لعل من أهم الدروس التي خرج بها الإخوان في الشهور الأخيرة، وهي الفترة التي أعقبت وفاة الأستاذ محمد هلال عضو مكتب الإرشاد، وما ثار فيها من حواراتٍ ومناقشاتٍ وتفاعلاتٍ كان من شأنها استقرار أوضاع العمل، واختيار مكتب إرشاد جديد، ومرشد جديد؛ هو الدكتور محمد بديع، خلفًا للأستاذ محمد مهدي عاكف الذي أنهى مدة ولايته الوحيدة يوم 13/1/2010م، وضرب بذلك أروع الأمثلة في الوفاء بوعده الذي قطعه على نفسه بأن تكون ولايته مرةً واحدةً فقط، ثم أصبح تصرفه هذا حجةً قويةً عمليةً على النظم السياسية والحزبية والمجتمع المدني، في كيفية تداول السلطة، وعدم الالتصاق الأبدي بالكراسي، وضخّ دماء جديدة في مجالات العمل السياسي والاجتماعي العام، يضمن تجدد الأفكار، وبلورة الرؤى التي من شأنها النهوض بالأمة في مراقي النهضة والتقدم وتحقيق الأهداف العليا، والغايات المنشودة.

 

أقول لعل من أهم الدروس التي خرج الجميع بها في هذه الفترة أنَّ الشدائد- مهما كان حجمها- إنما تحتاج إلى قوة الإيمان والوحدة، والمعرفة بالمبدأ والثبات عليه، وما عبَّر عنه إمامنا المؤسس الأستاذ البنا بقوله: "إيمان عميق، وفهم دقيق، وعمل متواصل" ومن هنا وجدنا أن أمة الإسلام قد اجتازت كثيرًا من المِحَن والأزمات، بل والضربات المتلاحقة، والحروب الماحقة، والمؤامرات والدسائس، وكل ما من شأنه القضاء المبرَم عليها، ومع ذلك كله تخرج من كل محنة وهي أشدُّ عودًا وأقوى شكيمةً وأكثر توحُّدًا والتفافًا حول المبدأ والأصل، ذلك أن الله عز وجل يريد لهذا الدين وهذا الإسلام أن يظلَّ محفوظًا باقيًا إلى قيام الساعة ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (التوبة: من الآية 32).

 

وقد لاقت جماعة الإخوان المسلمين في سبيل قيامها بالدعوة إلى الإسلام، وجمع الناس عليه والتخلق به، والعودة إلى شريعته.. لاقت مقابل ذلك ألوانًا من البلايا والمحن، والسجون والاعتقالات والتشريد والمصادرة للأموال، بل والاستشهاد في سبيل المبدأ والغاية، وكان يمكن لهذه الممارسات أن تقضي على أي تجمع بشري، لو كانت الغاية هي أمورًا دنيويةً، أو مغانمَ ماديةً أو حتى رغبةً في السلطة، أو تطلعًا إلى حكم.

 

وخلاصة القول أن ما يعين على مواجهة الشدائد ودرء آثار المحن، سواء في تاريخ المسلمين العام أو ما هو مُشاهَد من سلسلة ابتلاءات دعوة الإخوان في هذا الزمان، إنما هو الإيمان.. ذلك النور الذي يضيء جنبات القلب، وينشرح به الصدر، وتعلو به الهمة، وتنصلح به الحال، ويستقيم معه المآل، ويتحقق الثبات حين يفزع الناس، وتستبين به سبل الرشاد حين يزيغ الناس، وتتوزَّع بهم الأهواء.

 

قضية الإيمان

فقضية الإيمان ضرورة لازمة لكل من يعمل في طريق نصرة الله، وهي قضية محورية لا غنى عنها لضمان الثبات على المبدأ، والحرص عليه، وعدم الاغترار بغيره أو التفريط فيه أو التنازل عنه، ولذلك كان لزامًا على العاملين لمرضاة الله أن يُعيدوا النظر في إيمانهم، ويستيقظوا من غفلتهم، إذا أصابهم مكروه، أو حدث بينهم تشاحن أو خلاف، أو دبَّ بينهم تنازعٌ في أبسط الأمور، أو قصورٌ في تنفيذ ما يصدر إليهم من توجيهات في مواقف معينة.. ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (30)﴾ (الشورى)، فقد تكون المحن والعقبات من آثار الذنوب والمعاصي أو التقصير في حقوق الله عز وجل أو غلبة الهوى على النفوس، أو استبطاء النصر وقصور الهمم.

 

فلنجدد الإيمان

إذا تبيَّن لنا أن أهم دروس المرحلة السابقة هو أن الإيمان بالمبدأ والثبات عليه عاصمٌ من الزيغ أو الانحراف ودافع للقوة والتماسك؛ أدركنا أن قضية الإيمان في غاية الأهمية من حيث تعميقه في القلب، وتثبيته في الوجدان، وإذا أدركنا أن الإيمان يزيد وينقص كما أوضح ذلك أهل السنة والجماعة، وأنه يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي علمنا أننا بحاجة في كل وقت وحين إلى أن نقوم بالأعمال التي تزيد هذا الإيمان، وتبعدنا عن مسببات مغاضب الله، ومن هنا كان التقصير في العبادة والذكر وتلاوة القرآن وتدبره، والتكاسل عن صلاة الجماعة في المساجد، وبخاصةٍ صلاة الفجر، وإهمال تربية الأبناء أو رعاية الزوجة والأخذ بأيديهم لتكوين نواة البيت المسلم، كل ذلك وما إليه يأتي من استشعار مسئولية المسلم عن دين الله، وضرورة قيامه بما يصلح حال الناس ويجعلهم في حالة توافق مع ما يؤمنون به، وبذلك يصلون إلى ما يحقق سعادتهم في الدنيا والآخرة ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69)﴾ (العنكبوت).

 

فالإيمان هو الأولوية الكبرى في حياة المسلم، ويتصدَّر ما عداه من حظوظ النفس وضرورات الحياة والمال والأهل والولد، ولو حدث تعارضٌ بينه وبين شيء مما ذكر رجّحت كفته هو، ولذلك كانت إجابة الصحابي الجليل "حارثة" رضي الله عنه عندما سأله الرسول صلى الله عليه وسلم: "كيف أصبحت يا حارثة؟" قال "أصبحت مؤمنًا حقًّا"؛ ما يعني أن قضية الإيمان قد استولت على قلبه واهتمامه، وهكذا يجب أن يكون من يسير على هذا الدرب.

 

والإيمان بدعوة الإسلام تجعلنا في مأمن من التشكيك في صحة الطريق ووسائله والقائمين عليه، أو اهتزاز الثقة في ذلك ولو للحظة واحدة، إنما ديدنهم دائمًا وأبدًا حسن الظن بالمؤمنين والثقة بهم.. ﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (12)﴾ (النور).. يستشهد بها في كل المواقف المشابهة التي تعرِض للمؤمنين؛ فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما يقرر علماء التفسير.. ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوْ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمْ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً (83)﴾ (النساء).

 

والإيمان هو أساس كل الأخلاق والأحوال والأعمال، وهناك تلازمٌ بين الإيمان والعمل في آيات القرآن الكريم مع سبق الإيمان دائمًا ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، هذا التلازم يدفع أهل الإيمان، ونسأل الله أن نكون منهم، أن يتقنوا أعمالهم، ويجيدوا حرفتهم، ويُحسنوا أداء دعوتهم، ويكونوا في خدمة أهليهم ومجتمعاتهم، وهم دائمًا معهم في كل مناسباتهم وفي أفراحهم وأتراحهم، ولا يتعالون عليهم، إنما يغشون مجالسهم ويختلطون بهم، ويصبرون على ما يلقون من بعض الصد أو النفور من بعضهم.

 

وتحقيق الإيمان في النفوس يجعل المؤمن يحب أن يكون دائمًا على طاعة، وعلى وجل من لقاء ربه، يراقبه في سره وعلانيته، ويحفظ الله فيحفظه الله، والله عز وجل يحب أن يرى عبده حيث أمره، ويحب أن يفتقده حيث نهاه.

 

ولا يدفعنا ذلك إلى نسيان أننا بشر ولسنا ملائكة، نخطئ ونصيب، ننسى ونتذكر ولكن بلا شك "فإن خير الخطائين التوابون"، وقد ظهر هذا المعنى في توجيه رسول الله صلى الله عليه وسلم للصحابي الجليل "حنظلة" عندما ظن رضي الله عنه أنه قد هلك، لأنه لم يكن بالصورة التي كان عليها عندما يكون في حضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفف عن الصحابي، ويقول له: "ولكن يا حنظلة، ساعة وساعة، والله لو تدومون على ما أنتم عليه معي لصافحتكم الملائكة في الطرقات".

 

وهنا ملاحظة يجب أن نلفت إليها الانتباه، فقد ذكر البعض في وسائل الإعلام المختلفة نتيجة ما ثار من قضايا في موضوع الانتخابات الأخيرة للمرشد ولمكتب الإرشاد؛ أن الإخوان بشرٌ، وفيهم الخطأ والصواب، وهذا حقٌّ لا غبار عليه، وإنما لا يؤخذ هذا القول على إطلاقه؛ إذ شتان بين خطأ يصدر ممن نحسبه يخشى الله ويخافه ويعقبه توبة واستغفار، وبين من يكون الخطأ ديدنه ومنهجه ولا يذكر الله إلا قليلاً.

 

وأخيرًا..

فإن من الدروس العظيمة التي خرجنا بها في الفترة الأخيرة تقوية إيماننا بالله عز وجل وتوكلنا عليه، وتعميق هذا الإيمان في قلوبنا وحبنا له، واعتصامنا بحبل الله المتين وعدم التفرق، ودوام المناقشة والحوار لتلاقح الأفكار والآراء وتمحيص الحقائق، وتعميق الشورى بين الأحباب فلا تأتي إلا بخير.

 

والحمد لله، فقد جنينا ثمار ذلك، والعبرة بالخواتيم، وختم لنا ربنا بالخير، والحمد لله أولاً وآخرًا.