أحمد الزرقان

 

المَلِك, والمليك, ومالك الملك, ومالك يوم الدين أسماء وصفات لله جل جلاله, وتعالت أسماؤه, واسم الله الملك يعني الرب الحاكم العدل المالك المتصرف صاحب السلطان والقدرة, والعظمة على ملكه وملكوته ومملكته, وهو ليس بحاجة إلى مساعد أو شريك أو معاون أو حرس, له الملك والحكم وإليه يُرجع الأمر كله, فالله سبحانه هو الملك الحق والمالك الحق؛ لأنه بذاته وصفاته يستغني عن كل موجود، بينما يحتاج إليه كل موجود في الوجود.

 

ومن يتسمى بهذا الاسم من البشر هو على سبيل المجاز لا الحقيقة؛ لأنه يبقى عبدًا لله, والله الذي منحه الملك, وهو ميت لا محالة, وفانٍ لا شك وملكه زائل, وتصرفه محدود ومعدود, وقد ينقلب عليه أقرب الناس إليه من أخ أو ابن, كما قال يوسف عليه السلام: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنْ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ (يوسف: 101).

 

ومن مظاهر ملك الله الحقيقي المتفرد به سبحانه قوله تعالى: ﴿قُلْ اللهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (27)﴾  (آل عمران: 26, 27).

 

والإنسان يكون ملكًا في ملكه إذا حقق صفتين؛ إذا كان عبدًا لله زاهدًا في هذه الحياة الدنيا الفانية، وغير مستعبَد لها, عندها ترقى نفسه إلى درجة ملوك البشر الأسوياء الأنقياء الذين يتعالون على كل شهوة ونزوة وكل غريزة وطمع؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم قال "تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة (الثوب) إن أُعطي رضي، وإن لم يعط لم يرض" (البخاري).

 

لذلك قال أحد الحكماء: ازهد في الدنيا تكن ملكًا فيها, واستغن عن الرجل تكن نظيره, واحتج إليه تكن أسيره, وأحسن إليه تكن أميره, وإذا كنت ملكًا في الدنيا تكن ملكًا في الآخرة, ورُوي أن العالم الزاهد ابن السّماك كان في مجلس هارون الرشيد، وطلب الرشيد كأس ماء فلما حضر الماء, قال ابن السماك: يا أمير المؤمنين لو مُنعت شُربه فبكم تشتريه, قال: أشتريه بنصف مُلكي, قال ابن السماك: اشربه هنيئًا مريئًا, فلما شربه, قال يا أمير لو مُنع ما شربته من الخروج فبكم تشتري خروجه, قال الرشيد بنصف ملكي, فقال ابن السماك: ما أزهده وأحقره من مُلك تشتريه بشربة وبولة.

 

والصفة الثانية التي ترفع الإنسان إلى درجة الملوك هو أن يملك الإنسان نفسه، ولا يكون عبدًا لهواه وشهوته, فهذا يوسف عليه السلام بلغ الملك الأعظم عندما ملك نفسه, فلما عرضت عليه امرأة العزيز نفسها بعزها وجمالها وسلطانها وشبابها, مَلَك نفسه ورفض كل ذلك الإغواء والإغراء؛ فحصل له بعد ذلك الملك ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتْ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ (يوسف: 23).

 

وها نحن نسمع ونرى كم من القاده والزعماء والرؤساء والوزراء وكبار المسئولين يسقطون في خطيئة الجنس والرذيلة؛ فيصبح الواحد منهم عبدًا ذليلاً صاغرًا لمن أسقطه يبتزه, ويتصرف به كما يشاء وهو لا يلوي على شيء؛ لذلك قالت زليخة زوجة العزيز ليوسف عليه السلام بعد أن مكَّنه الله من ملك مصر: "سبحان من جعل الملوك عبيدًا بالمعصية والعبيد ملوكًا بالطاعة".

 

وقد قرأت عن تشرتشل رئيس وزراء بريطانيا قوله: "نحن ملكنا العالم من غربه إلى شرقه ومن شماله إلى جنوبه, ولكننا لم نستطع أن نملك أنفسنا, ونحن ضعفاء أمام النفس الأمَّارة بالسوء"، وعليه فإن من زهد في الدنيا وملك نفسه أصبح مَلِكا عظيمًا في الدنيا والآخرة.