البدوي عبد العظيم البدوي

 

لقد أدمى قلوبنا ما حدث من محاولة اقتحام الشرطة الصهيونية لباحات المسجد الأقصى المبارك، والذي تصدى له إبطال مدينة القدس الشريف من المرابطين، وحراس المسجد الأقصى وأصيب خلالها ستة عشر بطلاً فلسطينيًّا ممن تصدوا لمحاولة الاقتحام البربرية والتي لا تخلو من رسائل صهيونية للأنظمة العربية والإسلامية، وكذا للشعوب المناهضة للاحتلال الصهيوني في محاولة لإذلالها ودفعها لليأس والتسليم بالأمر الواقع.

 

ولم يكن ذلك الحدث مؤلمًا بقدر ما للسكوت الذي صاحب ذلك الحدث، فلم يصدر حتى تصريح استنكار أو إدانة من تلك التي اعتدنا أن نسمعها في تلك الأحوال مما تليق بمستوى الجريمة.

 

ومما استرعى انتباهي واستفزني من بين تلك التصريحات التصريح الذي صدر عن جامعة الدول العربية والذي قرر أن محاولة الاقتحام هي محاولة لقياس ردود الأفعال؟؟!!

 

فلم أع ما هو المطلوب منا تحديدًا؟! هل المطلوب منا أن لا نصدر أي رد فعل حتى نفوت على الصهاينة فرصة قياسهم لردود أفعالنا مثلاً؟ أم المطلوب منا أن نوافق على أن يقاسمنا الصهاينة المسجد ليقيموا فيه شعائرهم حتى لا نوصف بأننا إرهابيون أو أننا لا نحترم الأديان؟

 

وليس ما حدث للحرم الإبراهيمي منا ببعيد والذي تم تنفيذ ذات السيناريو عليه ولم تكن ردود الأفعال على مستوى الحدث أو تواكب حتى رد الفعل الشعبي مما سهل المؤامرة على الصهاينة!!.

 

الأرض مقابل السلام عليكم!!

ولم أجد للتعبير عن العقلية الصهيونية ومفهومها لمعنى السلام أصدق من كاريكاتير نشر في إحدى الصحف المصرية أيام كان إسحق شامير رئيسًا لوزراء الكيان الصهيوني والذي صور معنى (الأرض مقابل السلام) عند الصهاينة باعتبار أنها (الكرة الأرضية بكاملها) وليس الأرض الفلسطينية المحتلة في عام 67 في مقابل أن يقول الصهاينة السلام عليكم أو شالوم دون أن يتخلوا عن أحلامهم التاريخية في الأرض العربية بالطبع، هذا هو أقل ما يمكن أن تقبل به العقلية الصهيونية أو يرضى طمعها أن تستعبد "إسرائيل" كامل الأرض ومن عليها وما عليها من بشر ومقدرات، وما في باطن أرضها من ثروات، ويصدق ذلك الممارسات الصهيونية التي تنفذها كل يوم وكأنه لا صاحب لهذه الأرض أو أمم متحدة أو جامعة دول عربية.

 

وهل يحق لنا أن نفهم تلك الجرائم الصهيونية وآخرها الاقتحام من قبل شرطة الاحتلال لباحات المسجد الأقصى المبارك ومن قبل ذلك، وبعده الاعتداءات المستمرة شبة اليومية على قطاع غزة لاغتيال المقاومين الفلسطينيين إلا على أنها تنفيذ للاتفاقات المشبوهة التي يبرمها فصيل فلسطيني مشكوك في وطنيته، وحرصه على القضية وثوابتها وضوء أخضر من عباس وعصابته الذي التقى نتنياهو وصافح ليبرمان وجلس معهم على ذات الطاولة التي رفض مرارًا وتكرارًا الجلوس معهم عليها وإلا فلِمَ كان اللقاء؟ وعلى ماذا تم الاتفاق بخلاف الخطوات التنفيذية لتصفية القضية الفلسطينية؟.

 

ما المطلوب إذًا؟

والمطلوب منا بعد كل هذا الكلام الذي لا أحسب أنه بجديد عليكم هو أن يتم تبني إستراتيجية واحدة يتم تبنيها من أصحاب القضية والمناضلين من أجلها سواء كانوا في الداخل الفلسطيني أو في الخارج، إستراتيجية يستطيع كل صاحب دور أن ينفذ دوره فيها دون أن يقع في حرج أو ضغط من الدول التي تغطي على الاعتداءات الصهيونية.

 

- على مستوى الحكومات فالمطلوب أن تتمسك برفض كل دعاوى التطبيع المشبوهة مع العدو الصهيوني العابث بمقدسات الأمة العربية والإسلامية وأن تستثمر هذا الحدث إعلاميًّا لإبراز الوجه القبيح للصهيونية العالمية الكارهة لكل معاني الحياة لمن دونها، وحرمان الصهاينة من إبراز أنفسهم كمضطهدين ومساكين يتعرضون للمحرقة الثانية.

 

- وعلى مستوى الدول أيضًا والتي لا ينقصها المال أن تقدم الدعم المالي للشعب المقدسي لتساعده على التمسك بالأرض القدس وألا يضعف أمام إغراءات الخروج من بيت المقدس في مقابل المال والأرض والبيت، كما يستثمر ذلك المال في مشروعات الإسكان والمشروعات الاجتماعية والثقافية لتثبيت أهالي بيت المقدس في الأرض وهم في الأصل ثابتون، وليس أدل على ذلك من التصدي والمرابطة من الأهالي المقدسيين لكل المخططات الصهيونية.

 

- الضغط على السلطة الفلسطينية ورموزها والمتترسين خلف منظمة التحرير الفلسطينية ووضعها أمام خير تاريخي فإما أن يلتزموا بالإجماع الفلسطيني ويوقفوا كل أشكال التفاوض مع العدو الفلسطيني حتى يتعلم أن يحترم الأراضي الفلسطينية وأن ينفذ تعهداته التي التزم بها حتى في خارطة الطريق وأوسلو (رغم رفضي التام لها باعتبارها تجسيدًا لكل ما تحمله كلمة خيانة من معانٍ ليست فقط خيانة للأرض بل لله ولرسوله أيضًا) والتي لن يلتزم بها وهذا الخيار الأول أما الخيار الثاني فهو سحب الشرعية الفلسطينية عنهم حتى يعرف القاصي والداني أن هؤلاء لا يمثلون إلا أنفسهم ولا يعبرون عن خيارات الشعب الفلسطيني فالمسئول الذي لا يملك القدرة على التنقل من رام الله إلى بيت لحم إلا بتصريح من قوات الاحتلال لا يستطيع إلا أن يستجدي حياته وبالتالي فلا وزن له ولا يمثل حتى نفسه.

 

- التهديد (على الأقل بالكلام) بإسقاط خيار السلام كخيار إستراتيجي وفتح الباب أمام خيارات أخرى وعلى رأسها خيار المقاومة ليكون خيارًا إستراتيجيًّا، مع سحب المبادرة العربية للسلام والتي لم تستجب لها "إسرائيل" حتى الآن أو تكترث لها وتأكيدها الدائم على أن تحصل على كل شيء من العرب دون أن تعطي هي شبرًا واحدًا أو تقدم ثمة تنازل وفقًا لمفهوم (الكره الأرضية) مقابل السلام (والأخير بمعنى أن ترد على العرب بقولها (السلام عليكم أو شالوم) دون أن تكف أذاها عن بلادنا التي تعتبرها حقًّا مكتسبًا وكلأً مباحًا.

 

ويبقى الرقم الصعب

ويبقى الرقم الصعب ومفتاح الحل للقضية كلها وعلى رأسها قضية بيت المقدس وهو الشعوب العربية والإسلامية التي تستطيع أن تقلب كل موازين الصهيونية العالمية و"إسرائيل" والمتواطئين والمتخاذلين والمتآمرين وهم الذين قال عنهم الشاعر يومًا:

إذا الشعب يومًا أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر

فالشعوب حينما تحركت بعد حريق منبر صلاح الدين بالمسجد الأقصى أقامت الدنيا ولم تقعدها حتى اجتمعت منظمة المؤتمر الإسلامي وقررت تشكيل لجنة القدس- التي لم تجتمع أو نسمع لها صوتًا رغم كل هذه الأحداث- لتدعم وترعى شئون المدينة المقدسة، وحتى تعود الأرض إلى أصحابها.

 

الشعوب العربية والإسلامية تستطيع أن تشكل ضغطًا مستمرًا على الأنظمة والدول والحكومات حتى لا تفرط أو تتنازل عن المقدسات وتستطيع أن تتمسك بخيار المقاطعة الاقتصادية وتستطيع أن تقاطع وتمنع استقبال المسئولين الصهاينة بل وتلفظ من يتعاملون معهم باعتبارهم يرتكبون عملاً مشينًا لا يمكن أن يتم في العلن ولا يتجرأ أحد على أن يجهر أو يصرح به.

 

ويبقى الرقم الأصعب هو جماهير الشعب الفلسطيني المجاهد خاصة على الأراضي الفلسطينية في الضفة وبيت المقدس الذي بيقظته لن يستطيع أحد أن يبيع أو يفرط في شبر من الأرض، وبهبته وانتفاضته يتطهر ويغتسل التراب الفلسطيني من الرجس ومن الخيانة، وأن كان ولا بد أن تتطهر الأرض بالدماء فلم يبخل هذا الشعب الأبي يومًا في أن يقدم الشهيد تلو الشهيد في مواكب وأعراس لا تنقطع من الأرض وحتى عنان السماء يبشر أولهم آخرهم بقرب الفجر ورضا الرب واستقبال الملائكة لهم بالبشر والفرح وأبواب الجنة المفتحة كل أبوابها.

 

إن الشرارة التي كانت باعثًا وفتيلاً لاشتعال الانتفاضة الفلسطينية التي واكبها إعلان ميلاد حركة المقاومة الإسلامية حماس كان هي ما نراه الآن من تقارب فئة من الفلسطينيين مع الصهاينة والتقاء مصالحهم واستمراء الاختلاط بين نسائهم والشباب الصهيوني في المنتجعات السياحية والعكس، ولكننا الآن نرى الاختلاط أخطر من ذي قبل فنرى الاختلاط وتلاقي المصالح على سرعة كبت الجماهير الفلسطينية الرافضة للتسليم والتفريط والتخلي عن الثوابت الفلسطينية حتى أصبح دور الحرس الرئاسي الفلسطيني هو دور كبت الشعب ومنعه من التعبير وحماية الرئيس الفلسطيني من أفراد شعبه فهل هذا هو الدور اللائق بالمناضلين والمقاومين؟

 

انتفاضة جديدة

وإذا كانت الانتفاضة السابقة قد نجحت في تحقيق أهدافها وأعادت بناء الحاجز النفسي والعقدي والثقافي والاجتماعي بين الشعب الفلسطيني من جهة وبين الصهاينة وأعوانهم من جهة أخرى، فنحن إذا في انتظار الانتفاضة الجديدة التي ستعيد إلى مسامعنا أخبار الهجرة العكسية إلى خارج فلسطين 48 وتطهر التراب من الخيانة للثوابت الفلسطينية والتي استشهد من أجلها الآلاف من أبناء الشعب العربي وليس الفلسطيني فقط، وليست تلك دعوة للثورة بل دعوة لاستعادة الحق السليب.

 

فمتى يطلع الفجر وينتفض أهلنا في الضفة لتعود الأمور إلى مجاريها ومسارها الصحيح؟

نحن في الانتظار.. ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ (الإسراء: من الآية 51).

--------------

* مستشار قانوني- محكم تجارى دولي- باحث