عندما تشتد الرياح في الليالي العاصفة، يهيج البحر، ويعلو صوت الأمواج، وتتلاطم على الشاطئ، فترى السفن وقد تمايلت وكأنها تصارع البحر، تحاول أن تنجو من غضبه وثورته.

 

ولو أن أمهر السباحين في عرض البحر في تلك الليلة لكان في صراع ومعركة كبيرة أمام تلاطم الأمواج به، والتي ستقذفه هنا وهناك.

 

كالإنسان الذي يُصارع نوائب الدهر وفتنه، حياة رغم متعتها لكنها مليئة بالمعارك النفسية، عالم تتسارع فيه وتيرة الحياة وتتلاحق فيه الأحداث، عالم أصبح كالقرية الصغيرة لم يعد فيه ملامح لضوابط أو حدود أو خصوصية، مجتمع يعيش حالة من الإعصار المادي الجارف يجتاح كل شيء، حتى العواطف لم تعد بشكلها النقي الفطري الذي فطر الله الإنسان عليها، فقد امتزجت بعلل العصر النفسية والاجتماعية.

 

أما الشباب المسلم، فقد حاول أن يُصارع تلك الموجات العاتية من عولمة وتكنولوجيا حديثة وانتصار الماديات، وحاول الصمود والثبات والتمسك بالقيم الأصيلة، وأدرك من خلال انتشار الصحوة الإسلامية أن خلاصة من تلك الفتن يكون بضبط سلوكه بميزان الشرع، وأن يُحيط نفسه بصحبه طيبة صالحة تعينه على ذلك.

 

فانفتح على العالم بكل ما فيه من تكنولوجيا وعلوم متقدمة، ووسائل اتصال حديثة، وكله ثقة ويقين أنه قد حصَّن نفسه من الفتن ومن أبوابها.

 

فخرج إلى الجامعة وفي الأنشطة العامة والدعوية خاصة، واختلط بفتيات وشباب، فأصبحنا نرى شكلاً جديدًا من الالتزام، يفتح الأبواب أمام الشباب والفتيات للتعامل فيما بينهم، ما دام أن النوايا حسنة، ويبتغون منها الدعوة إلى الله، وعلل الشاب حاجته للتعامل مع الفتاة عن طريق الهاتف والإنترنت والتواصل المباشر في الجامعة والأنشطة المجتمعية؛ أنها من ضرورات الحياة، وأن كلاهما يعرف حدوده ويدركها تمامًا، بل وأحيانًا حتى يُؤكدا لأنفسهما أنهما على حق، فلا بأس من التواصل ليعين بعضهما البعض على طاعة كصلاة فجر أو ذكر أو ما شابه.

 

لم يكن مدركًا أنه مثله مثل أي شاب أو فتاة يشعر بنفس المشاعر والعواطف، ربما لا يترجمها إلى أفعال واضحة، لكن العواطف موجودة..

 

فهي غريزة فطرية موجودة عند الإنسان، ومهما كان التزام الشاب أو الفتاة فهذه العواطف موجودة وستظهر في لحظةٍ ما.

 

هل من الصحيح أن ينغلق الشباب المسلم على نفسه ولا ينفتح على العالم خوفًا من الفتن؟

 

أم ينفتح على العالم ويختلط بالمجتمع بكل ما فيه من وسائل وأدوات وعلاقات؟

 

وهل يعيب الشاب أو الفتاة الملتزمة أن يجدا في نفسيهما عاطفة تجاه الطرف الآخر؟

 

العاطفة فطرة وغريزة داخل الإنسان أيًّا كانت ديانته أو فكره ومنهاج حياته، وستظل تلك العواطف في مكانها الصحيح، ما دام أن صاحبها يتمتع باتزان عاطفي، وفهم ووعي بالآنية التي يصب فيها عواطفه النقية، فلو أنه أُشبع في طفولته بمشاعر حب دافئة من والديه وإخوته، وفي سن المراهقة وجد معاني الأخوة الجميلة والحب في الله بين أقرانه، وشق طريق حياته وهو منضبط النفس والمشاعر، عرف حب الله ورسوله، وعاش بهما وذاق لذة هذا الحب الراقي، فإن اضطرته الحياة إلى اختلاط وتعامل مع فتيات، فهو يزن الأمر بميزان الشرع والحكمة، ولا تأخذ العاطفة مكانها في هذا المضمار.

 

فلن يتأثر بكلمة جميلة أو تعليق طيب أو لفتة لطيفة من فتاة، ويتحرك قلبه نحوها، فهو يعرف أنه ليس بهذه الطريقة يختار من سيحبها قلبه كي تكون شريكة حياته.. وعندها ستكون الوقفة إما أن يطرق باب منزلها، أو أنه يُزيل كل ما يُمكن أن يعلق في ذهنه من تخيلات، ربما تتكرر مع كل موقف أو تعامل مع فتاة أخرى.

 

إن الميزان في هذا الأمر هو الغاية والهدف من كل عمل، وأن يدرك الشاب الملتزم أن من كمال التزامه ألا يبرر لنفسه عملاً قد اختلطت فيه النوايا حتى وإن كان سبيلاً إلى الخير.

 

أن يُذكِّر نفسه دائمًا بأن مدخل الشيطان له سيكون من نافذة التزامه، وليس من أبواب المفاسد العادية.

 

أن يحرص على أن تكون تعاملاته ذات طابع عملي، فيتعامل بما يراه مناسبًا لضرورات العمل دون تمييز بين كون الطرف الآخر فتاةً أو شابًا، ويُحدد وجهته في التعامل من أجل العمل ذاته وفقط.

 

وأن يكون واعيًا مدركًا أن عواطفه ستخرج يومًا ومن حقه ذلك، فليست عاطفة الحب مذمة أو منقصة في شخص الإنسان، المهم أن تبدأ البداية الصحيحة وتأخذ الاتجاه الصحيح.

 

وأخيرًا.. لنا في سير الصحابة والتابعين من الرجال والنساء مواقف عدة، تُبين كيف كان هناك تعاون بينهما في الجهاد، وفي إكرام الضيف وفي طلب العلم وفي البيعة، لكنه مجتمع كان يحكمه نقاء الفطرة وقوة الإيمان وصفاء العاطفة.