- الأناقة والجمال سمات جديدة لسيدات البلطجة

- الانتخابات موسم رواج مهنة بلطجة النساء

- شركات خاصة تعمل في توريد البلطجيات

 

تحقيق- سلمى ياسين:

الأمواس والسنج والمطاوي والعصي الكهربائية أبرز أسلحتها, التحرش وهتك العرض والضرب المفضي إلى الموت أحدث وأغرب جرائمها هذه بعض معالم المرأة البلطجية التي خلعت ثوب الأنوثة بما يحويه من رقة ونعومة لتستبدل ثوب البلطجة والإجرام به، وتزدحم صفحات أخبار الحوادث بقضايا بلطجة النساء؛ فتيات وسيدات من مختلف الأعمار والأوساط الاجتماعية؛ حيث يبلغ عدد قضايا البلطجة التي تشهدها المحاكم المصرية 10 ملايين قضية أوشكت أن تزاحم فيها قضايا بلطجة النساء قضايا الرجال؛ وذلك بخلاف ما لا يتم الإبلاغ؛ مما يشير إلى مدى ما أصاب مجتمعنا من اختلال في القيم والمعايير الاجتماعية.

 

في ضواحي الجيزة فتاة تُدعى هدى اشتهرت بأنها فتاة الأسلحة البيضاء، ولا تخلو حقيبة يدها من المطواة والسنجة، ومبررها في ذلك أنها تعود من عملها متأخرة، ولا تسلم من محاولات التحرش بها، ولكن لا يقتصر استخدامها لهذه الأسلحة على مجرد الدفاع عن نفسها؛ حيث تستخدمها أثناء مشاجراتها العادية مع الجيران، وسبق أن أصابت كثيرًا من الرجال والنساء حتى أصبحت من المسجلات خطرًا في المنطقة، وبالرغم من ذلك فهي على إصرار دائم بأن تكون المطواة بحوزتها.

 

نموذج آخر مختلف هو شيرين؛ تلك الفتاة التي أخفت أناقتها المفرطة وسيارتها الفارهة سوء سلوكها وما يحمله قاموسها من ألفاظ نابية وبذيئة سرعان ما تفوَّهت بها وأشهرت سلاحها المحظور أمنيًّا، وهو العصا الكهربائية، في مشاجرة مع أحد الأفراد كانت قد أصابت سيارته ودمَّرت جزءًا منها، ولما وجدته يُعنفها قابلت عنفه ببلطجة تتعارض مع مظهرها ومستواها، وهددته بأنها لو ضربته بتلك العصا سيصاب بالشلل هذا بخلاف ما تفوَّهت به من ألفاظٍ تخدش الحياء وتؤذي المسامع.

 

 الصورة غير متاحة

"الموسى" سلاح مشهور عن البلطجية من الرجال وأحيانًا النساء المسترجلات، أما الغريب في الأمر أنه أصبح سلاحًا للفتيات لا يشك أحد في اكتمال أنوثتهن من رقة ونعومة مثل حالة نادية طالبة بالجامعة، وتتمتع بقدر عالٍ من الجمال إلا أنها في إحدى مشاجراتها مع إحدى زميلاتها فاجأت الجميع بأن أخرجت من فمها "موسى" لتصيب به زميلاتها؛ مما أثار استياء الجميع منها ومن سلوكها.

 

هذه بعض نماذج من بلطجة الفتيات، أما عن بلطجة السيدات فهي كثيرة، ولا حصرَ لها تبدأ من داخل الأسرة لتمتد خارجها، فقد قامت إحدى الزوجات بضرب زوجها ومحاولة إلقائه من الشرفة أمام الجيران، وقامت أخرى بضرب جارتها ضربًا أفضى بها إلى موت بسبب الخلاف على دجاجة.

 

لا يقتصر الأمر على هذا الحد، بل إن هناك من السيدات من أصبحن يعتبرن البلطجة مهنةً ومصدرًا وحيدًا للرزق؛ حيث إن هناك مناطق في مصر مشهورة بإيواء البلطجيات من النساء منها على سبيل المثال منطقة الجيارة وسط القاهرة يلجأ إليها بعض الأفراد ورجال الأعمال للاستعانة بالبلطجيات لمضاربة منافسيهم وإيذائهم، والغريب في الأمر أن البلطجيات يعتبرن هذا العمل شريفًا؛ حيث إنهن على قناعة بأنهن يساهمن في ردِّ الحقوق لأصحابها من أجل ذلك وضعن تسعيرة خاصة بهن، وهي كالتالي: "ردح:800 جنيه، فضيحة 3000 جنيه، هتك عرض 5000، ضرب 4000 جنيه".. هذا إلى جانب أسعار خاصة للجملة.

 

وتشهد هذه المهنة رواجًا شديدًا في موسم الانتخابات؛ حيث تكاد تأخذ صفة الشرعية، وكانت انتخابات 2005م، الماضية خير شاهد على ذلك؛ حيث رصدت صحف ومواقع إلكترونية عديدة منها موقع حركة "المقاومة المصرية" تفاصيل لبعض الشركات الخاصة التي كانت تتزعمها سيدات مطلقات ومسجلات خطر لتقوم بتوريد البلطجية من النساء للقيام بعدة مهام أهمها التحرش بالنساء المؤيدات للمرشح المنافس، وخاصةً مرشح الإخوان وأيضًا توريد بلطجيات للقيام بدور الكومبارس في حضور المؤتمرات الانتخابية، وكان أجر كل بلطجية يعادل في اليوم الواحد 500 جنيه؛ حيث تشير الإحصائيات إلى أن الرشوة الانتخابية في عام 2005م بلغت 820 مليون دولار.

 

سلوك مكتسب

في هذا الإطار يرى د. عمرو رفعت أستاذ علم النفس جامعة بور سعيد أنه يجب في البداية الاعتراف بأن العنف سلوك مكتسب، فليس هناك إنسان عنيف بالفطرة، رجلاً كان أو امرأةً، وإنما الشخص العنيف يكتسب ذلك من خلال مسيرة حياته، كلا حسب ظروفه، ومن ثَمَّ فإن المرأة التي تمارس البلطجة هي نتاج بيئة انحرفت فيها القيم الاجتماعية، ولعل أغلب هؤلاء النساء مطلقات أو أنهن نتاج لأسرة مفككة غاب عنها العائل والرقيب فأطلقت الابنة لسلوكياتها المنحرفة العنان، ولا شك أن البلطجةَ هي واحدة من صور هذا الانحراف السلوكي، وقد يكون السبب وراء اتجاه المرأة للبلطجة هو قهر تعرَّضت له في فترةٍ ما من مراحل حياتها، وفي هذه الحالة تكون ما تمارسه من عنف هو تفريغ لشحنات مكبوتة يضاف إلى ذلك المؤثرات الخارجية التي تُحاط بالنساء منها الإعلام من خلال عرض أفلام وقصص درامية يكون أبطالها نساء شرسات، ويتم عرضها بشكلٍ يقنع المرأة بأن خشونة المرأة باتت مطلبًا مهمًّا لحمايتها، وأن المرأة ليس من الضروري أن تصبح في كل الحالات مخلوقًا رقيقَ المشاعر؛ حيث إن الدراما في كثيرٍ من أعمالها صنفت هذه الرقة على أنها ضعف، ومن ثَمَّ تسبب ذلك في إيجاد جيل جديد من الفتيات استبدلن الخشونة بالرقة والانحراف بالهدوء.

 

ويضيف أنه كما توجد بعض الثقافات التي تقبل عنف وبلطجة الرجال، وجد أيضًا أن هناك مَن يقبل أيضًا بلطجة النساء، وما يؤكد ذلك هو اشتهار بعض المناطق بوجود هؤلاء البلطجيات ولجوء الكثيرين إليهن، وهو أمرٌ يترجم عن مدى ما أصاب من انحراف فكري وثقافي؛ حيث كانت في الماضي قيم المجتمع ترفض مجرد أن ترفع المرأة صوتها أي مشاجرة من المشاجرات، وتعتبر ذلك انحرافًا عن القيم والأخلاق، ومن ثَمَّ ما نحن بصدده الآن بلطجة النساء والفتيات إنما هو عار على جبين المجتمع بأكمله، وهنا يأتي دور الإعلام، فكما أفسد يجب أن يصلح كما على الجهات الأمنية دور كبير في هذا الصدد من خلال تطهير تلك الأماكن التي يتم منها توريد هؤلاء البلطجية من النساء وتغليظ العقوبة على كل مَن تتجاوز، وتتطاول على القيم والأخلاق؛ لأنها بذلك الفعل تضرُّ بالمجتمع بأسره.

 

ظاهرة وافدة

وترى د. إيمان شريف الخبير بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية أن بلطجة المرأة سلوك وافد على مجتمعنا؛ حيث إن ماضينا الاجتماعي يشهد على أن المرأة حينما كانت ترتكب جرائم عنف غالبًا، ما كانت تستخدم ألوان العنف الذي لا يتعارض مع ضعفها الجسدي، والتي كان أشدها العض بالأسنان أو شد الشعر أو الخربشة بالأظافر؛ حيث كانت هذه هي أسلحة المرأة العنيفة في الماضي، أما ما نسمع عنه اليوم من أسلحة مثل العصا الكهربائية والمطاوي والسنج والأمواس هو مؤشر خطير يؤكد مدى ما أصاب مجتمعنا من خلل أخلاقي وقيمي؛ حيث أصبحت المرأة لا تخشى القوة الجسدية للرجال؛ حيث استعاضت عن هذه القوى بتلك الأسلحة، كما أن بعض المنحرفات اكتشفن في أنفسهن أسلحة تفوق قدرة وقوة الرجال من هذه الأسلحة قدرتها على البلبلة ونشر الفضائح وغيرها من السلوكيات المنحرفة التي تؤذي أكثر من الضرب، وللأسف أصبحت هذه السلوكيات في الوقت الراهن بضاعة رائجة يسعى إليها أصحاب النفوس المريضة لإنجاز احتياجاتهم غير الشريفة.

 

وتضيف د. إيمان أن بلطجة المرأة هي مجرد حلقة من سلسلة طويلة من الانحرافات السلوكية والأخلاقية التي اجتاحت مجتمعنا، والتي سببها الفقر والعوذ، وكذلك الإعلام الهابط، فضلاً عن غياب الوازع الديني، ويضاف إلى ذلك سبب آخر في غاية الأهمية، وهو ما سعت إليه المنظمات النسائية من خلال الدعوى الملحة لمساواة المرأة بالرجل، ومن ثَمَّ لن يمكن من إصلاح هذا الاعوجاج في سلوك هؤلاء النساء إلا إذا تم إصلاح المنظومة بأكملها.

 

فساد النشأة

 الصورة غير متاحة

ويؤكد د. عبد الحميد هاشم أستاذ علم النفس جامعة عين شمس أن أسوأ من بلطجة النساء مَن يلجأ إلى المرأة البلطجية لتسانده سواء في انتخابات أو ما شابهها؛ حيث إن هذا الأمر من شأنه أن يزيد من معدل انتشار هذه النماذج المنحرفة في مجتمعنا، خاصةً أن العائد المادي الذي تتلقاه هؤلاء النسوة ليس بالقليل، فضلاً عن أن هذا السلوك لا ينتهجه إلا الوصوليون والانتهازيون من أفراد المجتمع؛ حيث يرفعون مبدأ "الغاية تبرر الوسيلة"، معتبرين أن اعتمادهم على المرأة البلطجية هو نوعٌ من الذكاء، ولكنه في الحقيقة ترجمة عن نقصٍ في الرجولة وانعدام الثقة في الذات.

 

ويشير إلى أن الفقر والعوذ أو تجارب الزواج الفاشلة كلها ليست مبررات تسمح للمرأة بالانحراف إلى هذا الحد، فهناك نماذج كثيرة ومشرفة لنساء مررن بأقسى الظروف وأعنفها، ولم تستطع أن تأخذ قسوة الحياة من أنوثتهن ورقتهن شيئًا.

 

ويوضح أن الفرق بين الصنفين يعود إلى صلاح النشأة من فسادها، ومن ثَمَّ إذا أردنا التخلص؛ مما أصاب مجتمعنا من أشكال مختلفة للانحراف لا بد من تأكيد دور الأسرة، والتي إذا صلُحت صلح المجتمع واذا فسدت فسد المجتمع.