الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد؛ فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته،
وما أسعدني بوجودي بينكم، وما أشد سعادتي بهذا الحوار الذي يدور بيننا
أُحاور روحي أحاورها وكل حوار مع الروح ماء
حوارنا:
الأخ الصادق إذا يسر الله له إخوان صدق يبثهم همومه وأفكاره، ويقلب معهم الرأي النافع كان ذلك له من أعظم النعم وأفضل اللذات، ولا تجد نفسه بُدًّا من متابعة هذه اللذة الروحية والمتعة العقلية
فَقُلْتُ إِذْ شَهِدَتْ عَيْنِي بحُبِّكُمُ وَلَمْ أَجِدْ عَنْ حِوَارٍ مَعْكَ مُلْتَحَدا
هذا إن شاء الله حوار موضوعي متجرد شفاف مفتوح واضح صريح هادئ هادف مهذب بناء، يتألق بالتفكير المخلص الجريء، هدفه نشر وتبادل المعارف الصحيحة والتجارب الناجحة، وتلاقح الأفكار الجادة والمبتكرة، وحفز المواهب والطاقات الكامنة، وإثراء الثقافة العلمية والشرعية، وتنمية العلاقات الإنسانية والسمات الأخلاقية فيما بيننا، وتعميق وتعظيم نقاط الاتفاق التي نجتمع عليها، وتحرير مواضع الاختلاف والنقاش الحر النزيه حولها؛ للوصول إلى الأكمل والأصوب، كما يهدف إلى تطوير خطابنا الدعوي والإعلامي ليكون قادرًا على تحقيق أهدافنا المتعلقة بنشر القيم الإسلامية في الدنيا، ولعلنا نقدم بذلك نموذجًا رائدًا لكل المتحاورين في كافة المجالات.
وفي البداية فإنني أؤكد لحضراتكم أنني لن أعود للتعليق إلى ما سبق من موضوعات، إلا لضرورة لا بد منها، كالذي قاله الأخ الكريم (ابن الإخوان) على موقع (إخوان أون لاين)، وأنا إذ أقبل من أخي اختلافه معي في القياس وأعتبر هذا لونًا من تعدد الآراء، فالذي لا أقبله أن يعتبرني مثل علماء السلطة الذين يبررون الخطأ، وأنا أسامحك وأعذرك يا أخي (ابن الإخوان) على سوء ظنك؛ إذ يبدو أن حضرتك لا تعرفني، فلو كنتُ كذلك لكان لي طريقٌ غير هذا الطريق أرجو فيه الرغبة وأخشى فيه الرهبة، ولكن يعلم الله والراسخون في معرفتي أنني لست من هذا الصنف ولا أحب أن أكون كذلك أبدًا، ولعل الله يجمعني بك فتعرفني بصورة أكبر تساعدك على تغيير ظنك فيَّ إن شاء الله، وأسأل الله أن يسامحني وإياك، وأن يوفقنا جميعًا لابتغاء رضوانه وحده دون سواه.
الضوابط العشرة وميثاق الشرف:
طرحت في الحوار السابق هذه الضوابط، وتوقعت أن أجد من حضراتكم تأييدًا أو تصويبًا أو إضافة، ولكن هذا لم يحدث، وأنا أقترح على إدارة المنتدى وإدارة الملتقى أن تعرض الضوابط المذكورة في استفتاء على الأعضاء؛ فإن حظيت بشرف الأغلبية تم تبنيها كضوابط للحوار فيما بين الأعضاء، وإلا فأنا شخصيًّا لا أزال مصرًّا على التمسك بها، والسير على هديها إن شاء الله.
المقامات الرحمانية
أعود إلى موضوع التعليق، وأحب أن أشكر جميع الإخوة الذين شرفوني بقراءة المقامة، وأزيد شكرًا لمن شرفني بالتعليق عليها، وأقدم اعتذاري لعدم إمكان التعليق على بعض تلك التعليقات الكريمة، وخصوصًا ما كان منها مدحًا وثناءً، فجزى الله الجميع عني كل خير.
وأقول في البداية لإخواني الذين تصوروا أنني كتبت هذه المقامة للتعليق على الأحداث الأخيرة، فاتجهت تعليقاتهم ذات اليمين وذات الشمال: إن هذا تصور غير صحيح، وقد ظننت أنني بكتابة التوضيح الأخير في التعليق على حوارات مقالة (لولا إذ سمعتموه) قد أنهيت كلامي في هذا الموضوع، وطلبت من حضراتكم أن ننتقل لموضوعات أخرى نناقش فيها قضايا أخرى، ومن ثمَّ بدأت بعرض مجموعة من المقامات التي سبق أن كتبتها، وتتناول مشاكل العلاقات الأخوية اليومية، وطرق معالجتها على شكل حوار حيٍّ مع صديق فقيه نبيه، يتضمن كثيرًا من الآداب والأخلاق الإسلامية التي يجب أن نكون عليها.
ولهذا فيهمني أن أؤكد لحضراتكم أن هذه المقامة والمقامات التالية- بإذن الله- لا أقصد منها إطلاقًا فتح الأحداث الأخيرة للنقاش، فلم يبق عندي- شخصيًّا- ما أقوله في هذا الموضوع، ولكني أطرح بعض مشاكلنا في التعامل مع بعضنا البعض أو مع الناس من حولنا، وقد تتشابه بعض تلك المشكلات مع ما وقع في الأزيمة الأخيرة، لكن ذلك غير مقصود على الإطلاق، وإنما المقصود أن نراجع أنفسنا ونتبين أين نحن من أخلاق دعوتنا وتطبيق مبادئنا، وتحقيق أهدافنا من إصلاح النفوس ونشر الدعوة وهداية الخلق.
ولعل مما يكون مفيدًا لنا جميعًا أن يعرض كل منَّا وجهة نظره في المشكلة المطروحة أو الخلق المعروض، ويعرض ما قد يكون مر به من تجارب في ذلك يمكن الاستفادة منها؛ حتى نرتقي بأنفسنا وننطلق بدعوتنا، وننهض بمشروعنا الإصلاحي على أسس أخلاقية راقية إن شاء الله.
- وبالنسبة لأخي الشطر: فجزاك الله خيرًا على ثنائك على كتابي (مجالس النور)، ويمكن طلبه من دار (منارات) وعنوانها على غلاف الكتاب.
- ولأخي (أبو إسلام) أقول: أحسنت أخي الكريم فنحن في أمَسِّ الحاجة إلى التوازن بين التربية الإيمانية والتربية السياسية بما يحقق السمت المميز لأفراد الدعوة، وهو السمت الرباني الذي به نستجلب معية الله عز وجل ومحبته، ونرجو أن يكون ذلك من الأولويات المهمة إن شاء الله، ونحتاج إلى مقترحات الإخوان العملية لتحقيق هذا التوازن، وليتذكر كل أخ أن تحقيق الربانية في أفراد هذه الجماعة المباركة هو مسئولية الجميع، وهو المقدمة لتحقيق هذه الربانية في الأمة بإذن الله تعالى.
ولأختي الكريمة أم البراء أقول: نعم هذه دعوة الله يغرس لها بكلتا يديه، ونثق بأن صفها أشد تماسكًا مما يروجه ويتمناه خصومها، ونحن لا نحزن من أي تعليق بفضل الله، ومع ذلك فنحن نؤمن بحق كل الإخوان بل وكل الناس في معرفة الحقائق بوضوح، فليس في هذه الدعوة المباركة ما يشين، ولا ما يُستحيا من ذكره على الإطلاق، ولا يجد الإخوان- في أي موقع- أي حرج من قبول النصيحة والرجوع عما يعد خطأ؛ وذلك من أسرار تميزها وتنامي قوتها بفضل الله تعالى.
- ولأخي الناصح الأمين أقول: جزاك الله خيرًا، فما قلتَه صحيح تمامًا، وأبشرك أن هذا هو ما يجري بفضل الله، وإن كان نشر كل موضوع يتم وفقًا لضوابط وظروف معينة، بما يُرى أنه يحقق مصلحة الدعوة بفضل الله.
وأحب أن أقول لك ولكل إخواننا وأحبتنا: إن الجهد البشري- أيًّا كانت نباهة واضعه- يبقى محكومًا بالقصور البشري، ومحتاجًا للمراجعة المستمرة، ويرحم الله إمامنا الشافعي الذي ألَّف كتابه العظيم (الرسالة)، وقال عنه تلميذه المزني: قرأت عليه كتاب (الرسالة) أكثر من ثمانين مرة، فما من مرة إلا وقف على خطأ، ثم قال: "هيه! أبى الله أن يكون صحيحًا غير كتابه"، وإذا كان هذا من الشافعي فما بالك بمن دونه، نعم نحتاج إلى مراجعة اللوائح باستمرار لضمان تطوير العمل وتحسينه، ودقة وسرعة الوصول إلى الأهداف الكريمة التي نرجوها.
- وللأخ صلاح أقول: أنا معك في ضرورة تواصل الإخوة الكرام قيادات هذه الدعوة الكريمة مع إخوانهم، وما من أحد منهم عرضتُ عليه هذه الفكرة إلا رحب بها، فلعل الله ييسر ذلك إن شاء.
- وللأخ ربيع أقول: بارك الله جهدك ونفع بك، وأنصحك بالاستفادة من موقع (www.manaratweb.com)، وسترى فيه ما يسرك إن شاء الله تعالى.
- وللأخ (أنا إخوان ولكن) أقول: لعلك أخي الحبيب حين تقرأ مقدمة هذا الحوار تدرك قصدي من هذه المقامة وما سيتلوها إن شاء الله من مقامات، وأنا معك تمامًا في أن الصمت ليس محمودًا في كل الأحوال، ولعلي في لقاءات تالية بإذن الله أتناول ذلك، وأوضح مثال على ذلك: هذا الحوار فيما بيننا، به نستجلي الحقائق وننمي العقول ونصطاد الفوائد، وأسأل الله أن يهيئنا جميعًا لما هو خير.
- ولأخي الحبيب (مجدد الدين) أقول: لعل كلامي السابق يكشف لك أنني لا أقصد ترك الأمور من غير توضيح، ولا منع أخ من الإخوان من فهم حقائق الأمور، وكن على ثقة أن الجماعة لن تكن في ركود ما دام فيها شباب من أمثالكم يفكرون ويبتكرون ويغارون على دعوتهم إن شاء الله، وأستاذنا وإمامنا القرضاوي حين أطلق هذه الكلمة إنما كان يريد إثارة الجميع للعمل والحركة- كما صرح فضيلته بذلك- حفظه الله وجزاه عن الإسلام والصحوة خير الجزاء.
وأبشرك أن كل ما تريد أن تفهمه مما عرضت في مداخلتك (باستثناء الأمور التي فيها تعرض لأشخاص في أمور خاصة) ستجد إجابته قريبًا، ومَنْ تأنَّى نال ما تمنى، وكما قلت: ليس لدى قياة الجماعة ما تخفيه، وإن كانت الحكمة تقتضي اختيار التوقيت المناسب لكل موضوع، ثم لو أعطيناك كل الإجابات دفعة واحدة ربما تحرمنا من هذه المشاركات الساخنة التي تسعدنا وتطمئننا على حب الشباب وحماستهم للدعوة(!)، وعلى كل حال فأسأل الله أن يشرح صدرك ويملأ بالطمأنينة قلبك، ويذهب عنا وعنك الهم والحزن بفضله وكرمه.
أما أخواي الكريمان.. وحبيباي اللطيفان.. (ظلال السيوف) و(المرشد) كتب الله لهما الرضوان، فتحيتكما مقبولة، وهديتكما واصلة موصولة، وأسأل ربي واسع العطاء أن يتم عليكما النعماء، وأقول لأخي (المرشد الموهوب): ستر الله منا ومنك العيوب، جديرة مقامتك بأن تكون تحفة شريفة، وحاشاها بفضل الله أن توصف بالسخيفة، ولست بالذي يجاريك، ولا أنا بالذي يباريك، فشكرًا لكما شكرًا، وجزاكما الله خيرًا.
- ولأخي (أبو نور الدين) أقول: إنني أثير بين أيدي إخواني هذه الآداب لكي نتناقش حول السبل العملية لتفعيلها وتحقيقها على الوجه الأكمل في واقعنا، وأسأل الله أن يحبك كما أحببتني.
- وللأخت الكريمة (يا أقصى روحي فداك) أقول: نعم نحن في حاجة إلى مزيد من التقارب والتفاعل لتحقيق هذه الآداب، وما أجمل أن يبدأ كل فرد بنفسه، فيسعى في إزالة الجفوة التي بينه وبين إخوانه، والفضل لمن سبق وصدق.
وإلى لقاء آخر قريب أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه.
فاصلة قصيرة:
إن ما جرى من أحداث مؤسفة في نجع حمادي لهو جريمة منكرة وأمر محرم تحريمًا قطعيًّا، فإن كان الفاعل مسلمًا فقد ارتكب إثمًا مبينًا، وإن كان ساعيًا في إحداث الفتنة فهو محارب لله ولرسوله وللمؤمنين، وفي كل الأحوال فإننا نرجو أن تتضح الحقائق وينال المجرم عقابه الرادع بإذن الله، والله نسأل أن يحفظ مصرنا الحبيبة العزيزة من مكر الماكرين وفساد المفسدين.
والله أكبر ولله الحمد، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محم وعلى آله وصحبه أجمعين.
-------------
* أستاذ الحديث وعلومه بجامعة الأزهر وعضو مكتب الإرشاد