- 92 مليار دولار خسائر الكيان بسبب المقاطعة الاقتصادية

- فعالية سلاح المقاطعة دفع الكيان وأمريكا إلى محاولات إجهاضه

- الخبراء: قطع العلاقات التجارية أشد إيلامًا من أسلحة المقاومين

 

تحقيق- إيمان إسماعيل:

بلغت أعلى معدلات الخسائر التي تكبَّدها الكيان الصهيوني نتيجة المقاطعة العربية لسلعه الاقتصادية في عام 1999م؛ حيث قُدِّرت بـ92 مليار دولار، وفقًا لإحصائيات مكتب المقاطعة العربية للكيان الصهيوني، ومع مرور عام على حرب غزة الأخيرة "حرب الفرقان" يظل عالقًا بالأذهان مدى تأثير فكرة المقاطعة على الكيان الصهيوني، ومتطلبات عملية إحيائها من جديد.

 

ولا شك أن أهم الأسلحة الفتَّاكة التي يمكن استخدامها ضد أيِّ دولة, خاصةً تلك الدول التي تقاتل المسلمين وعلى رأسها الكيان الصهيوني، أو تلك التي تعين بعض الدول على قتال المسلمين مثل الولايات المتحدة الأمريكية, هو سلاح المقاطعة الاقتصادية, فهو سلاح يُرهب الدول والشركات العالمية الكبرى، والذي سبق أن جرَّبه العرب وأدَّى إلى امتناع كثير من الشركات العالمية عن التعامل مع الكيان سعيًا وراء مصالحهم الاقتصادية؛ لأن التعامل مع العرب أكثر مردود اقتصادي مقارنةً مع الكيان الصهيوني.

 

ضغط جماعي

وتعتبر المقاطعة بأشكالها المختلفة- بما فيها المقاطعة الاقتصادية- إحدى وسائل الدفاع عن النفس بين الدول ضد المعتدين على أراضيها أو سياساتها أو مواطنيها، كما تعتبر وسيلة من وسائل الضغط الجماعي التي تستخدمها مجموعة من الدول؛ لتحقيق أهدافها السياسية والاقتصادية والعسكرية، وتعتبر المقاطعة العربية للكيان الصهيوني التي بدأ العمل بها منذ عام 1945م عملاً دفاعيًّا مشروعًا، أقرَّته جامعة الدول العربية كإحدى الوسائل التي يستخدمها العرب ضد الاعتداءات الواقعة عليهم من الكيان الصهيوني، كما تجسِّد المقاطعة العربية للكيان الصهيوني كنوعٍ من أنواع الدفاع عن الوجود العربي أمام استمرار دولة العدو الصهيوني في احتلال الأراضي العربية، والاعتداء على الشعوب العربية، وتهديد الأمن القومي العربي.

 

جذورها

وتعود فكرة المقاطعة الاقتصادية للكيان الصهيوني إلى تصاعد لهجة العنف لدى الكيان الصهيوني ضد الفلسطينيين العزل؛ حيث ارتفعت أصوات اسلامية وعربية تنادي بضرورة تفعيل المقاطعة العربية للكيان الصهيوني، ومِن تتبع التاريخ تبين أن المقاطعة العربية للكيان الصهيوني مرَّت بعدَّة تطورات؛ حيث تم تشكيل لجنة دائمة للمقاطعة بدلاً من اللجنة المؤقتة؛ لمتابعة تنفيذ قرارات المقاطعة، ثم تطورت بعد ذلك؛ حيث تمَّ نقل عملية المقاطعة من مجرد مقاطعة سلبية إلى مقاطعة إيجابية، بمعني أن تقوم الدول العربية بإنشاء صناعات ذات أسس اقتصادية؛ لتحل محل سلع الكيان الصهيوني في الأراضي الفلسطينية أو في الدول العربية الأخرى؛ ليتمكن الفلسطينيون من الاعتماد على السلع العربية، والاستغناء عن سلع الكيان الصهيوني المثيلة، وانتقلت المقاطعة العربية للكيان الصهيوني من الالتزام الحكومي العربي فقط إلى الالتزام الشعبي، وتم إنشاء مكاتب للمقاطعة في كل دولة عربية؛ لتعمل تحت إشراف مكتب رئيسي مقره في دمشق.

 

ليست 100% ولكن..!

ولا يمكن الجزم بأن المقاطعة العربية للكيان الصهيوني قد حققت كل أهدافها؛ وذلك لأنها لم تطبق بنسبة 100%، ولكن في الوقت نفسه لا يمكن إنكار الآثار والخسائر الاقتصادية التي تكبدها الكيان الصهيوني؛ بسبب المقاطعة العربية لها سواء كانت مقاطعة مباشرة أو غير مباشرة؛ حيث تشير بيانات المكتب الرئيسي للمقاطعة العربية في دمشق إلى أن الخسائر التي تكبدتها دولة العدو الصهيوني بسبب هذه المقاطعة أخذت في التراكم بمرور الوقت، حتى بلغ إجمالي الخسائر 92 مليار دولار منذ بداية المقاطعة وحتى عام 1999م، ثم دخلت بعدها في حيز التلاشي إلى يومنا هذا.

 

ويوضح البيان أنه في الفترة من عام 1945م إلى عام 1956م تكبد العدو الصهيوني 50 مليون دولار، وحتى عام 1983م تكبد 45000، وفي دراسة أصدرتها لجنة التجارة الدولية الأمريكية حول المقاطعة العربية للكيان الصهيوني بيَّنت أنَّه في العام 1993م وحده خسرت الشركات الأمريكية 400 مليون دولار بسبب ضياع الفرص, وخسرت أيضًا 140 مليون دولار بسبب تقيدها بأحكام المقاطعة، وهذا ما قاد الممثل التجاري للولايات المتحدة الأمريكية آنذاك (ميكي كانتور) لأن يصرح بأن (ما كشفته الدراسة يؤكد الأهمية الحاسمة لإنهاء مقاطعة الجامعة العربية للكيان الصهيوني بكافة أشكاله، وأن الإدارة الأمريكية ستواصل العمل لتفكيك ما تبقى من مقاطعة.

 

محاولات إجهاض!

لذلك كان الضغط قويًّا من ناحية واشنطن لإلغاء المقاطعة العربية للكيان، فما أن عاد الموقِّعون على اتفاق أوسلو إلى بلدانهم حتى أصدرت الجامعة العربية قراراً مثيراً يقضي بإلغاء المقاطعة من الدرجتين الثانية والثالثة, وفي ضوء هذا القرار اتخذ مجلس التعاون الخليجي أواخر العام 1994م قرارًا مماثلاً , شجع الشركات التي تتعامل مع الكيان على الاستمرار في الضغط على حكوماتها لإسقاط كل أشكال المقاطعة.

 

وبعد اتفاقيتي أوسلو ووادي عربة, وما تبعها من تطبيع مع الكيان, فتح الباب على مصراعيه للاقتصاد الصهيوني الذي غزا أسواق الدول العربية، والتي كانت متضامنة مع قضاياهم، وملتزمة بعدم إقامة أي نوع من العلاقات مع العدو الصهيوني، فتضاعفت التجارة الخارجية وتحول النمو الاقتصادي من سلبي في الثمانينيات وصل فيه التضخم إلى 400 بالمئة إلى نمو إيجابي في التسعينيات يفوق معدلات النمو في الدول العربية, خاصة باعتماد الكيان على الحقول الاقتصادية الجديدة مثل: الإلكترونيات، وأجهزة الحاسوب، والبرامج.

 

سلاح فعال

 ومما يثبت فاعلية سلاح المقاومة ضد العدو الصهيوني، هو تعرضها لضغوط من الدول الغربية خاصة الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا، فالولايات المتحدة الأمريكية ودول الغرب عمومًا بدأت منذ سنوات عديدة في مساندة دولة العدو الصهيوني، واتخاذ إجراءات للضغط على الدول العربية؛ لإلغاء هذه المقاطعة بحجة تهيئة الأجواء لمفاوضات السلام العربية الصهيونية وبناء جسور الثقة بين الطرفين، وعلى جانب آخر سعت هذه الدول إلى إضفاء الطابع العنصري على المقاطعة العربية للكيان، والقول بأن المقاطعة ضد الشرعية الدولية وقوانين حرية التجارة العالمية، بل إن دولاً أوروبية مثل فرنسا قامت بإصدار قانون في عام 1997م يرفض مبدأ المقاطعة.

 

وبدأت هذه الدول في استخدام منظمات دولية لتفكيك عرى المقاطعة العربية للكيان، ولعل أحْدَثَ مثال لذلك هو ما بدأته الرابطة الدولية لمناهضة العنصرية ومعاداة السامية "ليكرا" في مايو 2000م من حملة ضارية ضد المقاطعة العربية للشركات الأجنبية التي تتعامل مع دولة العدو الصهيوني، وساعدتها في ذلك غرفة الصناعة والتجارة في فرنسا؛ وذلك بهدف إرساء قاعدة قانونية واستصدار حكم قضائي من المحاكم الفرنسية؛ يكون سندًا ومرجعًا لإرغام الشركات الفرنسية على عدم الانصياع لإجراءات المقاطعة العربية للكيان الصهيوني؛ حيث قامت هذه الرابطة بمقاضاة شركة "المييرام" الفرنسية التي أبرمت عقدًا مع إحدى شركات دبي لتزويدها بشحنة من الأدوات المنزلية.

 

وقامت شركة دبي بالاشتراط عليها أن تصدر شهادة تؤكد أن هذه المنتجات فرنسية، ولا تحتوي على أي مكون صهيوني، وهذا المثال وغيره يؤكد أن الدول الغربية تسعى جاهدة إلى إجهاض المقاطعة العربية للكيان الصهيوني.

 

عودة لمقاطعة شاملة

وتؤكد كل المؤشرات بأن العودة لسلاح المقاطعة ممكنة إذا ما كانت هناك إرادة شعبية قوية، وسعي حثيث في توحيد الجهود، وإحياء الهمم، وإثارة العواطف من جديد، فضلاً من ضرورة وجود قرار سياسي واضح, ليس تجاه الكيان فحسب, إنما ضد الدول التي تدعمه أيضًا، من الولايات المتحدة التي لا تخفي دعمها المطلق للكيان؛ وقد شاهد الملايين كيف تحوَّلت حملات المرشحين لمنصب الرئاسة إلى تنافس على كسب ود اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة, مع أن اليهود يشكلون نسبة لا تزيد على 2% من سكان الولايات المتحدة، بالإضافة إلى أن الموقف الأمريكي تجاه الإرهاب الصهيوني الذي تضاعف إبَّان الانتفاضة وحرب غزة الأخيرة كان واضحًا ولا لبس فيه.

 

ومما يزيد من قوة المقاطعة العربية أن الاستثمارات العربية في الخارج تُقدر بأكثر من 700 مليار دولار، والجزء الأكبر منها موجود في الولايات المتحدة, مما يدفع إلى ضرورة الإسراع إلى وجود توجه جدي للشروع في تأسيس وتفعيل السوق العربية المشتركة وقبر مشروع الشرق أوسطية، حتى تعاد بعض تلك الأموال لتنفيذ المشاريع الكبرى على المستوى العربي؛ كالطرق، وفتح الحدود، والربط الكهربائي، وغيرها من المشاريع المؤسسة لوحدة اقتصادية حقيقية غير قابلة للعطب.

 

مقاومة شعبية

 الصورة غير متاحة

د. حمدي عبد العظيم

من جانبه يؤكد د. حمدي عبد العظيم الخبير الاقتصادي والرئيس السابق لأكادمية السادات للعلوم الإدارية على ضرورة إحياء عملية المقاطعة الاقتصادية للكيان الصهيوني من جديد، خاصةً مع تزامنها مع الأزمة المالية العالمية؛ لما لها من تداعيات في التأثير على اقتصاد الكيان الصهيوني، وبالتالي على تحركاته، مشيرًا أنها ستكون أكثر إيلامًا وتأثيرًا على الكيان في تلك الفترة من أي فترة أخرى.

 

ويطالب د. عبد العظيم بضرورة تكوين جبهة شعبية موحدة، يُحشد فيها كم هائل من أفراد الشعوب العربية المختلفة بعد توعيتها بقوة تأثير مقاطعتها لبضائع الكيان الصهيوني على اقتصاده وعلى قوته، مشيرًا إلى ضرورة دعوة أصحاب منافذ بيع المنتجات الصهيونية بالتخلي عن ذلك الطريق، ومحاولة ضمهم إلى ذلك الصف لتوحيد جهود الشعوب.

 

ويوضح د. عبد العظيم أن الاتفاقيات التي أقامتها الأنظمة العربية مع الكيان الصهيوني والولايات المتحدة الأمريكية من اتفاقية أوسلو واتفاقية كامب ديفيد هي التي كبلت الحكومات العربية وأضعفت من تحركتها، وبالتالي أضعفت من الدور الذي ممكن أن تقوم به المقاطعة، ملمحًا إلى أن الوهن والتراخي وضعف الإرادة لدى الشعوب هو العامل الأكبر في التأثير على قوة عملية المقاطعة؛ لما لهم من قوة تأثير تفوق الحكومات.