د. حلمي محمد القاعود

انشغل الناس في مصر على مدى الأسابيع الماضية بالحادث الإجرامي المريب الذي أودى بجندي مسلم كان يحرس كنيسة نجع حمادي، ومعه ستة من النصارى.. قامت الدنيا ولم تقعد ليس من أجل الجندي المسلم، أو النصارى الستة، ولكن من أجل إلغاء الإسلام في مصر من الدستور والتعليم والإعلام والصحف والثقافة والحياة العامة، ومن اللوحات على الجدران، ومن أماكن العمل والمكاتب وغيرها؛ لأن الإسلام في عرف النخب المهيمنة على الوطن والصحافة والإعلام ودكاكين حقوق الإنسان؛ هو سبب العنف والشر واضطهاد النصارى، بل اضطهادهم وفقًا لمفهوم هذه النخب!!
في الوقت ذاته، كان المسيحيون في وسط نيجيريا يحرقون المسلمين أحياءً، ويلقون جثثهم أو ما تبقى منها في الآبار والمصارف، وكانت وكالات الأنباء تسوغ الإحراق والقتل بتصوير مسلمي نيجيريا الضحايا بأنهم طالبان نيجيريا (!)، وأنهم ضد الحداثة وضد التطور وضد المواطنة؛ ما يترتب عليه ذهنيًّا أن يوافق الناس على إحراقهم أحياء وقتلهم بدم بارد!
وبالطبع، فلم تتحرك لجان الكونجرس الأمريكي ولا وزارة الخارجية الأمريكية، ولا وفد لجنة الحريات في مجلسي النواب الأمريكي، ولا الاتحاد الأوروبي، ولا وزارات الخارجية الأوروبية من أجل الضحايا المسلمين واستنكار ما جرى لهم، وإدانة العنف المسيحي ضدهم، ومطالبة الحكومة النيجيرية التي يحكمها نائب الرئيس؛ وهو مسيحي في غيبة الرئيس المسلم الذي يعالج من مرض عضال في المملكة العربية السعودية، باتخاذ إجراءات حاسمة ضد المسيحيين المعتدين وحماية المسلمين الضعفاء الذين يشكلون الأغلبية الساحقة في البلاد، منظمة "هيومان رايتس ووتش" خرجت وحدها تتكلم عن المحرقة، وتطالب بالتحقيق في أسبابها؟
لقد حصلت قناة (الجزيرة) على صور انتشال عشرات الجثث من الآبار بنيجيريا، وقالت منظمة "هيومان رايتس ووتش" لحقوق الإنسان إن جثث 150 مسلمًا عُثر عليها في تلك الآبار وقنوات الصرف الصحي خارج مدينة جوس وسط نيجيريا، خلال الاقتتال الطائفي بين المسيحيين والمسلمين، وقد فضل مئات من سكان جوس النزوح بعيدًا خوفًا من تجدد الاقتتال، مع أن الهدوء النسبي قد عاد إلى المدينة، كما أفادت تقارير بأن أعمال العنف امتدت أيضًا إلى مناطق قروية.
وقالت المنظمة الحقوقية: إن رجالاً مسلحين هاجموا قرية كورو كراما- التي يشكل المسلمون غالبية سكانها- في 19 يناير الجاري، وأحرقوا البعض أحياء، وقتلوا آخرين أثناء محاولتهم الفرار، ووصفت ما حدث بالمذبحة.
وطالبت المنظمة بإجراء تحقيق في "تقارير موثوق فيها عن ذبح 150 مسلمًا على الأقل من سكان القرية" (موقع قناة (الجزيرة) الإلكتروني 24/1/2010م).
وقد قدَّم موقع (الجزيرة) بعض الشهادات التي تؤكد وحشية المذابح التي أقامها المسيحيون المعتدون، واضطر المسلمون بسببها إلى تنظيم عمليات دفن جماعي للشهداء بعد عمليات النزوح والهروب الجماعي، فقد قال محمد تانكو شيتو- وهو إمام مسجد ينظم عمليات دفن جماعي- إنه تمَّ العثور يوم 24/1/2010م؛ في قرية كورو كراما على زهاء مائتي جثة. وأضاف أنه "ألقي بكثير من الجثث في الآبار، وكانت متناثرة حولها، وكانت السلطات المحلية تنتشل جثثًا أخرى".
وأوضح إمام المسجد ومسئولون في الصليب الأحمر أنه من الصعب تقدير عدد ضحايا أعمال موجة العنف الطائفي التي اجتاحت البلاد مؤخرًا؛ حيث ما زالت عمليات حصر الجثث جارية.
وقال شاهد عيان: إن مسلحين بسيوف قصيرة وأسلحة نارية وعصي هم من هاجموا القرية, نافيًا أن يكونوا من مسيحيي القرية، بل جاءوا من الخارج.
وأضاف الشاهد أن "الأطفال كانوا يجرون, والرجال كانوا يحاولون حماية النساء، والذين فروا إلى الأدغال قتلوا, والبعض أحرق في المساجد، والبعض ذهبوا إلى البيوت وأحرقوا".
كما أكد أنه شاهد جثث ما بين 20 و30 طفلاً بعضها كان محترقًا، والبعض كان مقطعًا بالمناجل، وأن زوجته بالمستشفى مع رضيعته بعدما جرحت بفأس.
وأشار شهود عيان إلى أن المسلحين أحاطوا بالقرية وهاجموها, وأشعلوا النيران في كافة منازلها تقريبًا، بالإضافة إلى ثلاثة مساجد وتدميرها.
ويقدر الصليب الأحمر عدد الذين هربوا من منازلهم في مدينة جوس بنحو 17 ألفًا، اضطروا إلى الإقامة في المخيمات والمدارس والمستشفيات، وأكدت أن نحو سبعة آلاف ما زالوا يقيمون في المدارس، ويتلقون المعونات الغذائية والدوائية من المنظمة.
ووفقًا للتقديرات الرسمية حتى الجمعة 22/1/2010م؛ فإن أربعة أيام من العنف الطائفي بالمدينة خلفت نحو 460 قتيلاً بينهم 400 من المسلمين، كما أسفرت أربعة أيام من الاشتباكات بين مجموعات من المسلمين والمسيحيين عن إصابة نحو ألف شخص، كما أُرغم الآلاف على الفرار من منازلهم بالمدينة البالغ عدد سكانها نصف مليون شخص، وتحدثت السلطات عن وقوع أضرار جسيمة.
وقد شهدت المدينة في سبتمبر 2001م اضطرابات عنيفة بين الجانبين أسفرت عن مقتل أكثر من ألف شخص، وتجدد الصراع مرة أخرى بعد ثلاث سنوات في اشتباكات دامية خلفت نحو 700 قتيل، كما قُتل نصف هذا العدد تقريبًا في الصدامات التي وقعت عام 2008م.
ويشير بعض المحللين إلى أن تلك الاشتباكات التي تندلع من حين لآخر على شكل موجات من العنف، غالبًا ما تتخذ طابعًا دينيًّا في شمال نيجيريا ذي الأغلبية المسلمة؛ حيث تنتشر حركات إسلامية تطالب بتطبيق الشريعة في عموم نيجيريا، وإلغاء نظام التدريس الذي تصفه بالغربي.
ويُشار إلى أن مدينة جوس- كبرى مدن ولاية الحوض الأوسط- تتمتع بتاريخ من العنف الديني بين المسلمين والمسيحيين في هذه المنطقة التي تعد فاصلاً جغرافيًّا بين الشمال ذي الأغلبية المسلمة والجنوب المسيحي.
وبسبب موقعها، تعيش العديد من الجماعات العرقية والدينية المختلفة في هذه المنطقة التي تُعرف بخصوبة أراضيها وازدحامها بالسكان.
وواضح أن قوة المسيحيين في نيجيريا تدفعهم إلى الإغارة على المدينة لتحقيق ما يعرف بالتطهير الديني، لإخلاء المدينة لعناصرها كي يعيشوا فيها ويستوطنوا، ويدفعهم التعصب إلى ارتكاب جرائم الإحراق البشعة في المدينة وما حولها، وحتى هذه اللحظة فإن بابا الفاتيكان لم يسمع له أحد صوتًا، وبالطبع فإنه لن يتهم المعتدين المسيحيين بالتعصب، ولن يحذر من المسيحية السياسية، كما حذر مما سماه الإسلام السياسي؛ ما يعني موافقته الضمنية على ما يجري؛ خاصة أن سلفه الذي هلك كان يحلم أن تتحول إفريقيا عام 2000م إلى دولة مسيحية، وهو ما لم يتحقق حتى الآن.
لقد قالت جماعة نصر الإسلام كبرى الهيئات المسلمة في نيجيريا إنها قلقة جدًّا من تكرار أعمال قتل الأبرياء وتدمير ممتلكاتهم بأيدي السفاحين؛ ما يعني أن مستقبل المسلمين في نيجيريا سيكون مجللاً بالسواد ما لم تكن هناك حماية للمسلمين في ظل حكومة متواطئة يهيمن عليها مسيحيون متعصبون، وهو ما يذكرنا بما جرى للمسلمين في البوسنة، وفي أماكن أخرى من العالم، ولا نعلم متى يتحرك المسلمون على مستوى الحكومات أو الشعوب أو منظمة المؤتمر الإسلامي أو حتى الصحف المحلية، لنصرة إخوانهم المظلومين، ويبدو أنه مكتوب على المسلم في زماننا أن يتولى أمر نفسه بنفسه في ظل غياب حس خلقي بضرورة أن تهب الشعوب الإسلامية لنصرة الأشقاء، وتوفر سبل الحماية الجماعية في ظل وحشية صليبية تخلت عن سماحة المسيح والأخلاق والشرائع الإنسانية، فضلاً عن القوانين الدولية، ولله الأمر من قبل ومن بعد!
--------------