حين تتوفر القدوة من الوالدين يبقى أن يتعرفا على أهداف الأسلوب التربوي الذي نريد أن نربي عليه أبناءنا؛ ليسهل علينا متابعة المردود التربوي بعد تنفيذ أي أسلوب تربوي معهم.
أهداف الأسلوب التربوي
1- أهداف روحية:
وهي التي تقوم على إعداد جيل سليم العقيدة، صحيح العبادة، لا يتلقى الإيمان على أنه علم؛ بل لا بد أن يعيش ويتربى تربية روحية عقائدية يستشعر بها أن الله خالق، الله رازق، الله شاهد عليه، الله قادر على كل شيء.
ولنعلم أن هناك مجموعة عناصر نفسية داخلية تعين على التعلق بعظمة خلق الله، وهي (بصائر- وعواطف- وإرادة) أي: العقل, والقلب, والجوارح، ولهذا كان من المهم أن نعوِّد الطفل من الصغر على متعة التأمل في الكون، واستشعار إبداع خلق الله مع تعليق الوالدين تعليقًا يربط ما أدركه العقل بالروح (القلب)، فيتعلق القلب بذات الجلالة، فيسهل على الجوارح الالتزام والتطبيق لشرع الله.
ومن روائع هذا الدين أنه لم يحث على ربط القلب بالله فقط، ولكن بين الطريق لذلك من صلاة وذكر وتأمل في عظمة خلق الله, فلنقم حوارات إيمانية تأملية بيننا وبين أولادنا- دعنا نتأمل معهم لحظة غروب الشمس، ونحن نردِّد معًا الأذكار ومنظر الجبال أو البحار والأشجار، بل يمكن أن أعطه رمانة، وأطلب منه أن يعلق على مدى عظمة خلق الله لهذه الثمرة وغيرها.
2- أهداف نفسية:
وهي التي تنمِّي في الطفل الفضائل النفسية؛ كالحلم والحياء والشجاعة ومجاهدة النفس فيصير متين الخلق، ومنظم في شئونه، وهذه جميعًا تحتاج من الوالدين اصطحاب الأبناء في رحالات وزيارات، وتكليفهم ببعض الأعباء، وتدريبهم عمليًّا على تحمل أعباء الحياة وتوجيه طاقاتهم فيما يمكن إنجازه، وبتشجيعهم والتدرج معهم ينمو الأبناء، وقد اعتادوا الاعتماد على النفس وتحمل المسئولية.
وعلينا أن ننتبه لانتشار فلسفات غربية متعددة سار عليها بعض الآباء، والتي لا تتناسب مع أصول وثوابت التربية الإسلامية، نتج عنها جيل مائع الشخصية، لا يعتمد على نفسه في شيء.
لقد حرص الرسول عليه الصلاة والسلام على تقوية إرادة الصبي بتعويده على حفظ السر، كما فعل عليه الصلاة والسلام مع أنس وعبد الله بن جعفر؛ حيث أسرهما سرًّا، وفعلاً كتما السر، فإذا تعوَّد الصبي كتمان السر فإن إرادته تقوى، وبالتالي تكبر معه ثقته في نفسه، ويتحقق ذلك أيضًا بتعويده على الصيام والسير مسافات أو بتسلق الجبال وتعليمهم ترشيد الاستهلاك وعدم الإسراف.
3- أهداف اجتماعية:
وهي التي تقدم لنا جيلاً يفهم الإسلام على أنه نظام حياة، فكما يلبي مطالب الدين يلبي مطالب الدنيا.
جيل تربى تربيةً شاملةً متكاملةً فأصبح متين الخلق، نافعًا لغيره، قادرًا على الكسب، جيل تعلم كيف يتعايش مع كل مَن حوله سواء أفراد الأسرة أو العائلة أو المجتمع، ويعرف دوره جيدًا تجاه الآخرين, وكما أشرنا سابقًا أن نظام التعليم بصورته الحالية أفقد الأبناء الثقافة المجتمعية، بل شغل الأسرة عن الدور الاجتماعي التي يجب أن تقوم به كأسرة مسلمة؛ ولذلك من المهم أن يكون هناك أهداف اجتماعية يتربى عليها النشء.
4- أهداف مهارية ترفيهية:
وهي تتطلب اكتشاف المواهب والطاقات، والحرص على تنميتها وتوجيهها التوجيه السليم, فها هو الرسول صلى الله عليه وسلم بعد فتح مكة حين أمر بلال أن يصعد فوق الكعبة ويؤذن أول أذان، فلمَّا فعل استهزأ به بعض المشركين فقلدوا صوت بلال غيظًا، وكان منهم أبو محذورة، وكان أحسنهم صوتًا فلما رفع صوته بالأذان مستهزئًا سمعه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر به بين يديه، فظنَّ أبو محذورة أنه مقتول، فمسح على ناصيته وصدره بيده الشريفة، قال أبو محذورة: فامتلأ قلبي إيمانًا ويقينًا، فعلمتُ أنه رسول الله، فألقى عليه الرسول عليه الصلاة وسلم الأذان، وعلَّمه إياه، وأمره أن يؤذن لأهل مكة، وكان عمره ست عشرة سنة.
الترفيه واللعب مهم للأطفال، فليسأل كلٌّ منا كم مرة لعب مع أولاده، واستطاع أن يكتشف مهارات وطاقات أبنائه؟.
فاللعب ينمي حركة العضلات، وهو نشاط مهم لنمو المخ والجهاز العصبي, كما أنه يساعد على النمو الاجتماعي؛ حيث يعلم الطفل النظام واحترام القوانين وروح الفريق، ويعالج كثيرًا من المشكلات الاجتماعية مثل: الخجل، والانطواء، والغرور، بل هو يُكسب الطفل قيمًا تربوية كثيرة، ويخلص الفتى من الصراعات النفسية التي يمر بها في هذا السن.
كيف نقدم أسلوبًا تربويًّا ناجحًا للأبناء؟
هذه بعض الإرشادات أضعها أمام أختي الأم باعتبار أن عليها العبء الأكبر في التربية:
1- ضعي نصب عينيك أهدافًا وخصائص التربية قبل استخدام أي أسلوب.
2- اربطي توجهاتك دائمًا بالعقيدة، ولقد كان هذا هو أسلوب الرسول صلى الله عليه وسلم، ولنتأمل معًا أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم: "مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه, ومَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت".
إن أولادنا في حاجةٍ شديدة إلى غرس العقيدة في قلوبهم، واستشعار مراقبة الله، فيتربون على الخوف والحياء من الله عز وجل.
3- لا تتعجلي بعد تطبيق أي أسلوبٍ للحصول على النتيجة؛ لأن الأسلوب التربوي إن لم يأخذ مداه والوقت الكافي الذي يتناسب مع النفسية التي تربيها؛ فسوف يترتب عليه يأس وعدم استمرار في تقديم أساليب تربوية.
4- اجعلي أسلوبك شيقًا يخاطب العقل والوجدان معًا، فلا تعتمدي على التوجيهات والتعليمات فقط، ولكن احرصي أن تكوني قريبةً لوجدان ابنك بالحوار والنقاش وحسن الاستماع، وتعلمي مهارة العرض والإقناع.
5- تذكري أن نجاحك حين يشعر الطفل أن كلام الأم يستحق الاستماع والإنصات، ولهذا أصبح من المهم مراعاة مستوى وسن كل طفل، واختيار ما يناسبه من فنون الحوار والأساليب تربوية.
6- تعرفي على العوامل النفسية المؤثرة على كل مرحلة من مراحل النمو واهتمامات كل مرحلة؛ ليسهل عليك تقديم ما يناسبها من توجيهات, فاهتمامات الطفولة المبكرة والعوامل المؤثرة عليها تختلف عن المراهقة.
وهكذا, فالطفل الصغير يتأثر بفقدان الحنان والحب في المنزل دون تفريغ طاقته، والفتاة تتأثر بالتوبيخ والإهانة وعدم الصحبة، وتحتاج استيعاب الاضطرابات النفسية التي تمر بها في هذه السن.
7- احرصي على تنمية معارفك وتجديد أسلوبك، بما يتفق مع لغة العصر، وفي نفس الوقت لا يتعارض مع قاعدة شرعية.
8- يُفضل أن يكون لديكِ قدرة على إتقان بعض المهارات؛ حتى يمكنك أن تنقليها إلى أبنائك لتشغلي بها وقت فراغهم.
9- لا تنسي الأخذ بالأسباب وفي نفس الوقت كوني متفائلةً؛ لأن التفاؤل قوة نفسية إيجابية فعالة، ينظر صاحبها إلى الغد بابتسامة أمل ويسر إلى الغاية المرجوة بروح القائد.
نلاحظ كثيرًا من الأمهات والآباء يفتقدون الأمل ويرددون أمام أبنائهم "هكذا أنت دائمًا فاشل.. أنت مزعج.. أنت لا تفهم.." فهذه رسائل سلبية تصنع جوًّا سلبيًّا للآباء والأمهات، وكلاهما يفقد الأمل في التغيير.
10- أن تتصف بصفات الداعية؛ لأنها داعية في بيتها كالصبر والثبات والتضحية والجهاد، فإذا ما نجحت في النهوض بأفراد أسرتها؛ كيف تكون داعيةً خارج البيت.
11- أن تستعين بالله تعالى والدعاء بعد تقديم كل أسلوب.
نعم.. نحن نأخذ بالأسباب، ولكن لا ننسى أن جهد البشر محدود، والله تعالى هو الموفق والمدبر.
اللهم اهد أبناء المسلمين واجعلهم يا الله من الصالحين.
وإلى حديثٍ قادم نُقدِّم فيه سلسلةَ مقالاتٍ حول أصول وثوابت تربية الأبناء كل مرحلةٍ على حدة.