استيقظ أهل العلم بالفكرة الإسلامية وأصولها على نبأ مفجع يحمل نعي الدكتور عبد العظيم الديب- رحمه الله تعالى- يوم السبت لسبع بقين من المحرم سنة 1431هـ، الموافق التاسع من يناير سنة 2010م في الدوحة عاصمة دولة قطر.
وأبو محمود كما كان يحب أن يعرَّف ويُنادى، هو عبد العظيم محمود الديب أحد أهم الأعلام المعاصرين خدمةً للفقه الإسلامي وأصوله في المقام الأول، وأحد أهم الأعلام المعاصرين عنايةً بالدفاع عن التاريخ الإسلامي ضد هجمات المزورين من العرب وغير العرب، وقد كان- رحمه الله تعالى- صاحب عين فاحصة فيما ورد عن أئمة المستشرقين في تعاملهم مع التراث عمومًا، والتراث التاريخي بوجه خاص.
وقبل الأخذ في بيان جهاده العلمي في ميدان خدمة العلم الإسلامي في جوانب متعددة مختلفة، نحب أن نقف عند موجز يبين تكوينه العلمي فيما يلي:
إن عبد العظيم الديب ابن دار العلوم تخرَّج منها سنة 1956م، وهي الدفعة التي كان من أبنائها المرحوم الدكتور رمضان عبد التواب اللغوي والمحقق الأشهر، والدكتور عبد الصبور شاهين مدَّ الله في عمره، وهما أوائل هذه الدفعة على الولاء.
ودار العلوم يومئذ إحدى حصون العربية وعلوم الشريعة من دون منازع بمناهجها، وبما كانت تضمه بين جنباتها من أسماء جبارة في ميدان العلم اللغوي والشرعي، وبما كان فيها من طلاب نوعيين، وبما كانت تنتهجه من أنظمة تعليمية، وبما كانت ترعاه في نظام قبولها لمن يلتحق بها، قبل أن يلتحق بها، وينتسب إليها.
وقد انشغل الديب- رحمه الله- منذ بداياته الأولى بواحد من أعلام الفقهاء الشافعية والأصوليين الأفذاذ والكلاميين المتقدمين وهو إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك بن يوسف الجويني 478 هـ؛ وهو الأمر الذي أنتج للمعرفة الفقهية والأصولية المعاصرة الكتابين التاليين:
1- إمام الحرمين: حياته وعصره، آثاره وفكره، مع تحقيق كتابه: البرهان في أصول الفقه (وهي عمله لدرجة الماجستير).
2- فقه إمام الحرمين: خصائصه وأثره ومنزلته (وهي عمله لدرجة الدكتوراه).
وقد أتيح للدكتور الديب أن يرشد خطواته ويشرف عليه اثنان من أعاظم أساتذة الشريعة وهما المرحومان الكريمان:
الأستاذ الدكتور مصطفى زيد الذي كان رئيسًا لقسم الشريعة بدار العلوم لفترة طويلة، وهو من هو في علمه وبره وتلميذته للإمام الأشهر محمد أبي زهرة رحمه الله.
والأستاذ الشيخ محمد علي السايس الذي كان عميدًا لكلية الشريعة وأصول الدين بالأزهر الشريف.
ملامح جهاده العلمي
د. خالد فهمي

توزع جهاد الدكتور عبد العظيم الديب العلمي على محاور متعددة عكست ما تمتع به- رحمه الله- من إمامة علمية في غير ما علم إسلامي، وهو الأمر الذي يظهر في المحاور التالية:
أولاً: الفقه وأصوله:
وهو الميدان الأظهر الذي هيمن على مجمل نشاطه العلمي والبحثي والتدريس أستاذًا في كلية الشريعة بالعاصمة القطرية، الدوحة، وهو الأمر الذي جعل منه حجة معاصرة فذة، إن لم يكن الحجة الوحيدة المعتبرة في تراث إمام الحرمين أبي المعالي الجويني، وهو ما أظهر للناس الكتابات والتحقيقات التالية:
1- البرهان في أصول الفقه، للجويني، تحقيق في مجلدين، صدرت طبعته الأولى بقطر سنة 1399هـ وتوالت طبعاته وكانت آخرها (وهي الثالثة) بالقاهرة عن دار الوفاء سنة 1420هـ = 1999م.
2- الغياثي ( غياث الأمم في التياث الظلم) للجويني وهو أحد أهم المصادر الأساسية في الفقه والفكر الإسلامي السياسي، طبع أولاً بقطر سنة 1400 هـ ثم بمكتبة وهبة بالقاهرة سنة 1401هـ.
3- الدرر المضية فيما وقع فيه الخلاف بين الشافعية والحنفية للجويني، وظهر أولاً بدولة قطر سنة 1406 هـ = 1986م.
4- ثم كانت الدرة التي أوفت على الحاجة، عناية واتقانًا وروعة عمل، ومجلي إخلاص وتبتل وانقطاع في محراب العلم والتي تمثلت في تحقيقه لكتاب الجويني (نهاية المطلب في دراية المذهب) حتى قرر في حقه التاسع السبكي بأنه لم يصنف في المذهب مثله فيما يجزم به، وهو ما سبق إلى تقريره الحافظ ابن عساكر بقوله:
المذهب الذي صدر أولاً سنة 1428 هـ = 2007 م بدولة قطر.
وعلى مستوى آخر ظهرت للدكتور الديب دراسات فقهية وأصولية تنبئ عن قامته العلمية الرفيعة في هذا الميدان وهي:
1- إمام الحرمين حياته وعصره، الكويت سنة 1400هـ.
2- فريضة الله في الميراث والوصية، القاهرة 1398 هـ= 1978م ثم بالدوحة سنة 1405 هـ = 1985م.
3- فقه إمام الحرمين خصائصه وآثاره ومنزلته، الدوحة سنة 1405هـ = 1985م ثم دار الوفاء بالقاهرة سنة 1409هـ = 1988م.
وهي جميعًا قائدة إلى تأصل منزلته الراقية في ميدان النصوص الفقهية والأصولية والإسلامية عمومًا، وهو الأمر الذي جعله علامة بارزة في هذا المجال.
ثانيًا: ميدان التاريخ والاستشراق:
وقد تنبه الدكتور منذ فترة طويلة جدًا من انشغاله بخدمة العلم إلى الآثار المدمرة لدراسات الاستشراق الغربي على التراث الإسلامي، وقد كانت عنايته الكبرى متوجهة إلى فضح هذه الآثار الاستشراقية على قراءة التاريخ الإسلامي، بما هو واحد من أهم محددات الهوية للشخصية الإسلامية، ومما تركه لنا في هذا الميدان ما يلي:
1- المستشرق والتراث، وكان نشره أولاً في جامعة قطر سنة 1405 هـ = 1985م.
2- المستشرقون والتاريخ الإسلامي، وكان نشره أولاً سنة 1982م.
3- التبعية الثقافية وسائلها ومظاهرها، وكان نشره بدار الوفاء سنة 1417هـ = 1996م.
4- الحوار والتعددية في الفكرة الإسلامية وكان نشره في دار الوفاء سنة 1417هـ = 1996م.
5- الزبير ابن العوام: الثروة والثورة، وكان نشره سنة 1404هـ = 1984م، ويقول معلقًا عليه: وهو يحث نموذج لما نرجوه وندعو إليه من تحقيق أخبار التاريخ الإسلامي.
6- القوميات وما وراءها.
وفي هذه المجموعة وأمثال لها يتضح لنا وعي ظاهر حول خطر العبث بالتاريخ الإسلامي الذي هو أحد أهم محددات الوجدان الجماعي للأمة المسلمةن وفي هذه الدراسات المهمة تواجهك انتقادات منهجية وكشف عن المخاطر الرهيبة التي بثها إعلام الاستشراق في هذا الميدان، وفضح لتدميرهم من أمثال: فلهوزن، وكارل بردكلمان، ونولدكه، ووات، وتوينتي وغيره!
ثالثًا: ميدان السنة والسيرة:
وقد كان المحور الثالث المهم في مسيرة عطاء الدكتور الديب العلمية- رحمه الله- هو عنايته بعدد من جوانب السنة النبوية المطهرة، وببعض جوانب سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وفيما يلي بعض هذه الإسهامات له في هذا الميدان:
1- الرسول صلى الله عليه وسلم في بيته.
2- جمع السنة وتصنيفها بواسطة الحاسب الآلي.
3- الكمبيوتر: حافظ عصرنا، وهو مشروع مفصل لدور الحاسب الآلي في إنجازه موسوعة السنة المشرفة، وموسوعة الرجال، والجمع المستفيض للسنة.
إن فحص هذه الأعمال ودرسها والتوقف أمامها دال على عمق ما قدمه الدكتور الديب للفكر الإسلامي المعاصر بما أخرجه من هذه المصادر الأصول، والدراسات المنهجية المهمة.
وهو الذي قدره أهل المعرفة به كما يظهر في تقديمه العلامة يوسف القرضاوي الذي جاء بين يدي كتاب نهاية المطلب في دراسة المذهب الذي حققه المرحوم الدكتور الديب، حيث يقول في الجزء الذي خصصه لمقدمات الكتاب 1/58 وما بعدها: أما المحقق فهو الأخ الصديق الصدوق الأستاذ الدكتور عبد العظيم محمود الديب الذي أعرفه منذ كان طالب في القسم الابتدائي بمعهد طنطا الديني وتربطني به منذ ذلك الزمن صلة وثيقة، لم تزدها الأيام إلا قوة وهو الأمر الذي يجعل شهادة فيه شهادة خبير به عارف لمقامه وقدره وهو ما يجعلنا نقدر شهادة التالية فيه حيث يقول: "فالدكتور الديب رجل عالم بحاثة دءوب طويل النفس دقيق الحس، نافذًا لبصيرة، متمكن من مادته قادر على الموزانة والتحليل، له ملكة علمية أصيلة يقتدر بها على الفهم والفحص والنقد"، وتأمل هذا الوصف الذي اجتزأناه، جزءًا من مقدمة طويلة للعلامة القرضاوي في بيان ملكات الديب، العلمية والأخلاقية دال على عظيم الجهد الذي بذله في خدمة ما أخرج للناس من علم.
معرفتي به
تعود معرفتي بالدكتور عبد العظيم الديب إلى نحو من عقد ونصف العقد من الزمن؛ أي ما يقرب من أربع عشرة سنة، تعددت فيها لقائي شخصه الكريم، فاتضح لي عن قرب خصائص نفس عيظمة ودودة بارة كريمة، وقد كان وفيًا حسن العهد، يتعهدني في كل زيارة للقاهرة فيتصل بي وأزوره وأجالسه الساعات الطويلة في منزله العامر- رحمه الله- بمدينة نصر، فيبسط في الحديث عن تاريخ طويل لم أكن من شهده، وعن رجال كبار النفوس أصروا حياة الإسلام في العصر الحديث.
وأشهد الله تعالى أنه ومنذ سنة 2001م حتى صدور تحقيق كتاب نهاية المطلب للجويني دائمًا الاتصال من القاهرة ومن الدوحة، ومن لندن أحيانًا في بعض رحلاته العلاجية مهمومًا بلغة الكتاب، وببعض أساليبه منتظرًا على الهاتف بالساعات بحثًا عن عبارة أو لفظة في عدد من المعجمات التي لم تكن متاحة لديه، ومناقشات ومستفسرًا وهو من هو علمًا وأستاذية.
وقد بلغ من بره وفضله وإخلاصه أن جمع أسماء كثيرة فيما سماه الشكر الواجب لمن قال إنهم عاونوه بعض المعاونة في خدمة الكتاب الكبير نهاية المطلب، وأنت تعجب وتكبر نفسًا كان يحملها بين جنبيه عندما يشكر جمعًا عجيبًا من العلماء الكبار الأفذاذ من أمثال الطناحي والقرضاوي وعنتر حشاد ومحمد محمد مقلد، وعلي الكبيسي وأكمل الدين إحسان أوغلو. ولا ينسى في هذا السياق أن يرفع من قدر عدد من شباب أهل العلم فيذكرهم ليعطي درسًا في الإخلاص وتقديم الدليل الرائع على تواضع النفس وتوريث العلم، عندما يشكر مصطفى شاهدي، وإبراهيم الأنصاري ومحمد المصلح والدكتور خالد فهمي على ما جاء في المقدمة 1/14؛ وهو الأمر الذي يبرهن على تبتل وديانة ظاهرة، وإخلاص رفيع في ترقية أبنائه.
وقد كانت فرحته بصدور هذا الكتاب غامرة، وقد استشعر بعده أنه يدنو من لقاء ربه على ما أخبرني به في زيارة له في السابع والعشرين من شهر رجب المحرم سنة 1429هـ الموافق الثلاثين من شهر يوليه سنة 2008م.
رحل عبد العظيم الفقيه والأصولي، والمحدث والمؤرخ والمفكر الإسلامي بعد أن ملأ الدنيا علمًا وفضلاً.
لقد عاش الرجل وفيًا لشيوخه، بارًا بأصحاب الفضل عليه من شيوخه القدامي والمعاصرين، ومكث عمرًا طويلاً يقدم المثال الناصع على الدقة والأمانة العلمية، والصبر في محاريب التأليف والتحقيق منذ التحق بالعمل الجامعي سنة 1976م بجامعة قطر مسهمًا في تقدمها، ومعليًا من منزلتها مع آخرين من أصحاب القمم العلمية الراقية ممن قضى نحبه، وممن بقي من الكرام مد الله في الخير أعمارهم.
رحم الله الدكتور عبد العظيم محمود الديب الذي كان بدرًا يضيئ الطريق، رحل وخلف وراءه أقمارًا من مؤلفاته وتحقيقاته وبحوثه؛ مما نرجو الله تعالى أن تكون في ميزان حسناته، وأن يدوم أجرها لهن وأن يكون سببًا لإكرامه عند ربه، رحل الرجل وقد نصح لأمته عالمًا ومعلمًا ومؤلفًا ومحققًا، اللهم ارحم أبا محمود وارض عنه بمنك وكرمه آمين.
------------
* كلية الآداب- جامعة المنوفية- مصر