الزكاة:
عبادة قاتل عليها سيدنا أبو بكر الصديق مانعيها، رغم أن هدفها الرئيس هو تزكية النفس وتطهيرها، وتطهير المال الذي خرجت منه؛ ولذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والصدقة برهان" رواه الترمذي (أي دليل الإيمان).
الزكاة قُرنت بالصلاة في كثير من آيات القرآن الكريم، فهذه عبادة النفس، وهذه عبادة المال، ولا يستقيم عهد عبد مع الله إلا من باع نفسه وماله لله: ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ﴾ (التوبة: 111)، وقسط بيع النفس يبدأ من تسليم بعض من الوقت لله، وقسط بيع المال أيضًا تسليم بعض منه لله.
والأرقام المذكورة في أجزاء العشرة لزكاة الزرع، وأجزاء المائة لزكاة المال، والحصص المختلفة، والنصاب المحدد في مجموعات الحيوانات؛ لإخراج زكاتها من كل نوع، يختلف عن نسب النوع الآخر، وكذلك فرق الأرض التي بذل فيها المسلم جهدًا في سقياها عن الأخرى، تم تعويض ذلك بفرق في زكاة زروعها رحمةً من ربك؛ ولذلك عندما نراجع الأهداف التربوية العامة للعبادات وهي الربوبية، والألوهية، والعبودية، وعلاج مشكلات الفرد وتزكيته وترقيته في مستواه البشري بين أمثاله من الأفراد؛ لتربيته على عين الله ومنهاج الله، وكذلك علاج مشكلات المجتمع المسلم، حتى المجتمع غير المسلم، فقد أثبتت البحوث الاقتصادية أن أفضل علاج لمشاكل القروض، أن تكون الفائدة البنكية صفر (أي لا ربا) بل مضاربة ومشاركة في الربح والخسارة.
وكذلك وُجد أن أفضل دورة لرأس المال أن يفرض منه 2.5% ليرد في مصارف الاحتياجات؛ إذن ظهور وسطوع معنى الربوبية التي تعني أن الله مالك كل شيء، يترسخ عندما تشعر بأن المال مال الله، وأنك مستخلفٌ فيه، وكذلك تعميق الألوهية الآمرة الناهية، وشرط إطاعة هذه الأوامر أن يستمر الحكم لكل بالإسلام، وإلا فلتخرج من تحت سماء الله ولا تجلس على أرضه، ولتختر ربًا سواه، سبحان الله وتعالى.
أما العبودية فهي الشعور بالفقر الحقيقي عندما نسمع قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ﴾ (محمد: من الآية 38)، فالتهديد قائمٌ من الملك القادر، يهز قلبك وبدنك أيها العبد الآبق، والصور التي أمامك كثيرة تهدد الممتنع عن الزكاة، فمن بخل من وكلاء الله على عيال الله، أذاقهم الله وبال أمرهم ولم يبالِ.
عبودية يرغب فيها ويرهب منها قول الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنْ الصَّالِحِينَ (75) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (76) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (77)﴾ (التوبة).
وقوله عن اليهود: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمْ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (181)﴾ (آل عمران).
وقوله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ (35)﴾ (التوبة).
لذا كان التهديد من القادر بشيءٍ في الآخرة، لتقليل شأن الدنيا كلها، ليس المال فقط، فقد يتركه الله مع البخلاء؛ ليتمتعوا به حتى مماتهم، ثم تكون الموعظة الكبرى عند دخولهم القبر بكفن لا جيوب فيه، ويبقى المال يشهد على صاحبه: ﴿وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ (القصص: من الآية 58)، فمن أين مالك ولم يكن معك عندما وُلدت؟ وكيف يكون مالك وأنت تتركه وتموت؟
فالخلاصة أنك مستخلفٌ فيه منذ أن وهبك الله إياه وسيأجرك الله على صرفه في مصارفه التي سمح لك بها، ويعاقبك على غيرها، وعندما تموت يقسم المال بالطريقة التي حددها صاحبه سبحانه وتعالى؛ لذا يقول لك رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يقول ابن آدم مالي مالي، وهل لك يا ابن آدم من مال إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأبقيت؟" (رواه مسلم)، بل هناك مَن لفت النظر في أسماء المال لنحذرها، فاسمه مال؛ لأن المال جعل صاحبه يميل عن الطريق القويم إلا من رحم الله، والذهب لذهابه، والفضة لانفضاضها، ولكنه في النهاية نعم المال الصالح للرجل الصالح.
ومن دلائل علم الله المحيط أن الله فرض في الركاز، أي الكنوز المدفونة في الأرض، وفرض في صور المزروعات وفي التجارة نسب زكاة محددة، وكذلك الحيوانات وفي الغنائم والفيء وشتى المصادر المالية؛ نسب محددة تؤكد في جميع مجالات الحياة بأن الملك كله لله، وهو وحده المتصرف فيه، وأن طاعته لا تكون إلا بما شرع، فلا يملك كائن من كان أو كائن أن يغير في النسب التي حددها الله، ولا يكون لهواه أي دخل بتمييز ولا تبديل، وإن تطوع بالزيادة خيرًا فهو خير له، يقول الله عز وجل: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنْ اللهِ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (النساء: من الآية 11).
فلا علاجَ للأنانية إلا الصدقة، ولا علاجَ للبخل أوقى من الزكاة، ولا علاج للرياء مثل الصوم وصدقة السر، ولا علاج لسخائم الصدور إلا الهدايا، ولا علاج للحق والحسد من الفقراء وأولي القربى إلا بإعطائهم حقهم المعلوم من مالك؛ فيحبون لك أن يزيدك الله؛ لأن خيره عائد عليهم، وهم منتفعون به، بل إن الصحابة كانوا يشكرون الفقراء والمتصدق عليهم؛ لأنهم قبلوا الصدقة؛ لكي يكونوا سببًا في نزول رضى الله على المتصدق.
أما علاج أمراض المجتمع فلن تجد مجتمعًا أُقيمت فيه فريضة الزكاة وتبقى فيه مشكلة اجتماعية اقتصادية تُذكر، ونموذج الأمير الموفق الراشد خامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبد العزيز سلالة جده- رضي الله عنه- في أقل من عامين وزَّع الزكاة على الفقراء، والمحتاجين، فلم يبق منه أحد، وزوَّج من الزكاة، وأعان مَن لا يستطيع مؤنة الحج لأداء الفريضة، وفاض المال فسدد به ديون الأفراد الغارمين في تجاراتهم بالشروط الشرعية، وفاض المال، فأي بركة هذه، وأي خيال، وأي ضلال أنتم فيه يا أصحاب برامج الإصلاح الاقتصادي ذا العقدين، بل ولو حتى العقود؛ لأن الله لا يصلح عمل المفسدين، فأين من الزكاة تجهيز الجيوش، وبناء المدارس المستشفيات، وإقامة مشاريع الإسكان وتشغيل الأيدي العاطلة، وتيسير الزواج والحج، وتسديد الديون، وهل بعد هذا من علاج الأدواء المستحقات الحالية يا أولي الألباب؟.