يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (57) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (58)﴾ (يونس) جاء في "أيسر التفاسير" لأبي بكر الجزائري: "اهتدوا بنوره تشفوا وتكملوا عقلاً وخُلقًا وروحًا وتسعدوا في الحياتيْن معًا".

 

ويقول تعالى: ﴿طه (1) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (2)﴾ (طه)، قال الإمام القرطبي في تفسيره: "دين الإسلام وهذا القرآن هو السّلمَّ إلى نيْل كل فوزٍ والسبب في كل سعادة، وما فيه الكفرة هو الشقاوة بعينها".

 

ويقول الإمام ابن القيّم في "مدارج السالكين" (الجزء: 3، فصل: "الدرجة الثانية: سرور"): "الله سبحانه إنما سَمَّيَ أوامره ونواهيه وصيةً وعهدًا وموعظةً ورحمة، ولم يطلق عليها اسم التكليف إلا في جانب النفي كقوله: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (البقرة: 286)".

 

فمِن أين إذن جاء لفظ "التكليف" و"المُكلف"؟!.. إنه لفظٌ علمي استخدمه العلماء للتفريق بين البالغ ومَنْ دونه عند المعاملات الدنيوية وحساباتها الأخروية، لكنه لا يعني أبدًا أنَّ التشريعات تقييدات وعقبات!! إنها لو سُمِّيَت مِنَّا تكليفات، فستكون بمعنى تشريفاتٍ وتكريماتٍ وَترْقِيَِّاتٍ مِن قِبَل الخالق لخلقه.

 

إنَّ بعض الأحاديث النبوية الشريفة قد يُفهَم منها بعض المعاني غير المطلوبة، أشهرها الحديث المعروف:"حُفَّت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات" (رواه مسلم)؛ حيث قد يُوهِم بأنَّ الصدق والأمانة والوفاء والعدل والشورى والحرية والقوة والعلم والعمل والإنتاج والإنجاز والكسب والربح والبرِّ وغيره من أخلاق الإسلام الحسنة والتي تُسعِد كلَّ مَن يعمل بها هو والذين حوله في الداريْن مكاره!! وقد قال بعض العلماء بذلك، لكن من وجهة نظري إننا لم نستوعب حقيقة مُرادهم، ولعل بعضهم قد قالها في زمنٍ ابتعد فيه المسلمون عن هذه الأخلاقيات فأصبحت عزيزة ثقيلة.

 

إنَّ مِن مفاهيم هذا الحديث الحث على الخير وحبه ونبذ الشرِّ وكرهه؛ لأنَّ الدرجات العُلا للجنة هي من نصيب النُشطاء الخيْرييِّن لا الكسالى أو الشَّرِّييِّن! والنشيط يحب عمل الخير لأنه يوافق أصلاً فطرته المُبَرْمَجَة عليه من خالقها، ولأن إنجازه يُسعده سعادة ويُربحه ربحًا ويُريحه راحة ويزيل عنه ما قد يشعر به أحيانًا من جهدٍ أو كُرْه ٍأثناء أدائهٍ كما يُفهَم ضِمنًا من شرح الإمام المناوي في "فيض القدير بشرح الجامع الصغير"؛ حيث يقول: "قال ابن حجر: "وهذا من جوامع كُلِم المصطفى (صلى الله عليه وسلم) وبديع بلاغته في ذمِّ الشهوات وإنْ مالت إليها النفوس والحثِّ على الطاعات وإن كرهتها وشقَّت عليها "ومن المكاره الصبر على المصائب بأنواعها".

 

إنَّ من معاني المكاره: المصائب، كما ذكر الإمام المناوي، فإذا أُصيب المسلم بمصيبةٍ ما- والتي غالبًا ما يكون هو السبب فيها بسوء الأسباب التي اتخذها والتي عليه أن يُراجعها- فليتذكر حينئذٍ ثواب الجنة الهائل ليكون ذلك مُعِينًا ومُقَوِّيًّا له على الصبر حتى يمرَّ بنجاحٍ من هذا السوء وينتفع به خبرات مستقبلية تُسعِده ولا يتعس بهَلعِه وعدم صبره.

 

إنَّ تشريعات الإسلام كلها سعادات للبشر، سواء أكانت في صورة شعائر أم معاملات، فالشعائر مشاعِر، تُحرِّك القلوب والمشاعر لتدفع العقول والأجساد لحُسن العمل فتسعَد، تمامًا كما تضع بطارية السيارة على الشاحن لتشحنها عند فراغها لتزيد قوة حركتها، ومنها على سبيل المثال لا الحصر: الصلاة التي هي صِلة بين الإنسان وخالقه مُعِينه ورازقه لتشحن نفسه وعقله بكل خيرٍ وتغسلهما من كل شرٍّ فتعينهما على الانطلاق في الحياة بخيرٍ ٍوسعادة كما يقول تعالى عنها: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ (العنكبوت: من الآية 45)، وكما يقول صلى الله عليه وسلم: "أرحنا بها يا بلال" (رواه أبو داود).. والصيام الذي يُقوِّي الإرادة كما يقول تعالى عنه: ﴿لَعَلَكُمْ تَتَقُونَ﴾ (البقرة: من الآية 183)؛ لينطلق المسلم بهذه الإرادة القوية بكل قوةٍ في حياته يستكشفها أكثر فينعم بها أكثر فيسعد فيها أكثر.. وهكذا مع كل شعِيرة والمعاملات أيضًا كذلك؛ حيث الصدق مثلاً يُحقق الثقة والطمأنينة فتقوَى العلاقات ويربح صاحب كل عملٍ ويسعد كما يقول تعالى عنه: ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ (محمد: 21)، والعدل به يحفظ الكل للكل حقه، ويعرف واجبه فيسعد الجميع، كما يقول تعالى عنه: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (المائدة: من الآية 8)، وبالإحسان يكون كل عملٍ مُتقنًا مثاليًّا مُرْبحًا مُسعِدًا كما يُنبه تعالى لهذا بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ( التوبة: من الآية 120)، وهكذا مع كل معاملة.

 

فدِين الإسلام سعادة للناس لأنه يُنظِّم لهم كل صغيرة وكبيرة في حياتهم، كل شئونهم الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والصحية والعلمية والإعلامية والعسكرية والرياضية والفنية وغيرها، كما يقول تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (النحل: من الآية 89)، فالهدى والرحمة والبشرى للمسلمين هي السعادة الكاملة في الدنيا والآخرة.

 

وذلك لأنه ينصحهم كيف يأكلون ويشربون وينامون ويستيقظون ويلبسون ويلعبون ويتزوجون ويُنتجون ويكتسبون ويتطورون ويبتكرون ويعملون ويتعلمون ويتعاملون فيما بينهم ويتحابون ويتصاحبون ويتصافون ويتعاونون ويترابطون ويتناصحون ويتشاورون ويتناصرون ويتجنبون خلافاتهم ويتصالحون إذا اختلفوا ويزدادون تمسكًا بعدها.. إنه يُبيِّن لهم أين الصواب من الخطأ والخير من الشر، والسعادة من التعاسة، منذ يولدون وحتى يموتوا؛ ليسعدوا أتمَّ السعادة في دنياهم وأخراهم.

 

إنّه دين، أي نظام، يضع لهم القواعد الأخلاقية العامة التي عليهم ألاَّ يخرجوا عنها لكيلا يتعسوا بخرقها، فيسعدوا، ثمَّ يترك لهم كل تفاصيل حياتهم يضعونها هم بعقولهم المُبَرْمَجَة على الخير أصلاً من ربها في صورة ضوابط أو لوائح أو قوانين أو نحوها على حسب ما يرونه مناسبًا لبيئاتهم وثقافاتهم وظروفهم وأحوالهم المتعددة.

 

فالتاجر مثلاً عند تجارته إطاره العام الذي عليه ألاَّ يخرج عنه هو الأخلاق النافعة المُسعِدة، فلا يضرَّ أحدًا أو يخدعه أو يظلمه أو نحو هذا ثمَّ بعد ذلك فليتاجر فيما يشاء وكيفما يشاء ومع مَن يشاء.. وكذلك الحال مع كل تخصص، مع السياسي والاقتصادي والعسكري والعلمي والإعلامي والصحي والمهني والرياضي والفني ونحوهم.

 

إنَّ هذه المرونة العالية للإسلام هي سرُّ صلاحيته لكل الأزمنة والأمكنة والعصور إلى يوم القيامة؛ لأنَّ قواعده وُأطرُهَ من الخالق العالِم بكل شيء فيهم وحولهم ولهم، وتفاصيله من البشر وبهم وإليهم؛ ليُسعدهم في الداريْن، كما يُفهم من قوله تعالى أنهم أحرار داخل هذا الإطار النافع المُسعِد: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ (هود: من الآية  118)، ومن قوله صلى الله عليه وسلم كذلك: "أنتم أعلم بأمر دنياكم" (رواه مسلم وغيره)؛ ولذا كان هو الدين الخاتم للبشرية بعدما تعدَّدت المراحل التي مرَّت بها ليتحقق انتفاعها الكامل بالأرض ولتكتمل سعادتها وتستمر عليها حتى يوم الخلود.. رحمةً وحبَّا من بارئها.

 

يقول الإمام ابن كثير في تفسير "حياة طيبة" في قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97)﴾ (النحل)، وعن ابن عباس رضي الله عنه أنها هي السعادة.

 

ويقول الإمام السعدي في تفسيره لقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ﴾ (البقرة: من الآية 185): "جميع ما أمر الله به عباده في غاية السهولة في أصله".

 

ولذا، بقي أن نشير إلى أن مقولة "الصبر على الطاعة" التي اعتدنا كثيرًا على ترديدها، والذي قد يوحِي بمشقتها وثقلها، وأنها مجرَّد انقياد لأوامر قاسية لا لنصائح مُسعِدة، قد تحتاج منا- من وجهة نظري- لبعض تعديلٍ يتماشَيَ مع ما سبق ذكره، لتكون مثلاً "السعادة بالطاعة" أو "الوصايا المُسعِدة" أو "الإسلام لأسعد وأيسر حياة" أو نحو ذلك.

 

فكن أيها الداعي إلي الله والإسلام ممَّن يتعاملون مع تشريعات الإسلام على أنها سعادات لا تكليفات؛ لتسعَدَ بها أنت أولاً، ثمَّ لتُسعِد مَن حولك، ولتتسع دائرة الحب للإسلام والإقبال عليه، ولتزداد سعادتك بكثرة الأخلاقيين الذين سيُحسنون به معاملتك في الدنيا، وليعظم ثوابك في الآخرة.

----------

* داعية وكاتب مصري