تقول صحيفة أحواله: هو محمد حسن بريغش، وُلد عام 1942م في قرية "التل" التي تبعد عن دمشق قرابة 15 كيلومترًا، ورحل عن دنيانا يوم السبت 19 من يوليو 2003م في مدينة الرياض بالسعودية، درس المراحل الثلاث الابتدائية والمتوسطة والثانوية في "التل" مسقط رأسه، ومن جامعة دمشق حصل على درجة الليسانس في مواد اللغة العربية، ثم حصل على الدبلوم العام في التربية 1967م.
حياته العملية:
عمل في التعليم الابتدائي معلمًا لفترة قصيرة، وعمل في المؤسسة العامة للبريد والمواصلات السلكية واللاسلكية طيلة فترة الدراسة الجامعية، ثم عمل بعد تخرجه في التدريس بالمرحلتين المتوسطة والثانوية بضع سنين، ثم ألقى عصاه في المملكة العربية السعودية عام 1975م, وعمل بها مدرسًا، ثم عمل في قسم المناهج التابع للرئاسة العامة لتعليم البنات.
في التاريخ.. والأدب الإسلامي:
والأستاذ بريغش واحد من مؤسسي رابطة الأدب الإسلامي العالمية التي كان يرأسها سماحة الشيخ أبو الحسن الندوي- رحمه الله- وكان بريغش واحدًا من أعظم المنظرين لهذا الأدب بمؤلفات متعددة منها:
1- في الأدب الإسلامي المعاصر.
2- أدب الأطفال: تربية ومسئولية
3- الأدب الإسلامي: أصوله وسماته.
4- دراسات في القصة الإسلامية المعاصرة (مع عرض ودراسة لعدد من قصص الدكتور نجيب الكيلاني).
ومن كتبه في التراجم والفكر الإسلامي:
1- التربية ومستقبل الأمة.
2- ظاهرة الردة.
3- مصعب بن عمير: الداعية المجاهد.
4- أبو بصير: قمة في العزة الإسلامية.
5- خالد بن سعيد بن العاص.
6- ذات النطاقين أسماء بنت أبي بكر.
7- أم أيمن حاضنة الرسول صلى الله عليه وسلم.
8- نسيبة بنت كعب.
كما قدم للإسلام والعربية عملاً كبيرًا جدًا هو "ديوان هاشم الرفاعي" (جمع وتحقيق), وقد بلغت صفحاته 540 صفحة من القطع الكبير، وكان أحد الكتاب المصريين بإشراف وتوجيه من وزارة التربية المصرية قد أصدر ما سماه "ديوان هاشم الرفاعي", ولم يقدم فيه إلا عددًا من القصائد التي توهم بأن هاشم الرفاعي- رحمه الله- كان حفيًا بالثورة المصرية التي قامت بانقلاب العساكر سنة 1952م، وأسقط مقدم "الديوان" عشرات من القصائد التي تفضح هذه الثورة, وتعرِّي الحكام الظالمين, وتحمل على الاستبداد والدكتاتورية كقصيدته "نواب الأمة" التي نظمها في يوليو 1957م, وفيها يقول مخاطبًا عبد الناصر:
ها هم كما تهوى فحركم دُمَي = لا يفتحون بغير ما ترضى فما
إنا لنعلم أنهم قد جُمِّعوا = ليصفـقوا إن شئتَ أن تتكلما
غررتنا يوم القنال وكنت لا = تنفك إن ذكـر العـدا متهكما
ودعوتنا لنقيم مجلس أمة = حرّا فصدقـنا وقلنا "ربـما"
فأبيٍتَ إلا أن تكون كعهدنا = بك في النعومة والضراوة أرقما
وفجعت أمتنا بمجلسها الذي = سُقتم إليه «موافقين» ونـوّما
وفي هذا الفلك تدور قصيدته «جمال.. رئيس الجمهورية» ومطلعها:
لا مصرُ داري ولا هذي الربا بلدي = إني من الحق فيها قد نفضت يدي
أمّسًي نفاقي ويومي ملٍؤه كذبي = فما أؤمل من خير صباح غدي
قد أعرضَ القومُ أجفانا مقرّحةً = على الهوان, وإن كانوا ذوي عدد
ويصحح بريغش- رحمه الله - معلومة غالطة, روجها ناشر الديوان في صورته الأولى الذي اعتمد على انتقاء بعض قصائد هاشم مسايرة لحكام مصر، وهي أن قصيدة "رسالة في ليلة التنفيذ" وهي أشهر قصيدة نظمها ثم كتبت سنة 1958م, وأنها قيلت بمناسبة أحداث العراق زمن عبد الكريم قاسم، مع أن أصول هذه القصيدة توضح أن كتابتها كانت سنة 1955م، وقد ثبت أنه نظمها على لسان أحد الإخوان المسلمين الذين حكم عليهم عبد الناصر بالإعدام بعد افتعال تمثيلية محاولة اغتياله في ميدان المنشية.
كما أن هذا الديوان الذي أنفق بريغش في جمعه وتحقيقه عددًا من سنِيِّ عمره يمثل الأعمال الكاملة لهاشم الرفاعي, بما فيها مسرحيته الشعرية "شهيد بني عذرة" وكذلك زجله وشعره الفكاهي؛ وبذلك قدم للقارئ شخصية الشاعر الشهيد هاشم الرفاعي في ملامحها وأبعادها الحقيقية.
عطاء.. باركه الله:
وللأستاذ بريغش -رحمه الله- زيادة على ما ذكرت مئات من المقالات والدراسات التي نُشرت في الصحف والمجلات العربية والإسلامية.
وقارئ هذه الكتب وتلك الدراسات يحس بالمجهود الضخم الذي بذله الكاتب في كتابتها, كما تشي بدقة الاستيعاب, وسعة المعرفة, وعمق المعالجة للموضوعات التي يتناولها بالبحث، ولا عجب فقد كان رحمه الله من صغره طُلعة منهوما بالقراءة الجادة, مقبلاً على قراءة كتاب عرفوا بالعمق الذي يعتبره بعضهم غموضًا, من أمثال مصطفى صادق الرافعي وعباس محمود العقاد.
وقد عبر عن هذه الحقيقة في مقال نشره بمجلة الفيصل ومما جاء فيه: ".. كنت أقرأ كل ما تصل إليه يدي من الكتب الثقافية والفكرية والأدبية والنفسية والتربوية؛ مما رسَّخ لدي حب القراءة للتعلم, والمعرفة, وليس للتسلية والمتعة، وجعلني أصبر علي قراءة الكتب المختلفة في اللغة والشعر والنقد, والسير والتاريخ والمجتمع دون ملل أو إكراه".
وفي كتبه الرائدة عن الأدب الإسلامي, لا يكتفي بالتنظير والتقعيد لهذا الأدب, بل يعطي اهتمامًا خاصًا للجانب التطبيقي, متخذًا من إبداعات الأدباء موضوعات يعرضها على التنظيرات النقدية بأمانة وصدق, دون تعسف أو افتعال, ودراساته عن أعمال نجيب الكيلاني وغيره من المبدعين تقطع بهذا التوجه السديد.
توجيه من مَعين الخبرة:
ومن معاناته, وتمرسه في عالم الفكر والأدب يطرح على الناشئين والباحثين هذا التوجيه السديد الرشيد.. لا بد من التأكيد أن طريق الثقافة والفكرة والأدب طويل, يبدأ به الناشئ, بدافع الأمل وتحقيق الذات, ولكنه بعد عشر سنوات يشعر أنه ذرة في محيط, وكلما أوغل في سفره ازداد يقينًا بأن عالم الفكر, أو عالم الثقافة, أو عالم الأدب رحيب وكبير، وأنه مهما صنع الفرد فلن يستطيع أن يصل إلى الغاية التي يريد، فإذا ازدادت معرفته, وقويت تجربته ازداد إحساسه بأنه لا يزال جهولا بعيدًا عن الغاية, ولهذا تخبو عنده تلك المشاعر الطفولية التي دفعته في بداية الطريق, وتحل محلها دوافع القيام بالواجب, والإسهام - بقدر الطاقة - في الوصول إلى الحقائق, وتربية الأجيال وبناء المجتمعات, ومحاربة الزيف والباطل, وحماية الأمة من اعتداءات الشياطين, والدعوات الماكرة".
أدب الأطفال:
وفي كتابه القيم عن أدب الأطفال يتحدث عن أهمية هذا الأدب, وآثاره في تربية الطفل, وتوجيهه إلى قيم الحق والتقوى والجمال, فهو- كما يقول- يستطيع أن يزود الطفل بالقيم الثابتة بالتصوير والرسم, ليرى الطفل واقعًا إسلاميًا, وصورة إسلامية, ويرى في ذلك القدوة الحسنة في صورة الأبوين, وصورة الأسرة المسلمة التي يشيع فيها الحب والوئام, وتظللها الآداب الإسلامية, ويرى في حناياها روح الإيمان؛ لأن طفل اليوم أصبح وسط مؤثرات كثيرة ومتضاربة: البيت, والمدرسة, ووسائل الإعلام, والطريق والنادي, والأصدقاء, والمجتمع بكل ما فيه من تناقضات ومغريات وأصوات وألوان وأضواء وكلها تشده إلى جهاتها والطفل موضع نزاع بين هذه المؤثرات لانعدام الانسجام, والتخطيط, والتوافق في مجتمعاتنا".
رحم الله محمد حسن بريغش الذي عاش للأدب الإسلامي والكلمة الأمينة النظيفة, معتزًا بدينه وقيمه، زاهدًا في الأضواء والمظهر وزخارف الحياة.
وعاش الرجل العظيم شامخًا مترفعًا على من حاولوا الإساءة إليه، وإبعاده عن ميدان هو أجدر الناس به، وأقدرهم على المضي فيه، وما أتى هؤلاء جرمهم إلا حقدًا على بريغش العظيم.
------------