عندما كان الحاكم بأمر الله واليًا على مصر، كان له وزير داخلية يسمَّى نجم الدين قراقوش، وكان قراقوش هذا يبعث عيونه في كل مكان من أرض المحروسة، حتى جعل الناس يخافون من الهمس فى الآذان، فقد أشاع بين الناس أنه يستطيع أن يسأل أذن أي شخص فتجيبه بكل ما حاول إخفاءه!.

 

ومن العجائب أنه كان يجمع بينه وبين "عبده الزقزوقي" ناظر الأوقاف المصرية محبة ومودة وخدمات متبادلة، فقد فتح ناظر الأوقاف المصرية كل خزائن الوقف لطلبات قراقوش، ولم يكتفِ بذلك، بل جعل قراقوش يشرف بنفسه على خطبة الجمعة؛ حتى لا يكون فيها ما يعارض الأحكام السلطانية، أو يشير من قريب أو بعيد إلى ظلم قراقوش أو استبداده، ولما اشتدَّ بطشه بالناس وتكميمه لأفواه الخطباء والوعاظ؛ فكَّر الوعاظ والخطباء في الاستعانة بأحد الشطار "اللصوص" المهَرَة ليخلِّصَهم من ناظر الوقف هذا أو يردَّ لهم بمهارته شيئًا مما يسلبهم من حقوقهم، ففكر هذا اللص في سرقة حذاء الزقزوقي المستورد من أوروبا أثناء أحد الاحتفالات في مسجد الحسين.

 

وفي غفلة من الحاضرين تسلَّل اللص وسرق الحذاء وعندما همَّ الناس بالانصراف تمَّ اكتشاف السرقة، وكانت المفاجأة التي أذهلت الخطباء والوعاظ والحاضرين جميعًا؛ فقد كان ناظر الأوقاف المصرية قد ركب في المساجد كاميرات ألمانية مستوردة من "ميونخ" لحبِّه لجمال ميونخ بالذات، ولأن عيون الكاميرات "الميونخية" زرقاء وجميلة جدًّا جدًّا فكانت هذه الكاميرات تصوِّر حركات المصلين رجالاً ونساءً، وتسجِّل كلماتهم وترصد هماستهم وتعدُّ أنفاسهم، فتمَّ اكتشاف أمر اللص، وسِيق إلى قراقوش فحكم عليه بقطع يده، وتم تقديم ثلاثين خطيبًا وواعظًا للمحاكمة؛ لأنهم عارضوا وضع الكاميرات في المساجد، ولأنهم شكَّلوا تنظيمًا محظورًا ضد قراقوش وناظر الأوقاف، ونال الزقزوقي شرف تقبيل يدي الحاكم بأمر الله لأنه تقدَّم على سيده قراقوش بتثبيت كاميرات المراقبة في المساجد!.