"سرطان الفساد يتجه للمعهد القومي للأورام"، فاستكمالاً لمسلسل إهدار المال العام، وغياب التخطيط وانتشار الفساد جاءت خطوة إخلاء المبنى الجنوبي بالمعهد القومي للأورام بالقاهرة غير عابئين بمصلحة المرضى وصحتهم، معلنين حتمية الإخلاء الفوري للمبنى، وعدم استقبال أية حالات جديدة للعلاج أو إجراء المناظير؛ بدعوى ترميم المعهد إثر تعرضه لتصدعات وشروخ، رغم قصر عمره الذي لم يتجاوز الـ17 عامًا.

 

خلال مواجهة مع د. شريف عمر رئيس لجنة التعليم بمجلس الشعب، حينما سأل الدكتور هاني هلال وزير التعليم العالي: "كيف يتعرَّض المبنى لتصدعات وشروخ، ولم يمر على بناء المبنى سوى عشر سنوات؟ وما مصير توقف 250 سريرًا، وكذلك العيادات الخارجية؟!.

 

اعترف الوزير أن السبب وراء تصدع المبنى هو وجود نسبة أملاح في الرمال التي استخدمت في خرسانة المبنى، وأنهم سيحولون المسئولين عنها إلى التحقيق".

 

تمت إحالة القضية إلى المستشار عبد المجيد محمود النائب العام، والذي طالب بفتح التحقيقات في وقعة تعرُّض مبنى المعهد التابع لجامعة القاهرة والكائن بدائرة السيدة زينب للانهيار؛ لوجود تشققات بأجزاء في المبنى، وذلك بعد تعرضه لعددٍ من التصدعات وقابليته للانهيار، وطالبت تحريات الإدارة العامة لمباحث الأموال العامة بالكشف عن الإجراءات التي تمَّ اتباعها أثناء إقامة المبنى؛ بجانب تجهيز تقرير من الجهاز المركزي للمحاسبات لتحديد الأشخاص المتورطين عن أية مخالفات لتحديد المسئولية الجنائية.

 

وكشفت التحقيقات عن تورط الشركة القائمة بأعمال البناء؛ وذلك على إثر استخدامها مواد بناء غير سليمة، حسبما ذكرت التقارير الأولية التي بدأتها نيابة جنوب القاهرة الكلية بإشراف المستشار محمد غراب المحامي العام الأول للنيابات، حول تعرُّض مبنى "المعهد القومي للأورام" للانهيار.

 

يأتي ذلك في ظل إعلان الدكتور حسين خالد عميد المعهد القومي للأورام أن عدد مرضى السرطان في مصر يتزايد سنويًّا بمعدل 100 ألف مريض؛ منهم 90% لا يقدرون على الوفاء بتكاليف العلاج الباهظة التي يقدِّمها المعهد بالمجان، مشيرًا إلى أن المعهد يستقبل أكثر من 18 ألف مريض جديد سنويًّا.

 

(إخوان أون لاين) اقتحم المعهد القومي للأورام لينقل صورةً من واقع الأزمة، ويلتقي المرضى لمعرفة ما مصيرهم في ظل إخلاء المبنى؟ وهل هناك استجابة فعلية لجوابات النقل؟ أم سيكون مصيرهم الشارع؟ وأين المسئولون من مرضى السرطان؟.

 

قال لنا أحمد محمود (سائق تاكسي) الذي أقلنا إلى المعهد، ويتنقل في منطقة السيدة زينب: "كل يوم أنقل ما لا يقل عن 10 أشخاص مصابين بالسرطان إلى المعهد لتلقي العلاج"، مشيرًا إلى أن المرضى الذين ينقلهم أغلبهم من مدن ومحافظات بعيدة جاءوا بحثًا عن علاج لذلك المرض الخبيث.

 

فور وصولنا مبنى المعهد القومي للأورام التقينا "كريمة حسب الله" (49 عامًا)، قادمةً من محافظة بني سويف؛ حيث كانت تفترش الأرض أمام المعهد حزينة باكية، تشتكي من ألم المرض ومرارة الظلم، أخبرتنا أنها من الساعة التاسعة صباحًا وهي تقف أمام المعهد، بعد إحضار كافة أوراقها المطلوبة لدخول المعهد؛ للحجز والحصول على علاج لمرض السرطان بالمعدة؛ ولكنهم أخبروها بأنه لا يوجد مكان، وعليها أن تترك رقم تليفونها على أن يخبروها حينما يتاح ذلك.

 

بكت الحاجة كريمة قائلةً: "أنا جاية من سفر، ومن الصبح واقفة وبطني بتتقطع، ومفيش حد قلبه اتحرك ودخلني، يعني هما عايزنا نموت علشان يستريحوا"، موجهة استغاثة للمسئولين ورجال الأعمال فحواها أن ينظروا بعين الاعتبار لمرضى الأورام وبالأخص الفقراء.

 

كريمة لم تكن الوحيدة التي تمَّ تأجيل علاجها بالمعهد لحين إشعار آخر.. فسواها الكثير والكثير افترشوا أمام المعهد؛ منهم من يحمل جوابات تأمين صحي وآخرون على نفقة الدولة، يريدون من يسمع إلى شكواهم أو يجيبهم؛ ولكن كان الرد الذي يسمعونه "دي قرارات والمبنى هيتم إخلاؤه ومفيش مكان نستقبلكم فيه".

 

صرخة أم

"ابني لو متلحقش، وأخذ جرعة الكيماوي في ميعادها؛ المرض هينتشر وهيضيع مني".. بهذه الكلمات كانت تلهج أم سيد التي جاءت من بني سويف بحثًَا عن علاج هذا الورم السرطاني الذي يسري بجسد ابنها منذ عامين، وتأتي كل شهر تقضي عشرة أيام بالمستشفى ليحصل على الجرعة.

 

وقالت لنا أم سيد إنها تنام بجواره أو أسفل منه هنا، وأشارت لنا على الأرض، متمنية أن يتم الله شفاؤه مهما حدث لها.

 

وتتساءل أم تقوى: "أين نذهب بأولادنا، ليس لدينا أموال بالألوف لكي نتمكن من علاجهم؟"، مستنكرةً أن يصدر قرار بشكل عاجل ومفاجئ بإخلاء المبنى وهم لم ينتهوا من العلاج بعد.

 

وفيما يتعلق بالحصول على جوابات نقل لمستشفيات خارجية أكدت أنهم ما زالوا لا يعرفون أي شيء عن مصير أبنائهم، وكيف سيتم علاجهم؟، مشيرةً إلى أنهم أخبروهم بإخلاء المستشفى، ولم يخبرهم أحد عن مصيرهم.

 

صفائح دم

في الدور الرابع وعلى الجانب الأيمن لممر وحدة علاج الأورام كانت تجلس رشا بالصف الثاني الإعدادي بجوار والدتها وأخوها، قادمين من المنوفية؛ بحثًا عن علاج سرطان الدم الذي يسري بجسد رشا.

 

أخبرتنا والدتها أنهم جاءوا ليلاً فيما يقرب من الساعة الثانية بعد منتصف الليل، ولكن لم يُسمح لهم بالدخول للغرفة إلا بعد شراء صفائح دم بـ500 جنيه، قائلين لهم "لا يوجد لدينا صفائح دم".

 

وتروي لنا أنها تخشى على ابنتها من تدهور أوضاعها الصحية؛ نظرًا لأنها تحتاج لجرعة مكثفة، ومن المفترض أن تمكث أكثر من 15 يومًا، في حين أن المستشفى يتم إخلاؤها من الآن، وتم إخلاء العديد من الغرف.

 

نريد حلاًّ

 الصورة غير متاحة

مرضى معهد الأورام يواجهون الموت بعد قرار الإخلاء

والدة هاجر لم تكن أحسن حالاً عن سابقتها، فهي أيضًا تعاني من سرطان بالدم، قادمة من الفيوم، لا تبحث سوى عن علاج لابنتها التي ترى فيها الدنيا وما فيها، قائلةً: "عندما يتم إخلاء المستشفى؛ ابنتي هيحصل لها إيه، لازم حل فوري لينا، ونأخذ جوابات نقل لأماكن نتعالج فيها".

 

وبجوارها لهجت والدة جورج بكلمات ينفطر لها القلب، حينما ذكرت لنا أنها ليست لديها أطفال سواه، وهو بالصف الأول الإعدادي، ومنذ شهرين تمَّ اكتشاف إصابته بالسرطان في الرئة والغدد، ويحتاج لعلاج شهري في المعهد القومي، في حين أن والده يعمل أمين مخازن ولا يتعدى مرتبه الـ500 جنيه.

 

حينما سألت والدة جورج الطبيبة المسئولة عن علاجه عن مصير جورج، حينما يتم إخلاء المستشفى؟ فأجابتها الطبيبة: "اذهبوا للمراكز الخاصة، وادفعوا 1000 جنيه ثمن حقنة الكيماوي؛ فمن الممكن أن ينتشر المرض في كل جسمه لو لم يتم تحجيمه من البداية".

 

وتضيف متسائلةً: "لماذا يُعامل الفقير والبسيط في مصر هكذا، في حين أن العرب بلادهم تتكفل بمصاريف علاجهم مثلما هو حادث مع المرضى العرب في الغرفة التي بجواري؟!".

 

وتستنكر عدم وجود مراكز لعلاج السرطان بالقرى والمحافظات مثل بني سويف والشرقية وأسيوط وسوهاج والمنوفية، مشيرةً إلى أنه إذا تعرضت أية حالة مصابة بالسرطان في تلك المحافظات لأي انتكاسة لا بد من السفر على وجه السرعة للقاهرة.

 

أما فاطمة المصابة بسرطان في الظهر، كانت تلهو وتلعب بعرائسها فهي ما زالت صغيرة لا تدرك ما سبب ألمها؛ ولكن كانت أمها تتألم وتدعو الله ألا يضرها في ابنتها ويطردونها من المستشفى ولا تجد علاجًا، مطالبةً بضرورة وجود حل لتلك المشكلة التي ليس لهم دخل فيها.

 

واسطة ومحسوبية

علي جاء حاملاً ابنه ثلاثة أشهر على يديه من سوهاج، أملاً في أن يجد له علاجًا، يقول ظللنا 7 ساعات ننتظر مدير المستشفى؛ لكي يوقع لنا على قرار قبول العلاج بالمعهد، في حين أن الطفل كان مريضًا، ويحتاج لعلاج بشكل عاجل وفوري.

 

ويعرب عن تخوفه من تدهور وضع ابنه، مبينًا أنهم لم يحصلوا على أي جوابات نقل لأماكن أخرى للعلاج، في حين أنه مفترض أن يأخذ ابنه جرعة يوم 22 يناير.

 

وفيما يتعلق بإمكانية انتقالهم إلى مستشفى الأطفال 57357 رَوْت لنا أم منى أنها ذهبت بابنتها مرات عديدة، ولكنهم رفضوا دخولها، قائلةً: "مفيش علاج في المستشفى دي غير للعرب واللي معاهم وسايط ومعارف".

 

وهذا ما أكده سمير الطبيب الممارس بقسم الأطفال الذي أكد لنا أن مستشفى الأطفال 57357 لا تعالج الفقراء والبسطاء.

 

وفيما يتعلق بقرار إخلاء المعهد أعرب سمير عن اندهاشه لقرار النقل، مؤكدًا أن المبنى جيد وسليم ولم تتواجد أي شكوى من قبل بسببه.

 

العبث بالأرواح

 الصورة غير متاحة

 د. محمد فضل

ويستنكر الدكتور محمد فضل عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين ما آلت إليه الأنظمة من فساد، مشيرًا إلى أن العبث بأرواح المواطنين بلغ ذروته؛ حتى يصل لهذا الحد، منتقدًا ألا يمر على بناء المبنى سوى سنوات بسيطة، ويتعرَّض لتصدعات وشروخ في تلك الفترة الوجيزة؛ ما يكشف وجود شبه فساد تسببت في تعرُّض المبنى لتلك التصدعات، ومن ثَمَّ الإخلاء، والذي سيكون ضحيته المرضى.

 

ويطالب بضرورة الكشف عن المتسببين والمتورطين في المخالفات التي تمَّت للمبنى، في سبيل الحصول على تعويضات وإيجاد بدائل للمرضى.

 

ويوضح أن الأورام في انتشار وتزايد، وهناك المئات من الحالات يتم اكتشافها كل يوم؛ مما ينبغي ضرورة التحرك العاجل والفوري لتوفير بدائل حقيقية وواقعية لعلاج الحالات المحتجزة ولاستقبال حالات جديدة مصابة.

 

فاجعة محزنة

وتتفق معه في الرأي د. منى مينا منسقة حركة أطباء بلا حقوق التي أكدت أن المشكلة ليست خطيرة بالنسبة للأطباء فيما يتعلق بمسألة نقلهم، أو عدم حصولهم على وظيفة بديلة، بقدر ما أن الفاجعة والمشكلة الأكبر في المرضى الذين قدموا من مدن ومحافظات بعيدة من أجل العلاج لهذا المرض.

 

وانتقدت بطء إجراءات الحكومة في إيجاد حلول لتلك المشكلة، مبرزةً أن مرض السرطان لا بدَّ من تحجيمه والسيطرة عليه لكي لا ينتشر لبقية أجزاء الجسم.