائزة الرواية العربية عام 2003م، والتي يمنحها المجلس الأعلى للثقافة وقيمتها 100 ألف جنيه؛ حيث ذهب للاحتفال في زيٍّ بسيطٍ وسط حشدٍ متأنقٍ حتى إذا صعد للمنصة ابتسم كالأطفال، وقال: الحقيقة "فليكن الإحساس بالكرامة شعورًا مألوفًا لا يُثير الدهشة، ولا يستدعي الغضب"، ثم انصرف.
8- العدل أساس الملك وكما قال ابن تيميه: "إن الله لينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرةً، ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنة".
وفي رأيي الشخصي إذا استمرَّ الوضع على ما هو عليه؛ فإننا مقبلون على كارثةٍ حقيقيةٍ ستقضي على الأخضر واليابس، وصدق الله العظيم حيث قال: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (25)﴾ (الأنفال).
-------------
* مركز الكلى والمسالك البولية جامعة المنصورة- العمل حاليًّا بجامعة تكساس للتكنولوجيا.