- خبراء القانون: 90% من القضايا وراءها الطمع
- د. آمال حجازي: الحجر الكيدي قتل معنوي للآباء
- د. رأفت عثمان: أبشع ألوان العقوق وإحدى الكبائر
تحقيق- سلمى ياسين:
ظاهرة خطيرة تستشري في مجتمعنا إلى الحد الذي ينذر بكارثة اجتماعية.. حيث تؤكد الدراسات الصادرة عن كل من المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية وإحصائيات وزارة العدل أن معدل قضايا الحجر التي يرفعها الأبناء على آبائهم في تزايد مستمر خلال السنوات السبع الأخيرة، وقد شهدت محكمة القاهرة وحدها خلال هذه الفترة أكثر من 5000 قضية حجر؛ 90% منها قضايا كيدية يرفضها القضاء لانتفاء العلة الموجبة لرفعها فيما بلغ عدد القضايا على مستوى الجمهورية 354.695 قضية.
وتمثل قضايا الحجر الكيدية أقبح صور العقوق؛ لما لها من تبعات نفسية على الآباء، فيقول خبراء النفس إن قضايا الحجر الكيدية تسبِّب للمسنِّ حالةً من الانطواء، يكون لها التأثير المباشر في حالته النفسية والصحية معًا؛ حيث يصاب بمرض الاكتئاب؛ نظرًا لشعوره بأن دوره في الحياة قد انتهى؛ ما يزيد من احتمالات إصابته بالأمراض، مثل الزهايمر وفقدان الذاكرة، فضلاً عن قائمة الأمراض العضوية المتعددة.
ولخطورة القضية فإننا نبحث هنا أسبابها، ونحاول الوقوف على أبعادها في التحقيق التالي:
ليتني ما أنجبت!!
هذا ما تمنَّاه الحاج محمود (67 عامًا)، بعدما أقام عليه أبناؤه الثلاثة قضية حجر؛ لا لسبب سوى أنه أراد الزواج من أخرى بعد وفاة والدتهما، وبالرغم من أن هذه القضية رفضتها المحكمة فإنها أورثت في قلبه المرارة والحسرة على سنوات العمر التي أمضاها في تعب وعناء من أجلهم، وحرم نفسه من ملذات الحياة حتى يتمتعوا هم بها، وكان ردّ الجميل هو محاولة الحجر عليه.
أما الحاج عبد الله (69 عامًا)، فهو يرفض حاليًّا البقاء مع أبنائه الذين تمكَّنوا من فرض الوصاية على أمواله، وفضَّل البقاء في إحدى دور المسنِّين، بعدما اتهموا والدهم بالسفه؛ لأنه رفض أن يغيِّر نشاطه التجاري الذي أصبح لا يتناسب مع مستواهم الاجتماعي، فاستغلوا نفوذهم الذي أفنى عمره ليصلوا إليه، وتمكَّنوا بالفعل من الحجر عليه والاستيلاء على ثروته.
وعلى الرغم من مضيِّ خمسة أعوام على رفض المحكمة الحجر على الحاجة أم رأفت (65 عامًا) فإنها لم تكفَّ يومًا عن البكاء حسرةً وندمًا على ما بذلته في سبيل أبنائها؛ الذين أعمى الطمع قلوبهم إلى الحد الذي كانوا يعتبرون رغبتها في الذهاب إلى الحج أو حتى تجديد منزلها القديم تبديدًا للأموال والثروة التي تركها لهم أبوهم.
جشع مادي
ويؤكد د. أحمد صبحي أستاذ القانون الجنائي أن أغلب قضايا الحجر التي تنظرها المحاكم قضايا كيدية تفتقر إلى العلة القانونية والشرعية الموجبة لرفعها؛ حيث يكون في الغالب دافعها تحقيق مطمع مادي لانتزاع مال الأب أو الأم والاستئثار به دونهما، وهذا على الأكثر حينما يقبل أحدهما على الزواج في مرحلة متأخرة من العمر.
ويوضح أن القضاء دائمًا يرفض هذه القضايا ويندِّد بها؛ لمخالفتها الشرع والأخلاق؛ حيث غاب الضمير عن الأبناء إلى الحدِّ الذي جعلهم يلهثون وراء أي مصدر يحقِّق لهم مكسبًا ماديًّا دون تعب وعناء؛ حتى لو كان ذلك على حساب الأب والأم؛ ما يؤكد وجود خلل خطير في القيم الأخلاقية يحتاج إلى جهود مخلصة من قِبَل المؤسسات الدينية والمؤسسات المعنية بشأن الأسرة لإعادة تقييمها؛ ذلك أن قضايا الحجر الكيدية دائمًا يكون لها تبعاتٌ نفسيةٌ سيئةٌ وخطيرةٌ على الآباء.
أضرار نفسية
وحول الآثار النفسية التي تلحق بالآباء من جرَّاء هذه القضايا، أشارت د. آمال حجازي أستاذ الإرشاد النفسي بجامعة القاهرة إلى أنه إذا كان يقع على الآباء أضرار مادية من جرَّاء هذا الحجر؛ فإن الأضرار النفسية تكون أكثر بشاعةً؛ حيث إن الطبيعة البيولوجية والنفسية للمسنّ تمثل تربةً خصبةً لنموِّ بعض الأمراض النفسية وتفاقمها، مثل الاكتئاب والإحباط، وهو ما يكون له أبلغ الأثر في اعتلال صحته البدنية.
ويوضح أن الآباء في هذه السنِّ هم أحوج ما يكونون لأن يُشعرهم الآخرون- وخاصةً الأبناء- بأهمية وجودهم في الحياة، كما يحتاجون إلى الإحساس بالحب والحنان؛ ما يزيد من شعورهم بالأمان.
ويضيف أنه لانتشار هذا السلوك المنحرف في مجتمعنا أسباب عديدة؛ أهمها الخلل القيمي الذي أصاب بعض الأسر في مقتل، فضعفت من جرَّائه الروابط الأسرية أو اختفت على الإطلاق؛ حيث اكتفى الأب بدور المموِّل فقط، وتخلَّى عن دوره التربوي والإنساني؛ ما ساهم في القطيعة وسيادة روح الطمع والانتهازية لدى أبنائه، وأصبح في نظرهم مجرد مصدر للإنفاق فقط.
وتكمل قائلةً: ومن ثم يكون هذا الخلل ناجمًا عن خلل أكبر في التنشئة، ومن هنا لا بد أن يتيقظ الآباء لأسلوب تربيتهم لأبنائهم، وألا يتخلَّوا عن دورهم الإرشادي والدعوي في التربية؛ حتى تأتي بثمارها المرجوَّة؛ لأن الانشغال بأمور الدنيا عن تربية الأبناء لا يُجنَى من ورائه إلا كل ما هو خبيث.
كبيرة الكبائر
![]() |
|
د. محمد رأفت عثمان |
ويؤكد د. محمد رأفت عثمان عميد كلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر سابقًا أن الشرع لا يُجيز للأبناء رفع قضايا حجر على الآباء إلا في حدود ضيقة؛ بحيث يكون الأب سفيهًا لا يحسن التصرف في أمواله أو يبدِّدها في الإنفاق على أمور لا تنفع ويكون فيها معصية.
أما رفع القضايا فيما دون هذه الأسباب فيكون من باب عقوق الوالدين، بل من أبشع صور العقوق، وهي كبيرة من الكبائر.
ويقول إن رفع مثل هذه القضايا الكيدية يحمل من الإساءة إلى الآباء ما يتجاوز الحدود؛ فقد نهانا المولى عز وجل عن مجرد التأفُّف لهم؛ فكيف لنا بوصفهم سفهاء؛ حيث قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24)﴾ (الإسراء)، وبالتالي الحجر على الآباء بغير حق يعدُّ جريمةً يعاقَب مرتكبها في الدنيا والآخرة معًا.
ويضيف د. عثمان أنه أولى بالأبناء أن يدركوا أن الثواب العظيم والمكاسب الجمَّة والثروة الحقيقية التي لا تفنى؛ هي في برِّ الآباء والإحسان إليهم؛ حيث إن الجزاء عظيم، يلقاه الابن البار في الدارين: الدنيا والآخرة، أما التضحية بهم من أجل الدنيا فهو الخسران المبين الذي يلحق بالابن العاقِّ أيضًا في الدارين؛ فلا بد أن يفكر الأبناء ألف مرة قبل ارتكاب هذا الإثم العظيم حتى لا يندموا يوم لا ينفع الندم.
