صحفيون وإعلاميون والخبراء:

- لا يوجد إعلام عربي يمارس عمله بحرية

- الإعلام الحكومي أشعل الفتنة الفلسطينية

- بعض الفضائيات تبنت سياسة التليفزيون الصهيوني

 

تحقيق- هبة مصطفى وسماح إبراهيم:

أمراض وظواهر متعددة تفشت بالإعلام على كافة الأصعدة أثناء تغطيات أحداث الحرب الدامية على قطاع غزة على مدار عام كامل؛ فأقلام معظم المحررين والصحفيين جفت، وأعين مراسلي الوكالات والقنوات بدت معصوبة، وزوايا كاميرات المصورين غدت متخبطة مهتزة، أما أفواه عدد كبير من الإعلاميين والإذاعيين أصابها الخرس والكمم.

 

عامُ مرير على بدء العدوان على قطاع غزة شهد أحداثًا داميةً كان بطلها على أرض الواقع رجال ونساء وشيوخ وأطفال المقاومة وأصحاب الانتصار الحقيقي، أما البطل الذي كان يتعين عليه أن يرصد وينقل ويبث فقد كان غائبًا أو نائمًا.

 

وكشف عام 2009 والعدوان الأخير على قطاع غزة مآسي حال الإعلام العربي والمصري بجناحيه الرسمي الحكومي والخاص بما فيهما من اختلال للموازين وسيطرة المصالح السياسية لكل دولة على أبواق الإعلام حفاظًا على جسور الود مع الكيان الصهيوني وتم تسييس تلك الأجهزة الإعلامية تبعًا لأهواء ومصالح كل دولة عربية مع الكيان وداعميه.

 

وطالعتنا الصحف الحكومية منها والخاصة ببعض المانشيتات المتضاربة والهزيلة وكذلك القنوات الأرضية والفضائية على شاشات التلفاز العربية والمصرية إبان عدوان الكيان الصهيوني على قطاع غزة المحاصر، وتبارت تلك القنوات في الاختباء وراء شعار اختارته لنفسها تضامنًا مع الأحداث حيث رفعت بعض القنوات شعارات (اجتياح غزة، غزة تحت النيران، المجزرة مستمرة، غزة في دائرة العدوان، غزة صامدة، فاجعة غزة).

 

تساؤلات عديدة تدور بأذهان القارئ حول مصداقية تلك الشعارات والأنباء منذ العدوان وحتى الآن، (إخوان أون لاين) وضع تلك التساؤلات أمام أعين عدد من كبار الإعلاميين والصحفيين والمراسلين والأكاديميين لتقييم التناول الإعلامي على كافة الأصعدة للقضية بعد مرور عام كامل عليها، ومدى تداخل المصالح السياسية للحكومات مع الحيادية والموضوعية والمهنية في تغطية الأحداث، ومعرفة مدى قدرة الإعلام على إدارة حملة لفك الحصار عن قطاع غزة.

 

تجاهل

 الصورة غير متاحة

السيد الغضبان

 

بدايةً يرى الكاتب والإعلامي الكبير السيد الغضبان أن هناك حالة من التجاهل التام لتفعيل القضية وإبرازها إعلاميًّا على مدار هذا العام ومنذ انتهاء عدوان الكيان الصهيوني على قطاع غزة، موضحًا أن هذا التجاهل ازداد حجمه بشدة في الإعلام الرسمي التابع والخاضع لسلطة الحكم في كل دولة، وأضاف مُرجعًا أسباب هذا التجاهل إلى ما يربط الدول العربية من مصالح بالكيان الصهيوني والولايات المتحدة مما دفعها إلى أن تتخلى عن الحياد بل وتزيف الحقائق في بعض الأحيان.

 

إعلام مشبوه

وأوضح أن المتابعات الإعلامية المختلفة سواء للإعلام المرئي أو المقروء أو المسموع للعدوان الأخير أواخر العام الماضي قدمت "فرزًا" واضحًا للأبواق الإعلامية لتنكشف السياسة التحريرية والإعلامية لكل مؤسسة ومدى التدخل فيها، وكان للعدوان الأخير فضلاً كبيرًا في كشف الإعلام المشبوه والموجه من غيره في انعكاس واضح لمدى خلط الحكام العرب بين المصالح السياسية لبلادهم وبث ونقل تلك المأساة للعالم بأسره.

 

ويستبعد الغضبان وجود إعلام عربي ومصري يمارس عمله المهني بحرية سواء كان إعلامًا حكوميًّا ورسميًّا أم كان خاصًّا ومستقلاً وهو ما تجلى في الحرب الأخيرة وأبرزه موقف قناة (العربية) الذي يمكن وصفه بأنه "ملتبس" ويحتاج لتوضيح؛ فالإعلام ترسانة كبيرة إما مملوكة للحكومات أو تكون واقعة وخاضعة لرحمتها عن طريق إدارة حملات إعلامية تتوقف على إشارة الانطلاق من تلك الحكومات، بدايةً من التغطية الإعلامية غير الموضوعية للعدوان وحتى التعتيم الأخير على جريمة بناء الجدار العازل بين مصر وقطاع غزة.

 

حارس البوابة!

 الصورة غير متاحة

 د. منال أبو الحسن

وعلى الصعيد الأكاديمي تصف الدكتورة منال أبو الحسن أستاذ الإعلام بجامعة 6 أكتوبر التناول المحلي المصري لأحداث العدوان وما تلاها من أحداث بالشأن ذاته على مدار عام كامل بأنه تناول موجه بشكل صارخ، ولم يقدم أية فرصة للآخر للتحدث عن القضية بشكل موضوعي إلا عبر فضاء الإنترنت وبعض منافذ الإعلام الخاص، واختزل الإعلام المصري الحكومي مأساة العدوان على قطاع غزة في "أزمة حماس مع الكيان الصهيوني" مما أسهم في اشتعال نار الفتنة بين أطراف المصالحة الفلسطينية ووضع "حارس بوابة" على التغطيات الإخبارية ونشر كل ما يخص ما يسمى بالسلطة الفلسطينية وفتح وتجاهل كل ما يخص حركة المقاومة الإسلامية حماس.

 

وأضافت أن هذا التوجه المحلي يوجّه الرأي العام بشكل غير موضوعي نظرًا للوضع الحرج للحكومة لاستنادها إلى أن أي مقاومة من الجانب الفلسطيني هي ضد اتفاقيات السلام بين مصر والكيان مما يسيء لسمعة مصر!!.

 

وطرحت أبو الحسن مبادرة حول دور الإعلام في فك الحصار عن قطاع غزة عن طريق تحريك الرأي العام بالضغط على السلطات التنفيذية في البلاد لرفض بناء الجدار العازل الذي يعزز من حصار قطاع غزة والانتقال بهذا الحجم الضغط الشعبي المجسد إعلاميًّا إلى بلدان العالم المختلفة والمجتمع الدولي.

 

مهنية غائبة

 الصورة غير متاحة

جمال فهمي

وشن جمال فهمي عضو مجلس نقابة الصحفيين ومقرر لجنة الشئون العربية والخارجية بها هجومًا حادًّا على الأجهزة المختلفة للإعلام وتدني حياديتها ومهنيتها التي انعكست بالطبع على تغطيتها للأحداث السياسية والإنسانية الهامة كالأحداث الأخيرة على قطاع غزة، لافتًا إلى أن المهنية الإعلامية أصبحت غائبة في مجتمعنا العربي والمصري لصالح التوجهات السياسية.

 

وخص فهمي الإعلام المصري بالهجوم، واصفًا إياه وقت العدوان بأنه كان "بوقًا" للإعلام الصهيوني حيث قدم على صفحاته وشاشاته تغطيات غير مهنية بالمرة لعدوان بهذه البشاعة عن طريق اختلاق وتضخيم الأكاذيب لتقليب الرأي العام على الشعب الفلسطيني، وتعالت في سبيل هذا بعض الأصوات القبيحة والأقلام المسمومة في الإعلام الحكومي المصري، ولم يسلم الإعلام الخاص من هذا التدني حيث شهد تدخلاً أمنيًّا وضغوطًا من وعلى بعض رجال الأعمال والمستثمرين من مالكي القنوات حفاظًا على مصالحهم واستثماراتهم.

 

(العربية).. عبرية!

وأضاف أنه على الساحة العربية لم يظهر أي منبر إعلامي حقيقي تعامل بمهنية وحيادية وصدق مع العدوان على الشعب الفلسطيني بل على العكس كشفت تلك الأحداث سوءات بعض الأبواق الإعلامية لأنظمتها كما فعلت قناة (العربية) التي أطلق عليها بعض الإعلاميين عقب العدوان (العبرية)، والقناة الثانية للتليفزيون الصهيوني، وقنوات أخرى كـ(الجزيرة) و(بي بي سي) اللتين حامت حولهما بعض الملاحظات والشبهات.

 

واستطرد قائلاً: "الانقسام السياسي في النظم الموصوفة بـ"المعتدلة" طبقًا للتصنيف الصهيوأمريكي كان جليًا وامتد على مدار العام، حيث كانت تلك الأنظمة وأبواقها الإعلامية الفاسدة في جهة، والإعلام الناقل لواقع الشارع العربي في جهة أخرى، مما حدا بالبعض بالقول إن أحداث العدوان كشفت مدى الانحطاط الذي وصل إليه الإعلام العربي عامةً والمصري خاصةً.

 

الإعلام الأمني

ويرجع فهمي تلك الحالة من التدهور المهني إعلاميًّا إلى افتقار البيئة السياسية للحريات الحقيقية التي تولد تشوهًا إعلاميًّا يعكس حالة التشوه السياسي، فالبعض حاول الوصول للنجومية الإعلامية عن طريق نيل الرضا والتقرب للجهات الأمنية على حساب قلمه وكلمته ومهنيته.

 

وعدّد فهمي حجم محطات التقييم والاختبار التي واجهت الإعلام العربي والمصري على مدار العام بداية من عدوان الكيان الصهيوني على قطاع غزة، واحداث مباراة مصر والجزائر وتداعياتها وختامًا بالجدار العازل بين مصر وقطاع غزة، مشيرًا إلى أن تلك الأحداث كانت الأبرز لكشف الإعلام المشبوه عن غيره والأبواق التي تتخذ من الإعلام ستارًا لأغراضها السياسية المختلفة.

 

حرب على الهواء

 الصورة غير متاحة

الاحتلال الصهيوني ارتكب مجازر بشعة في غزة

من جانبها انتقدت نادية الجويلي الصحفية بالنشرة العربية لوكالة "رويترز" للأنباء والمستشارة بمؤسسة طومسون رويترز تراجع دور الإعلام الحكومي المصري في نقل أحداث عدوان غزة، مشيرةً إلى أنه كان من أقل الوسائل تناولاً للقضية، وألقت بالمسئولية على غياب الدور الفعلي للمؤسسات الإعلامية الحقيقية حيث شهدت الأحداث غيابًا تامًّا لوزارة الإعلام المصرية مقارنة ببعض التغطيات لبعض أجهزة الإعلام العربية التي عمدت إلى تلميع دور حكوماتها مما دفع البعض لقول إن مصر لم تلعب أي دور حيوي في الأزمة بل ولعبت دورًا سلبيًّا أيضًا.

 

وفسرت ذلك أن الأحداث الدامية وقت العدوان كانت تُحرك مشاعر أي بشر نحو اتخاذ خطوة ايجابية لنصرة الشعب الفلسطيني، وفي الوقت الذي يلمع فيه سماء بعض الشاشات لبثها "حرب على الهواء" تأخذ أسهم الإعلام المصري في الهبوط والتراجع.

 

30 ثانية لغزة

وساوت الجويلي بين تدني دور الإعلام الحكومي المصري، وبين التجاهل الدولي لبث الجرائم البشعة لحظة بلحظة؛ فعلى الصعيد الدولي اقتصرت مدة البث للمشاهد الدامية داخل قطاع غزة على أقل من 30 ثانية يوميًّا وسط تذرع بأهمية حجب المشاهد المؤلمة نفسيًّا لشعوبهم كما أنهم يروا أن تعمد النشر والبث والتكرار يُحدث "تبلد" للقضية ولمشاعر المشاهدين!!.

 

وشددت على أن للإعلام دورًا قويًّا في رفع المعاناة عن الشعب الفلسطيني عن طريق الاستمرار في نقل مآسي من يعيشون تحت الحصار، وألا يكل ويمل الإعلاميون الشرفاء من نقل بشاعة الحصار مع توجيه الاهتمام الإعلامي لمن يحاول فك الحصار من الخارج، ولجهود قوافل الإغاثة العالمية.

 

ودعت الأجهزة المسئولة عن الإعلام في كل دولة لإطلاق يدها عن تقييد الإعلام وتوجيه مؤسساتها الإعلامية نحو حصار غزة، في الوقت الذي يجب على الإعلام الخاص فيه أن يواصل مهمته بكشف الحقائق للعالم كما هي ومحاولة الابتكار والتناول المختلف والمتجدد للمأساة.

 

أيمن الصياد رئيس تحرير مجلة (وجهات نظر) قال إن التناول الإعلامي على كافة الأصعدة لا يرقى إلى مستوى الحدث، مشيرًا إلى أن التقصير الإعلامي يخضغ لرغبة الساسة وليس الإعلاميين لأن كلاًّ من الإعلام الرسمي والخاص يتأثر بمالكه والتدخلات السياسية تسيطر بوضوح على حرية الإعلام على كافة الأصعدة.

 

وأوضح أن أنظمتنا العربية بحاجة إلى إرادة قوية لتفعيل الأحكام والقرارات كما حدث مع تقرير "جولدستون" الذي تم تجميد تنفيذ توصياته، فالأحكام لا قيمة لها إذا لم تنفذ، فالسياسة تقود والإعلام ينفذ.