- 100 مليون جنيه هدايا يوم الحب ومليار جنيه في حلوى المولد النبوي!
- المواطنون: العادات والعرف والتلفاز والإحراج وراء تفاقم استهلاكنا
- الاقتصاديون: الموضوع زاد عن حدِّه وكلها منتجات مستوردة مضرة
- الاجتماعيون: للإعلام دور مؤثر في تدعيم الثقافة الشرائية للمصريين
تحقيق- شيماء جلال وسماح إبراهيم:
حذَّر خبراء اقتصاديون من خطورة تمادي المصريين في إنفاقهم على الاستهلاكات الترفيهية في المناسبات والاحتفالات المختلفة، وقدَّر الخبراء إنفاق المصريين على هدايا يوم الحب بـ100 مليون جنيه، و15 مليون جنيه على الكعك في عيد الفطر المبارك، وتتزايد لتصل إلى مليار جنيه على الحلوى في مناسبة المولد النبوي الشريف، في حين يتجاوز إنفاق المصريين على الهواتف المحمولة 8 مليارات جنيه.
وكشف بيوش ماثيور المدير الإقليمي لنيلسن العالمية لبحوث السوق- خلال المؤتمر الذي عقدته المؤسسة- عن بلوغ حجم الإنفاق الاستهلاكي في مصر 131 مليار دولار في عام 2009م، مقارنةً بنحو 119 مليار دولار في السعودية خلال نفس العام، مؤكدًا أن المصريين يقومون بعادات استهلاكية غير صحية.
تأتي تلك الإنفاقات الضخمة في الوقت الذي لا تجد فيه نسبةٌ كبيرةٌ من المصريين لقمةَ العيش "الحاف"، وتضطر نسبة أخرى إلى الاقتراض والاستدانة للإنفاق على تلك المناسبات، تحت شعار يرفعه البعض من أولياء الأمور: "عشان العيال ما تبصش لغيرها"، وقد يتفاقم الأمر لدى بعض الشباب- ومعظمهم من العاطلين- باللجوء إلى ممارسات غير أخلاقية، كالبلطجة والسرقة وفرض إتاوات بالقوة على الضعفاء من المواطنين؛ للحصول على مصاريف ينفقون بها على استهلاكاتهم الترفيهية؛ ليسايروا الآخرين تحت شعار "آخر صيحة"، وهو ما يؤدي إلى ارتفاع نسبة الجريمة في المجتمع.
طرح هذا المشهد العديد من التساؤلات حول الدافع وراء ذيوع ثقافة الاستهلاك غير الرشيد؟ والأسباب التي دفعت إلى هذا النهم الشرائي أو ما يمكن أن يُطلَق عليه "الحمَّى الاستهلاكية"؟ وكيف يمكن توجيه هذا الاستهلاك لصالح الاقتصاد القومي؟ وما هو رأي المواطنين في انتشار تلك الظاهرة وارتباطها بمواسم أو مناسبات معينة؟!!
(إخوان أون لاين) قام بجولة ميدانية في قلب المجتمع المصري للاقتراب أكثر من هذا المشهد، في محاولةٍ للوقوف على إجابة عن تلك التساؤلات نسردها خلال سطور التحقيق التالي:
يقول أحمد عمر (23 عامًا): إنه يلجأ إلى الإنفاق بشكل مبالَغ فيه أثناء المناسبات إرضاءً لمتطلبات أسرية، كخطيبته مثلاً، موضحًا أنه يقوم بشراء هدية مناسبة لخطيبته في أية مناسبة لا يقل سعرها عن 100 جنيه، في حين أن مرتبه لا يتعدى 500 جنيه، فيجد نفسه في مأزق في نهاية الشهر، إلا أنه يؤكد أنه يكون مضطرًّا لذلك بحكم الأعراف والتقاليد التي بدأت تنتشر في المجتمع؛ حتى لا يجد نفسه أمام مشهد عتاب من خطيبته بمقارنة نفسها بالأخريات من زميلاتها اللاتي تنهال عليهنَّ الهدايا بمناسبة وغير مناسبة.
ويضيف أن حلوى المولد النبوي مثلاً أو كعك العيد من كل عام أو الهواتف المحمولة باتت كأنها ضرورة ملحَّة حتى وإن شحَّت الجيوب.
وترى صابرين محمد (مدرسة رياضيات) أن السبب في تلك الثقافة الشرائية يعود إلى سيطرة الغرب ومحاولاتهم المستمرة لطمس هوية الشباب المصري، من خلال الزحف وراء أفكار هدامة، ملقيةً باللوم على الأسر التي تسمح لأبنائها بإنفاق عشرات- بل مئات- الجنيهات على الاستهلاك الاتصالي وكروت الشحن، وفي المقابل تقوم شركات المحمول باستغلال الجهل الاستهلاكي للمواطن بالترويج لشبكاتها، وتقديم العروض المجانية، وتخفيض سعر دقيقة المكالمة.
وتُعرب هبة رفاعي (21 عامًا) عن دهشتها مما تراه وتشاهده كل يوم من عروض عن هواتف أو سلع منزلية، موضحةً أنها لا تدير مؤشر القناة إلا وتجد إعلانًا يحثُها على الشراء، في محاولةٍ لاستفزاز المواطنين البسطاء.
ويرى مهاب عبد الله (مبرمج كمبيوتر) أن السبب في ذيوع الثقافة الاستهلاكية التي اعتادها هو الإعلام والأصدقاء، مشيرًا إلى أنهم حتى عندما يفكِّرون في تناول وجبة أو طعام لهم في العمل يشير أصدقاؤه عليه بالذهاب إلى مطاعم أسعار وجباتها تتعدى 50 جنيهًا للوجبة، في حين أن هناك وجباتٍ أخرى بأسعار أقل من ذلك، ولكنه أحيانًا يوافق على ذلك؛ حتى لا يتعرَّض للإحراج أمامهم، ويؤكد أن هذا ينصبُّ على باقي الأمور.
وتبدي سحر علي (ربة منزل) نقمتها على الطبقات العليا والمرفَّهة التي تغالي في شراء منتجاتها وسلعها الاستهلاكية، قائلةً: "حينما أذهب لأحد "المولات" أو المتاجر الكبرى أجد الفئات الغنية تنفق وتشتري ببذخ في حين أنني أحدد لنفسي ربع تلك المبالغ التي يقومون بإنفاقها؛ حتى أتمكن من الإنفاق بقية الشهر".
مجتمع استهلاكي
حلوى المولد.. رغم الغلاء ملتزمون بالشراء!!
على صعيد الخبراء يوضح الدكتور إبراهيم المصري أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة أن المجتمع المصري يعدُّ مجتمعًا استهلاكيًّا بالدرجة الأولى، مشيرًا إلى أن الدخل لا يكفي المواطن لنهاية الشهر، فهو لا يشتري به سوى بعض السلع والمنتجات الأساسية المتعلقة بالمأكل، وبالكاد يوفر ما يكفي لمصاريف علاجه، وقد يستدين ليتمكن من تعليم أبنائه.

ويشير إلى أن تزايد معدلات الاستهلاك تعود برمَّتها لفكر فئة وطبقة معينة من المجتمع تتعامل بثقافة المال، ولا يعنيها كيفية وسبل توجيه وصرف تلك الأموال بما يعود على الاقتصاد بالنفع وليس بالضرر، كما يحدث نتاج ثقافة الاستهلاك غير الرشيدة.
وفيما يتعلق بتزايد معدلات الاستهلاك بالمناسبات- كالأعياد والمناسبات الدينية مثل: رمضان، والمولد النبوي، والمناسبات الاجتماعية- يعلق د. المصري قائلاً: "إن المصريين تكونت لديهم ثقافة على مدار سنوات عديدة أسهمت بشكل كبير في ذيوع عادات الشراء ارتباطًا بتلك المواسم والأعياد؛ حيث تشهد الأسواق إقبالاً شديدًا على غير العادة؛ ما يتسبب في حدوث عدم اتزان بين الإنفاق والإنتاج، وبالتالي الصادرات والواردات".
وعن المخاطر التي يشكِّلها الاستهلاك غير الرشيد يؤكد د. المصري أنه يمثل خطرًا كبيرًا بمثابة الكارثة؛ لا سيما أنه يدفع الفقراء إلى السرقة والأساليب غير الشرعية للحصول على الأموال؛ ليتمكَّنوا من شراء السلع والمنتجات التي يُقبل عليها الأغنياء منفقين عليها العديد من المبالغ الباهظة.
غياب الوعي
"ما يحدث من إنفاق مبالغ باهظة، وبشكل عشوائي يعدُّ حُمَّى استهلاكية".. بهذه الكلمات وصف الدكتور محمود عبد الحي أستاذ الاقتصاد بمعهد التخطيط حجم وشكل الإنفاق المصري فيما يتعلق بشراء منتجات وسلع غير أساسية، مؤكدًا أنها تشكِّل غيابَ وعي وفهم لمفهوم الاستهلاك الذي ينهض باقتصادنا.
وفيما يتعلق بالأسباب التي تدفع بزيادة حجم ومبالغ الإنفاق بشكل غير طبيعي يبيِّن د. عبد الحي أستاذ الاقتصاد بمعهد التخطيط أن هناك العديد من الأسباب التي تدفع بظهور تلك الظاهرة، وعلى رأسها النظام والحكومة؛ حيث شجعت المواطنين على تلك الثقافة الشرائية، من خلال فتح الباب أمام المنتجات الصينية والفرنسية لنشر ثقافة الاستهلاك بشكل زائد عن الحد المعقول.
ويضيف د. عبد الحي أن الإعلانات التليفزيونية وثقافة الشراء الإلكتروني "أون لاين" أسهمت بشكل كبير في انتشار ثقافة الاستهلاك المتزايد، مشيرًا إلى أن تلك الوسائل باتت تمارس ضغوطًَا على المواطن لكي يشتري سلعًا هو ليس بحاجة إليها، فمن خلال تلك العروض المغرية التي تقدمها تلك الوسائل كالحصول على منتج مجاني أو سلعة أخرى بنفس الثمن، يضطر المواطن حينها لشراء تلك السلع وإن كانت لا تمثل له ضرورة.
وعن النتائج المترتبة على ثقافة الإنفاق غير الرشيد يلقي د. عبد الحي الضوء على تلك الأضرار، موضحًا أن عوائد ذلك الإنفاق لا تعود بالنفع على الاقتصاد المصري؛ لأن السلع تكون أغلبها صينيةً أو مستوردةً؛ ما شأنه ألا يستفيد منه اقتصادنا وإنتاجنا وطاقتنا العاملة.
ويكمل أن الإنفاق بهذا الشكل يشارك في الإضرار باقتصادنا لزيادة الواردات عن الصادرات، ومن ثمَّ الاقتصاد القومي للبلاد ككل؛ لأننا من خلال تلك الثقافة الشرائية ندعم اقتصاد الدول الغربية ولا ندعم اقتصادنا.
ويؤكد أن المخرج والحل من هذا الإنفاق هو أن يكون لصالح اقتصادنا المصري بشراء منتجات مصرية؛ لدفع عجلة التنمية، فضلاً عن توفير فرص عمل للشباب المصري للقضاء على البطالة متسائلاً: "كيف يمكن لنا أن نضمن اقتصادنا القومي وإنتاجنا ونحن نمارس تلك السياسة الاستهلاكية؟!".
حرب استنزاف
وفي سياق متصل تُشدِّد الدكتورة سعاد الديب نائب رئيس الاتحاد العربي للمستهلك على أهمية ترشيد الاستهلاك، موضحةً أنها ضرورةٌ مجتمعيةٌ لا بد أن يتبنَّاها المجتمع من خلال توعية إعلامية للمستهلكين بالأساليب الترويجية، التي تتبعها بعض المؤسسات المنتجة، من خلال طرح نماذح وأنماط متعددة للمنتج بشكل مفتعل؛ في محاولة لإجبار المستهلكين على الشراء واستنزاف أموالهم.
وتحذر د. سعاد من أضرار الاستهلاك غير الرشيد للسلع الترفيهية والكمالية، وخطورة تأثيرها في ميزانية الفرد وانعكاسها بالسلب على الاقتصاد القومي.
وتعلِّق على إقبال المواطنين محدودي الدخل على شراء تلك السلع بأنه هوسٌ استهلاكيٌّ، ومظهرٌ من مظاهر إشباع نقصه الاقتصادي الذي يرونه وكأنه عرضٌ مستمرٌّ أمامهم على مدار الساعة.
جذب الانتباه
من جانبها ترى الدكتورة انشراح الشال أستاذ علم الاجتماع بجامعة القاهرة أن وسائل الإعلام تلعب دورًا مهمًّا في تدعيم الثقافة الشرائية بالمجتمعات المصرية، مبينةً أن القنوات التليفزيونية تتسابق عن كثب إلى جذب انتباه المستهلكين؛ لكي يشتروا سلعها ومنتجاتها، في حين يقف المواطن البسيط مكتوف الأيدي لا يتمكن من الشراء.
وترى أن الشراء لا حرج فيه ولا مشكلة إذا ما تمَّ بخطوات مدروسة ووفقًا للحاجات والأولويات لما فيه الصالح العام.
وتؤكد أن الفائز في تلك العملية الإعلانية هو المنتج الغربي في ظل غياب المنتج المصري أمامه؛ الأمر الذي من شأنه أن يبشِّر بضياع المنتج المصري وانحداره.